كيف تكون من أولياء الله؟ غض البصر وما يورثه في قلب الرجل والمرأة
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين
قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك
غض البصر عام للرجل والمرأه
اعلمْ —رحمك الله— أنَّ مَن كان ولياً لله، أي: مطيعاً له في كل ما يأمر به؛ من غضِّ البصر، وحفظ الفرج، وطلب العلم، ونفع الناس، ونشر الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكفِّ عن محارم الله، والجهاد في سبيله، والدفاع عن دينه. وإنَّ من صفات أولياء الله أن يكونوا غاضّين لأبصارهم، حافظين لفروجهم، ذاكرين الله، خاشعين له. وهذا بعض الكلام في الترغيب بغض البصر للمرأة والرجل.
فأما الترغيب في غض البصر عن المحرَّم فقد قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} .
قال أبو حيان في تفسيره: قَدَّم غضَّ البصر على حفظ الفروج، لأن النظر بَرِيدُ الزنا ورائدُ الفجور، والبَلْوَى فيه أشد وأكثر، لا يكاد يُقْدَرُ على الاحتراز منه، وهو الباب الأكبر إلى القلب وأعمَرُ طُرُق الحواسِّ إليه، ويَكثر السقوطُ من جهته.
وما الحُبُّ إلا نظرةٌ إثْرَ نظرةٍ ... يَزيدُ نُمُوّاً إنْ تَزِدْهُ لَجَاجا
ثم ذَكَر حكمَ المؤمنات في تساويهن مع الرجال في الغضّ من الأبصار وفي الحفظ للفروج. انتهى
وقولهُ: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} قال البغوي: يعني خيرٌ لهم وأطهر.
وقال ابن كثير: أي أطهر لقلوبهم وأنقى لدينهم، كما قيل: من حَفِظَ بصره أورثه الله نُوراً في بصيرته، ويُروَى: في قلبه.
وقال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى: يقال: إنَّ غض البصر عن الصورة التي يُنَهى عن النظر إليها كالمرأةِ والأمردِ الحسَنِ يورث ذلك ثلاثَ فوائد جليلة القدر:
إحداها: حلاوةُ الإيمان ولذَّتُه التي هي أحلى وأطيب مما تركه لله، فإن من ترك شيئاً لله عوَّضه الله خيراً منه.
الفائدة الثانية: أن غَضَّ البصر يورث نور القلب والفِراسة.
الفائدة الثالثة: قوَّةُ القلب وثباتُه وشجاعته، فيجعل الله له سلطانَ البصيرة مع سلطان الحجة، فإن في الأثر: الذي يُخالِفُ هواه يَفرَقُ الشيطان من ظِلِّه. انتهى ملخصاً.
وروى الإمام أحمد والحاكم في مستدركه عن حُذَيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «النظرُ إلى المرأة سهمٌ من سهام إبليس مسموم، من تركه خوفَ اللهِ أثابه إيماناً لله يجد حلاوته في قلبه».
وروى الطبراني عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن النظر سهمٌ من سِهام إبليس مسموم، فمن تركه من مخافة الله، أبدله الله إيماناً يجدُ حلاوتَه في قلبه».
وروى عُمَر بن شَبَّة بإِسناده عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «نظَرُ الرجل في مَحاسن المرأة سهمٌ من سهام إبليس مسموم، فمن أعرض عن ذلك السهم أعقبه الله عبادةً تسرُّه».
وروى أبو نُعَيم في الحلية عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «النظرة الأُولى خطأ، والثانية عَمْد، والثالثة تدَمِّرُ، نظَرُ المؤمن إلى محاسن المرأة سهمٌ من سهام إبليس مسموم، من تركه من خشيةِ الله ورجاءَ ما عنده أثابه الله تعالى بذلك عبادةً تَبلُغُه لَذَّتُها». وهذا الاحاديث التي يُذكر فيها سهم من سهام ابليس ضعفها البعض
وروى أبو نعيم أيضاً عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ما من عَبْدٍ يَكفُّ بصرَه عن محاسن امرأة ولو شاء أن يَنظر إليها لنَظَر إلا أدخل الله قلبَه عبادةً يجد حلاوتَها».
