أهل الشرك هم أكثر الناس وقوعاً في حب المردان، وما هو حكم النظر إلى الأمرد ومصاحبته ومجالسته؟
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين
قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك
وأما الترهيب من إطلاق النظر فيما لا يحل النظر إليه، فقد تقدَّم فيه قولُ الله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} .
وهذه الآية الكريمة فيها تهديدٌ لمن يتعمد النظرَ إلى المحرمات كالنظر إلى المرأة الأجنبية، سواء كان النظر إليها بشهوة أو بغير شهوة، وكالنظر إلى المُرْدانِ وذواتِ المحارم بشهوة.
وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَتَغُضُّنَّ أبصارَكم، ولَتحفَظُنَّ فروجكم، ولَتُقِيمُنَّ وجوهَكم، أو لتُكْسَفَنَّ وجوهُكم».
وذكر ابن عدي في كامله من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال: «نَهَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يُحِدَّ الرجلُ النظرَ إلى الغلام الأمرد».
وذكر الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا رأيتم الرجلَ يُلِحُّ النظرَ إلى غلام أمرد فاتَّهِموه.
وروى الحافظ أيضاً بإِسناد ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «من نَظَر إلى غلام أمرد برِيبة حَبَسه الله في النار أربعين عاماً».
وروى البيهقي وغيره عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «الإثمُ حَوَازُّ القلوب [1]، وما من نظرةٍ إلا وللشيطان فيها مَطْمَع».((1) قال ابن الأثير: حواز القلوب هي الأمور التي تحز فيها أي تؤثر كما يؤثر الحز في الشيء، وهو ما يخطر فيها من أن تكون معاصي لفقد الطمأنينة إليها، وهي بتشديد الزاي جمع حاز، وكذا قال ابن منظور في لسان العرب. )
قال المنذري: رُواتُه لا أعلم فيهم مجروحاً، لكن قيل: صوابُهُ الوقف على ابن مسعود.
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: ويَحرُمُ النظرُ بشهوة إلى النساء والمُردان؛ ومن استحله كفر إِجماعاً، ويَحرُمُ النظرُ مع خوف ثَورَان الشهوة، وهو منصوص عن الإمام أحمد والشافعي رحمهما الله تعالى.
ومن كرَّر النظر إلى الأمرد ونحوه وقال: لا أنظُرُ بشهوة كَذَب في دعواه، ومتى كان مع النظر شهوة كان حراماً بلا ريب، سواء كانت شهوةَ تمتع بالنظر، أو كانت نظراً بشهوة الوطء. واللمسُ كالنظر وأولى.
قلت: لا ريب أن اللمس أقوى من النظر في إثارةِ الشهوة والدعاء إلى الفتنة، وعلى هذا فهو أَولى بالتحريم من النظر.
قال المرداوي: وهذا هو الصواب بلا شك، وقطَعَ به في الرعايتين والحاوي الصغير.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس في موضع آخر: النظرُ إلى وجه الأمرد بشهوة كالنظر إلى وجهِ ذواتِ المحارم والمرأةِ الأجنبية بالشهوة، سواء كانت الشهوة شهوةَ الوطء، أو كانت شهوة التلذذ بالنظر، فلو نظر إلى أمه وأخته وابنته يتلذذ بالنظر إليها كما يتلذذ بالنظر إلى وجه المرأة الأجنبية: كان معلوماً لكل أحد أنَّ هذا حرام، فكذلك النظرُ إلى وجه الأمرد باتفاق الأئمة.
والله سبحانه وتعالى قد أمَرَ في كتابه بغَضِّ البصر، وهو نوعان: غض البصر عن العورة، وغضها عن محل الشهوة، فالأول كغض الرجل بصرَه عن عورة غيره، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «لا ينَظُرُ الرجلُ إلى عورة الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة».
ويجب على الإنسان أن يستر عورته، ويجوز كشفها بقدر الحاجة كما تُكشَفُ عند التخلي.
