قتل معاوية لحجر بن عدي
إن حجر بن عدي لم تثبت صحبته عند محققي أهل السنة، بل هو معدود في التابعين.
يقول الحافظ ابن حجر:
«أَمَّا الْبُخَارِيُّ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَابْنُ حِبَّانَ فَذَكَرُوهُ فِي التَّابِعِينَ».
وقال ابن كثير:
«وَقَدْ ذَكَرَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَكَرَ لَهُ وِفَادَةً، ثُمَّ ذَكَرَهُ فِي الْأُولَى مِنْ تَابِعِي أَهْلِ الْكُوفَةِ ... وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْعَسْكَرِيُّ: أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ لَا يُصَحِّحُونَ لَهُ صُحْبَةً».
وعلى مباني الرافضة، فإن الصحبة ليست منقبة أصلاً، بل يقول النباطي العاملي:
«فَالصُّحْبَةُ لَا تُوجِبُ الْفَضِيلَةَ؛ لِقَوْلِ اللهِ: {قال له صاحبه و هو يحاوره أكفرت}...».
فلماذا يتباكون على صحبته المزعومة وهم يكفرون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟
كما أن القصة التي يسوقها الرافضة لثورة حجر مظلوماً، لم تثبت بسند سليم، بل هي من مرويات الكذابين والمتروكين. فالرواية عند الطبري تدور على أبي مخنف ومجالد بن سعيد والكلبي، وهم مجمع على ضعفهم وتركهم.
ثم إن حجر بن عدي كان من الخوارج على عثمان رضي الله عنه.
وهذا الخروج يهدر دمه في شرع الرافضة قبل شرع المسلمين، ففيه إهلاك للنفس وإثارة للفتنة.
لم يقتل معاوية حجر بن عدي بطشاً وغيلة، بل بعد إعذار وإنذار، ومحاكمة شهد فيها صلحاء الناس ورؤوس الأرباع على تمرده وإثارته الفتنة وشق عصا الطاعة.
فقد روى صالح بن أحمد بسند حسن عن شرحبيل بن مسلم قال:
«لَمَّا بُعِثَ بِحُجْرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْأَدْبَرِ وَأَصْحَابِهِ مِنَ الْعِرَاقِ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي قَتْلِهِمْ، فَمِنْهُمُ الْمُشِيرُ وَمِنْهُمُ السَّاكِتُ، فَدَخَلَ مُعَاوِيَةُ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَلَمَّا صَلَّى الظُّهْرَ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ جَلَسَ عَلَى مِنْبَرِهِ فَقَامَ الْمُنَادِي فَنَادَى: أَيْن عَمْرو بن الْأسود الْعَنسِي؟ فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَلا إِنَّا بحصن من الله حَصِين لم نؤمر بِتَرْكِهِ، وقولك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي أهل الْعرَاق، أَلا وَأَنت الرَّاعِي وَنحن الرّعية، أَلا وَأَنت أعلمنَا بدائهم وأقدرنا على دوائهم، وَإِنَّمَا علينا أَن نقُول: [سمعنا و أطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير] {البقرة:285}. فَقَالَ مُعَاوِيَة: أَمَّا عَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ فَقَدْ تَبَرَّأَ إِلَيْنَا مِنْ دِمَائِهِمْ وَرَمَى بِهَا مَا بَيْنَ عَيْنَيْ مُعَاوِيَةَ، ثُمَّ قَامَ الْمُنَادِي فَنَادَى: أَيْن أَبُو مُسلم الْخَولَانِيُّ؟ فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَلَا وَاللهِ مَا أَبْغَضْنَاكَ مُنْذُ أَحْبَبْنَاكَ، وَلَا عَصَيْنَاكَ مُنْذُ أَطَعْنَاكَ، وَلَا فَارَقْنَاكَ مُنْذُ جَامَعْنَاكَ، وَلَا نَكَثْنَا بَيْعَتَنَا مُنْذُ بَايَعْنَاكَ، سُيُوفُنَا عَلَى عَوَاتِقِنَا إِنْ أَمَرْتَنَا أَطَعْنَاكَ، وَإِنْ دَعَوْتَنَا أَجَبْنَاكَ، وَإِنْ سَبَقْتَنَا أَدْرَكْنَاكَ، وَإِنْ سَبَقْنَاكَ نَظَرْنَاكَ، ثُمَّ جَلَسَ. ثُمَّ قَامَ الْمُنَادِي فَقَالَ: أَيْن عَبْدُ اللهِ بْنُ مِخْمَرٍ الشَّرْعَبِيُّ؟ فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: وَقَوْلُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي هَذِهِ الْعِصَابَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ إِنْ تُعَاقِبْهُمْ فَقَدْ أَصَبْتَ، وَإِنْ تَعْفُ فَقَدْ أَحْسَنْتَ. فَقَامَ الْمُنَادِي فَنَادَى: أَيْنَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَسَدٍ الْقَسْرِيُّ؟ فَقَامَ فَحَمدَ الله وَأثْنى عَلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، رَعِيَّتُكَ وَوِلَايَتُكَ وَأَهْلُ طَاعَتِكَ، إِنْ تُعَاقِبْهُمْ فَقَدْ جَنَوْا عَلَى أَنْفُسِهِمُ الْعُقُوبَةَ، وَإِنْ تَعْفُ فَإِنَّ الْعَفْوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، لَا تُطِعْ فِينَا مَنْ كَانَ غَشُومًا لِنَفْسِهِ ظَلُومًا بِاللَّيْلِ نَؤُومًا عَنْ عَمَلِ الْآخِرَةِ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الدُّنْيَا قَدِ انْخَشَعَتْ أَوْتَادُهَا، وَمَالَتْ بِهَا عِمَادُهَا، وَأَحَبَّهَا أَصْحَابُهَا، وَاقْتَرَبَ مِنْهَا مِيعَادُهَا، ثُمَّ جَلَسَ. فَقُلْتُ لِشُرَحْبِيلَ: فَكَيْفَ صَنَعَ؟ قَالَ: قَتَلَ بَعْضًا وَاسْتَحْيَا بَعْضًا، وَكَانَ فِيمَنْ قَتَلَ حُجْرُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْأَدْبَرِ، قَالَ: قُدِّمَ لِيُضْرَبَ عُنُقُهُ».
فهذا قتل بالسيف إخماداً للفتنة وتنفيذاً لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«مَنْ أَتَاكُمْ وَأَمْرُكُمْ جَمِيعٌ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، يُرِيدُ أَنْ يَشُقَّ عَصَاكُمْ، أَوْ يُفَرِّقَ جَمَاعَتَكُمْ، فَاقْتُلُوهُ».
و العجب الأكبر هو دفاع الرافضة عن حجر، وهو بحسب قواعدهم ناصبي نجس طعن في إمامهم المعصوم وسبه بأقذع الألفاظ.
فقد أخرج ابن شهرآشوب في المناقب:
«فَقَالَ حُجْرُ بْنُ عَدِيٍّ: أَمَّا وَاللهِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ مِتَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمِتْنَا مَعَكَ وَلَمْ نَرَ هَذَا الْيَوْمَ، فَإِنَّا رَجَعْنَا رَاغِمِينَ بِمَا كَرِهْنَا، وَرَجَعُوا مَسْرُورِينَ بِمَا أَحَبُّوا».
وجاء في مدينة المعاجز أن حجر بن عدي دخل على الحسن فقال له علانية:
«السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُذِلَّ الْمُؤْمِنِينَ!».
فأي نصب وأي كفر بإمامة أهل البيت أعظم من وصف المعصوم بمذل المؤمنين؟
لكن الحقد على معاوية أعماهم فجعلوا من الناصبي الطعان في أئمتهم ولياً مقدساً.