معاوية بن أبي سفيان لم يكن كاتباً للوحي
أسلم معاوية رضي الله عنه باتفاق المحققين في سنة الفتح ٨هـ، وقيل في عمرة القضاء ٧هـ. ومنذ إسلامه، سار في سلك المهاجرين وصحب النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة.
ثبت في صحيح الإمام مسلم من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كنت ألعب مع الصبيان. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فتواريت خلف باب.قال فجاء فحطأني حطأة. وقال "اذهب وادع لي معاوية" قال فجئت فقلت: هو يأكل. قال ثم قال لي "اذهب فادع لي معاوية" قال فجئت فقلت: هو يأكل. فقال "لا أشبع الله بطنه»
هذا الحادث وقع يقيناً في المدينة المنورة، حيث كان ابن عباس طفلاً ملازماً لداره صلى الله عليه وسلم، وفيه دليل قاطع على استقرار معاوية في المدينة وملازمته للنبي صلى الله عليه وسلم في بيته وندواته الخاصة.
و لم يتول معاوية الشام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم قط، بل ولاه أبو بكر الصديق رضي الله عنه قيادة بعض الجيوش المجاهدة في فتوح الشام، ثم ثبته الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والياً على دمشق وما حولها بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بزمان طويل. فإقامته زمن الوحي كانت حصراً في الحجاز.
كتابته للوحي القرآني وليس الرسائل وحدها.
ولما نقل ابن تيْميَّة قولَ ابن المطهِّر عن أهل السنة: «وسمُّوه: كاتب الوحي، ولم يكتب له كلمةً من الوحي»؛ أجاب عن ذلك فقال: «فهذا قولٌ بلا حجةٍ, فما الدليلُ على أنه لم يكتب له كلمة واحدة من الوحي, وإنما كان يكتب له الرسائل؟»
حدثني عباس بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ المعقري. قالا: حدثنا النضر (وهو ابن محمد اليمامي). حدثنا عكرمة. حدثنا أبو زميل. حدثني ابن عباس قال:كان المسلمون لا ينظرون إلى أبي سفيان ولا يقاعدونه. فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا نبي الله! ثلاث أعطنيهن. قال "نعم" قال: عندي أحسن العرب وأجمله، أم حبيبة بنت أبي سفيان، أزوجكها. قال "نعم" قال: ومعاوية، تجعله كاتبا بين يديك. قال "نعم". قال: وتؤمرني حتى أقاتل الكفار، كما كنت أقاتل المسلمين. قال "نعم".
قال أبو زميل: ولولا أنه طلب ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ما أعطاه ذلك. لأنه لم يكن يسئل شيئا إلا قال "نعم".
-صحيح مسلم
حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عِيسَى أَبُو بِشْرٍ الرَّاسِبِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقُولُ:كُنْتُ غُلامًا أَسْعَى مَعَ الْغِلْمَانِ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِنَبِيِّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، خَلْفِي مُقْبِلًا، فَقُلْتُ: مَا جَاءَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلا إِلَيَّ، قَالَ: فَسَعَيْتُ حَتَّى أَخْتَبِئَ وَرَاءَ بَابِ دَارٍ، قَالَ: فَلَمْ أَشْعُرْ حَتَّى تَنَاوَلَنِي، فَأَخَذَ بِقَفَايَ، فَحَطَأَنِي حَطْأَةً، فَقَالَ: " اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ " قَالَ: وَكَانَ كَاتِبَهُ، فَسَعَيْتُ فَأَتَيْتُ مُعَاوِيَةَ، فَقُلْتُ: أَجِبْ نَبِيَّ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّهُ عَلَى حَاجَةٍ.
-مسند أحمد
سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ فَإِذَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلم قَدْ جَاءَ فَقُلْتُ: مَا جَاءَ إِلَّا إِلَيَّ فَاخْتَبَأْتُ عَلَى بَابِ فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةً فَقَالَ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَةَ» وَكَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ
-دلائل النبوة للبيهقي
وعن الجراح الموصلي قال : سمعتُ رجلاً يسأل المعافى بن عمران فقال : يا أبا مسعود ؛ أين عمر بن عبد العزيز من معاوية بن أبي سفيان ؟ فرأيته غضب غضباً شديداً ، وقال : لا يقاس بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أحد ، معاوية رضي الله عنه كاتبه وصاحبه وصهره وأمينه على وحيه عز وجل .
و لم يكن مفهوماً في عصر النبوة وجود تقسيم يفصل بين "كاتب قرآن" و"كاتب رسائل"بل كان كتاب الوحي المعتمدون (مثل زيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، ومعاوية بن أبي سفيان) يكتبون ما يملى عليهم من آيات القرآن حين تنزل، إضافة إلى توثيق العهود والرسائل. وقد طلب أبو سفيان من النبي صلى الله عليه وسلم صراحة أن يتخذ معاوية كاتباً، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «نعم»، فدخل في زمرة الكتّاب الأمناء على الوحي والتدون.