وأما النوع الثاني من النظر: كالنظَر إلى الزينة الباطنة من المرأة الأجنبية فهذا أشد من الأوَّل، كما أن الخمر أشد من الميتة والدم ولحم الخنزير، وعلى صاحبها الحدُّ، وتلك المحرَّمات إذا تناولها الإنسان غير مستحل لها كان عليه التعزير، لأن هذه المحرمات لا تشتهيها النفوس كما تُشتَهى الخمر، وكذلك النظر إلى عورة الرجل لا يُشتَهَى كما يُشتَهى النظر إلى النساء ونحوِهن، وكذلك النظر إلى الأمرد بشهوة هو من هذا الباب.
وقد اتفق العلماء على تحريم ذلك، كما اتفقوا على تحريم النظر إلى الأجنبية وذوات المحارم بشهوة.
والنظر إلى المردان ثلاثة أقسام، أحدها ما تقترن به الشهوة فهو محرم بالاتفاق.
والثاني ما يُجزَم أنه لا شهوة معه كنظر الرجل الوَرِع إلى ابنه الحسن وابنته الحسنة وأمه الحسنة، فهذا لا تَقترن به شهوة إلا أن يكون الرجل من أفجر الناس؛ ومتى اقتَرن به الشهوة حَرُم، وعلى هذا نظَرُ من لا يميل قلبه إلى المردان، كما كان الصحابة رضي الله عنهم، وكالأُمم الذين لا يعرفون هذه الفاحشة، فإن الواحد من هؤلآء لا يُفرِّق من هذا الوجه بين نظره إلى ابنه وابن جاره وصبيٍّ أجنبي، لا يخطر بقلبه شيء من الشهوة، لأنه لم يَعتد ذلك وهو سليم القلب من مثل ذلك.
وقد كانت الإماء على عهد الصحابة رضي الله عنهم يمشين في الطرقات وهُنَّ متكشفاتُ الرءوس، ويَخدمن الرجال مع سلامة القلوب، فلو أراد الرجل أن يَترك الإماء التركيات الحِسان يمشين بين الناس في مثل هذه البلادِ والأوقات، كما كان أولئك الإماء يمشين، كان هذا من باب الفساد.
وكذلك المُردان الحِسان لا يصلح أن يخرجوا في الأمكنة والأزمنة التي يُخاف فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة، فلا يمكَّنُ الأمرد الحسن من التبرج، ولا من الجلوس في الحمَّام بين الأجانب، ولا من رقصه بين الرجال ونحو ذلك مما فيه فتنة للناس، والنظر إليه كذلك.
وإنما وقع النزاع بين العلماء في القسم الثالث من النظر، وهو النظر إليه بغير شهوة، لكن مع خوف ثَورَانها، ففيه وجهان في مذهب أحمد، أصحهما وهو المحكي عن نص الشافعي وغيره أنه لا يجوز، والثاني يجوز، لأن الأصل عدم ثورانها، فلا يحرُم بالشك بل قد يُكرَه، والأول هو الراجح، كما أن الراجح في مذهب الشافعي وأحمد أن النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز وإن كانت الشهوة منتفية، لأنه يخاف ثورانُها، ولهذا حُرِّمت الخلوة بالأجنبية لأنها مظِنة الفتنة.
والأصل أن كل ما كان سبباً للفتنة فإِنه لا يجوز، فانَّ الذريعة إلى الفساد يجب سَدُّها إذا لم يعارضها مصلحةٌ راجحة.
ولهذا كان هذا النظرُ الذي قد يُفضي إلى الفتنة محرَّماً إلا إذا كان لمصلحة راجحة، مثل نظر الخاطب والطبيب وغيرِهما، فإنه يباح النظر للحاجة لكن مع عدم الشهوة. وأما النظر لغير حاجة إلى محل الفتنة فلا يجوز.
ومن كرر النظر إلى الأمرد ونحوه وأدامه وقال: إني لا أنظر لشهوة كَذَب في ذلك، فإنه إذا لم يكن له داع يَحتاج معه إلى النظر، لم يكن النظر إلا لما يحصل في القلب من اللذة بذلك. وأما نظَرُ الفَجْأة فهو عفو إذا صَرَف بصرَه.
قال: وقال بعض التابعين: ما أنا على الشاب التائب من سَبُع يَجلِسُ إليه بأخوفَ عليه مِن حَدَثٍ جميل يَجلِسُ إليه.
وقال بعضهم: اتقوا النظر إلى أولاد الملوك، فإن فتنتهم كفتنة العَذارَى.
وما زال أئمة العلم والدين كأئمة الهُدَى وشيوخ الطريق يوصون بترك صحبة الأحداث، حتى يُروَى عن فَتْح الموصلي أنه قال: صحبتُ ثلاثين من الأبدال، كلُّهم يوصيني عند فراقه بترك صحبة الأحداث.
وقال بعضهم: ما سقَطَ عبد من عين الله إلا ابتلاه بصحبة هؤلآء الأَنْتَان [1](1) الأنتان جمع نتن، وهو الرائحة الكريهة. وقد وصفوا المردان بذلك تنفيراً من صحبتهم ومخالطتهم. ). ثم النظر يولِّد المحبة فيكَوِّنُ عَلاقةً لتعلق القلب بالمحبوب، ثم صَبابةً لانصباب القلب إليه، ثم غراماً للزومه للقلب كالغريم الملازم لغريمه، ثم عشقاً إلى أن يصير تتيُّماً، والمتيَّم: المعبَّد، وتَيْمُ الله: عَبْدُالله، فيبقى القلب عبداً لمن لا يصلح أن يكون أخاً بل ولا خادماً.
وهذا إنما يُبتلَى به أهل الإعراض عن الإخلاص لله، الذين فيهم نوع من الشرك وإلا فأهل الإخلاص كما قال الله تعالى في حق يوسف عليه السلام: {كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ} .
فامرأة العزيز كانت مشركة، فوقعت مع تزوجها فيما وقعت فيه من السوء. ويوسفُ عليه السلام مع عزوبته ومراودتِها له واستعانتِها عليه بالنسوة وعقوبتِها له بالحبس على العفة، عَصَمه الله بإخلاصه لله، تحقيقاً لقوله: {لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} .
قال تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} .
والغيُّ هو اتِّباع الهوى، وهذا الباب من أعظم أبواب اتِّباع الهوى. انتهى المقصود من كلامه ملخصاً.
فليُتأمَّل من أوله إلى آخره، وليُتأمَّل ما ذكَر من الاتفاق على تحريم النظر بشهوة إلى المردانِ والأجنبياتِ من النساء وذواتِ المحارم، وأنه سواء في ذلك النظر بشهوةِ الوطء، أو شهوةِ التلذذ بالنظر، وأنَّ من استحل ذلك كفر إجماعاً، وأنَّ اللمس كالنظر وأولى.
وهذا المحرَّم بالاتفاق؛ قد وقع فيه كثير من الناس في زماننا، ولاسيما في البلدان التي قد فشَتْ فيها الحرية الإفرنجية، ورغِبَ أهلُها رجالاً ونساءً في مشابهة الإفرنج واتِّباع سَنَنهم حذْوَ النعل بالنعل؛ فإن هؤلآء لا يَرون بالنظر المحَّرم بأساً، عِياذاً بالله من موجِبات غضبِه وأليمِ عقابه.
قال النووي : وأما نظَرُ الرجل إلى المرأة فحرام في كل شيء من بدنها، فكذلك يَحرُمُ عليها النظرُ إلى كل شيء من بدنه، سواء كان نظره ونظرها بشهوة أم بغيرها؛ ولا فرق أيضاً بين الأمَة والحُرَّة إذا كانتا أجنبيتين.
وكذلك يَحرم على الرجل النظرُ إلى وجه الأمرد إذا كان حسن الصورة، سواء كان نظَرُهُ بشهوة أم لا؛ وسواء أمِنَ الفتنة أم خافها، هذا هو المذهب الصحيح المختار عند العلماء المحققين نَصَّ عليه الشافعيُّ وحُذَّاقُ أصحابه رحمهم الله تعالى.
ودليلُه أنه في معنى المرأة، فإنه يُشتَهَى كما تُشتَهى، وصورته في الجمال كصورة المرأة، بل ربما كان كثيرٌ منهم أحسنَ صورة من كثير من النساء، بل هم في التحريم أولى لمعنى آخر، وهو أنه يُتمَكَّنُ في حقهم من طريق الشرّ ما لا يُتمَكَّنُ من مثله في حق المرأَة.