وفي المسند عن أبي أُمامة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من مسلم ينظر إلى مَحاسن امرأة ثم يَغُضُّ بصرَه إلا أحدث الله له عبادةً يجد حلاوتَها».
ورواه غيره بلفظ «من نظَرَ إلى امرأة فغَضَّ بصرَه عند أول رَمْقة، رزقه الله عبادة يجد حلاوتها».
ورواه البيهقي وقال: إنما أراد إن صح - والله أعلم - أن يقع بصرُه عليها من غير قصدٍ - فيَصرفَ بصرَه عنها تورُّعاً.
«وروى الإمام أحمد أيضاً وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه والبيهقي في شُعَب الإيمان عن عُبَادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:اضمنوا لي سِتاً من أنفسكم أضمَنْ لكم الجنة: اصدقُوا إذا حدثَّتم، وأوفوا إذا وَعَدتم، وأدُّوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فُروجَكم، وغُضُّوا أبصاركم، وكُفُّوا أيديكم». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وفي مستدرك الحاكم أيضاً عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «تقبَّلوا بسِتِّ أتقبَّل لكم الجنة» [1]، قالوا: وما هي؟ قال: «إذا حدَّث أحدُكم فلا يَكذب، وإذا وَعَد فلا يُخلِف، وإذا ائتُمِن فلا يَخُن، وغُضُّوا أبصاركم، وكُفُّوا أيديكم، واحفظوا فروجكم».
وروى أبو القاسم البغوي عن أبي أمامة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «اكفُلُوا لي بسِت أكفُلْ لكم بالجنة. إذا حدَّث أحدكم فلا يكذب، وإذا ائتُمن فلا يَخُن، وإذا وَعَد فلا يُخلِف، وغُضُّوا أبصاركم، وكُفُّوا أيديكم، واحفظوا فروجكم».
قال شيخ الإسلام أبو العباس ابن تيمية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر هذا الحديث: فقد كَفَل بالجنة لمن أتىَ بهذه الست خصال، فالثلاثة الأولى تبرئة من النفاق، والثلاثة الأُخَر تبرئة من الفسوق، والمخاطبون مسلمون، فإذا لم يكن منافقاً كان مؤمناً، وإذا لم يكن فاسقاً كان تقياً فيستحق الجنة.
قال: ويوافق ذلك ما رواه ابن أبي الدنيا، حدثنا أبو سعيد المدني، حدثني عمر بن سهل المازني، قال: حدثني عمر بن محمد بن صُهْبان، حدثني صفوان بن سُلَيم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «كلُّ عين باكية يوم القيامة إلا عيناً غَضَّتْ عن مَحارم الله، وعيناً سَهِرتْ في سبيل الله، وعيناً يَخرجُ منها مثلُ رأس الذُّباب من خشية الله» [2].
قلت: وقد رواه أبو نعيم في الحلية، من طريق داود بن عطاء عن عمر بن صهبان عن صفوان عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكره.
وروى أبو نعيم أيضاً من حديث عطاء الخراساني عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «حُرِّمَتْ النارُ على ثلاثِ أعين: عين بكت من خشية الله، وعين غَضَّت عن محارم الله، وعين سَهرَتْ في سبيل الله».
(1) أي اضمنوا لي ستاً أضمن لكم الجنة.
(2) يعني أنها تدمع ولو قليلاً من خشية الله تعالى.
وروى الطبراني عن معاوية بن حَيْدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ثلاثة لا تَرى أعينُهم النار، عينٌ حَرسَتْ في سبيل الله، وعين بكَتْ من خشية الله، وعين كفَّتْ عن محارم الله»
من كتاب الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور وفيه الرد على كتاب الحجاب للألباني-حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجر- الفصل الثاني ص18