قلت: وقد كان إبراهيم النخعي وسفيان الثوري وغيرهما من السلف ينهون عن مجالسة المردان. قال النخعي: مجالستهم فتنة، وإنما هم بمنزلة النساء.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن الحسن بن ذكوان أنه قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء، فإن لهم صُوَراً كصور النساء، وهم أشد فتنة من العَذارَى.
وروى أبو نعيم في الحلية من طريق القاسم بن عثمان، حدثنا عبدالعزيز بن أبي السائب عن أبيه، قال: لأنا أخوَفُ على عابدٍ من غلام من سبعين عذراء.
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي سهل الصُّعلوكي أنه قال: سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم: اللوطيون، على ثلاثة أصناف، صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل.
وقال الجُنَيد بن محمد: جاء رجل إلى أبي عبدالله أحمد بن حنبل، ومعه غلام حسن الوجه، فقال له: من هذا الفتى؟ قال: ابني، فقال أحمد: لا تجيء به معك مرة أخرى [1](1) لأن الناس حين يرونه معك، يظنون بك السوء، إذ هم لا يعلمون أنه ابنك. ، فلما قام قيل له: أيَّد الله الشيخ إنه رجل مستور وابنُه أفضَلُ منه، فقال أحمد: الذي قَصَدْنا إليه من هذا الباب ليس يَمنع منه سِترُهما، على هذا رأينا أشياخنا وبه أخبرونا عن أسلافهم.
والآثار عن السلف في التحذير من النظر إلى المردان ومن مجالستهم ومصاحبتهم كثيرة جداً.
قال النووي: وهذا الذي ذكرناه في جميع هذه المسائل من تحريم النظر هو فيما إذ لم تكن حاجة، أما إذا كانت حاجة شرعية فيجوز النظر، كما في حالة البيع والشراء والتطبُّب والشهادة ونحو ذلك، ولكن يَحرم النظر في هذه الحالة بشهوة، فإن الحاجة تُبيح النظر للحاجة إليه، وأما الشهوة فلا حاجة إليها.
قال أصحابنا: النظرُ بالشهوة حرام على كل أحد غير الزوج والسيد، حتى يَحرم على الإنسان النظرُ إلى أمِّه وبنته بالشهوة، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وليُتأمَّل أيضاً ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: من أن النظر إلى الزينة الباطنة من المرأة أشد من النظر إلى عورة الرجل، وكذلك النظر إلى الأمرد أشدُّ من النظر إلى عورة الرجل، لأن المرأة والأمرد محل الشهوة والفتنة بخلاف عورة الرجل.
وليُتأمَّل أيضاً ما ذكره من أقسام النظر إلى المُردان وإلى الحِسان من ذوات المحارم، وأنَّ النظر إلى وجه الأجنبية من غير حاجة لا يجوز، وإن كانت الشهوة منتفية، لأن النظر إليها من أسباب الفتنة، وما كان سبباً للفتنة فإنه لا يجوز.
فليَتأمَّل ذلك المفتونون بسفور النساء وتكشفهن بين الرجال الأجانب، وليَتأملوا أيضاً ما ذكَره من منع الإماء الحِسان من المشي بين الناس متكشفات الرءوس، وتعليلِ ذلك بأنه من باب الفساد. وهذا يفيد أن سفور الحرائر وتكشفهن بين الرجال الأجانب أعظم وأعظم، لأن الحرائر مأمورات بالتستر التام عن نظر الرجال الأجانب بخلاف الإماء. وفي سفور الحرائر وتكشفهن بين الرجال الأجانب فتحُ بابِ الفساد على مصراعيه، فالله المستعان.
وقد قرَّر الإمام أبو العباس ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمة الله عليهما تحريمَ النظر إلى الإماء الحسان. وسيأتي كلامهما قريباً إن شاء الله تعالى ، مع الكلام على وجوب تستر النساء عن الرجال الأجانب.
وليُتأمَّل أيضاً ما ذكَره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى من أن المُرْدَ الحِسانَ لا يَصلح لهم أن يخرجوا في الأمكنة والأزمنة التي يُخاف فيها الفتنة بهم إلا بقدر الحاجة، وأنهم لا يُمكَّنون من التبرج، ولا من الأفعال التي تَفتِنُ الناسَ بهم.
وليُتأمل أيضاً ما ذكره من وجوب سَدّ الذرائع إلى الفساد، إذا لم يعارضها مصلحة راجحة.
ومن أعظم ذرائع الفساد التي يجب على المسلمين سَدُّها: سُفورُ النساء وتكشُّفُهن بين الرجال الأجانب في الخلوات ومَجامع الناس وأسواقهم.
وليس لهذه الذريعة مُعارض من المصالح الراجحة، وإنما مَدارها على التشبه بنساء الإفرنج، وتمكين الرجال من التمتع بالنظر إلى الأجنبيات، وتمكينِهن من التمتع بالنظر إلى الرجال.
ولا يخفى على عاقل أن هذا من أعظم أسباب الفتنة، وأقربِ الذرائع إلى الفاحشة. وهو أيضاً من أنواع الزنا كما تَقدم في حديث أبي هريرة رضي الله عنه [2](2) في قوله صلى الله عليه وسلم: العينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع ... إلى آخر الحديث المتقدم في ص 22.)
ولو كان عند رجال أولئك النسوة الضائعات كل الضياع أدنى غَيرة عليهن، لأخذوا على أيديهن ومنعوهن من السفور والتكشف بين الرجال الأجانب، وتمكينِهم من التلذُّذ بالنظر إليهن، والتحدُّثِ معهن في الخلوات وغير الخلوات وغيرِ ذلك، مما هو من أسباب الفتن وذرائع الفساد، ولكنهم كما قال الله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآَهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ}
وليُتأمَّل أيضاً ما ذكَره الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى: من مَضرَّةِ النظر المحرَّم وسُوءِ عاقبته، فيمن اتَّبع هواه وأعرض عن طاعة مولاه، فإِنه ربما صار الناظرُ كالأسير في قبضة المنظور إليه، يُعذَّبُ قلبُه العذاب بل ويُعذَّبُ بَدَنهُ أيضاً ويحَمله على أنواع المشاقّ والمكاره، ويكون المنظورُ إليه كالسيد للناظر، وقد لا يَصلُح أن يكون خادماً له فضلاً، عن أن يكون أخاً.
وربما آلَ الأمرُ بالناظر إلى الهلاك الدنيوي أو الهلاك الأخروي أو كليهما، كما وقع ذلك لكثير من العشاق، فبعضهم يقتله العشق، وبعضهم يقع بسببه في الشِّرْك الأكبر، وبعضهم يَرتدُّ عن الإسلام بسببه، وقد وقع لبعضهم الرِّدَّةُ والموتُ عَقِبَها، فخسر الدنيا والآخرة، عياذاً بالله من مَكايد الشيطان ومَصايده.
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى: ليحذر العاقل إطلاقَ البصر، فإن العين تَرى غيرَ المقدور عليه على غير ما هو عليه، وربما وقع من ذلك العشق، فيَهلِكُ البدنُ والدِّينُ جميعاً، فمن ابتُلي بشيء من ذلك فليفكر في عيوب النساء.
قلت: وكثيراً ما يُحسِّن الشيطانُ بعضَ النساء والمُردانِ للناظر إليه حتى يفتنه به، والمنظور إليه غيرُ حسن في الحقيقة، وهذا معنى قول ابن الجوزي: إن العين تَرى غيرَ المقدور عليه على غير ما هو عليه.
وقد رُوي عن مجاهد أنه قال: إذا أقبَلَتْ المرأة جَلَس إبليس على رأسها، فزيَّنها لمن يَنظر، وإذا أدبرت جَلَس على عَجيِزتها [2]، فزيَّنها لمن يَنظر.
(2)أي من حيث الإغراء والفتنة بها، فلذا ينبغي للرجل أن لا ينظر إليها ولا إلى ثيابها، حفظاً لخاطره وقلبه من وسوسة الشيطان، وتزيينه إياها له.
