كلُّ سفرٍ من غير مَحرمٍ حرامٌ على المرأة، سواء كان يوماً أو ثلاثة أيام، وحكم حجِّ المرأة مع مجموعةٍ من النساء، وركوبها مع السائق محرم. وفي المقال مواضيع كثيرة، يُرجى قراءتها، بإذن الله.

     بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين

قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك

[المرأة كالرجل مأمورة بغض البصر وحفظ الفرج] 

الفصل العاشر في بيان أحكام تحفظ للمرأة 

كرامتها وتصون عفتها 1 - المرأة كالرجل مأمورة بغض البصر وحفظ الفرج، قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ - وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30 - 31]  . 

قال شيخنا الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره [أضواء البيان] : أمر الله جل وعلا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرج، ويدخل في حفظ الفرج حفظه من الزنى واللواط والمساحقة، وحفظه من الإبداء للناس والانكشاف لهم. . . إلى أن قال: وقد وعد الله تعالى من امتثل أمره في هذه الآية، من الرجال والنساء بالمغفرة والأجر العظيم، إذا عمل معها الخصال المذكورة في سورة الأحزاب، وذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ} [الأحزاب: 35] إلى قوله:{وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35] انتهى. من [أضواء البيان] (6 / 186، 187)

قوله: والمساحقة، المساحقة هي إتيان المرأة المرأة بالمدالكة، وذلك جريمة عظيمة تستحق عليها الفاعلتان تأديبا رادعا. 

قال في [المغني] (8 / 198) : وإن تدالكت امرأتان فهما زانيتان ملعونتان؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان» ، وعليهما التعزير؛ لأنه زنا لا حد فيه. انتهى 

قال الشيخ ابن تيمية في [مجموع الفتاوى] (15 / 321) : وعلى هذا فالمرأة المساحقة زانية، كما جاء في الحديث: زنا النساء سحاقهن. . 

فلتحذر المرأة المسلمة خصوصا الشابات من فعل هذا المنكر القبيح. 

وأما عن غض البصر، فقد قال عنه العلامة ابن القيم في [الجواب الكافي] صفحة 129، 135: وأما اللحظات فهي رائد الشهوة ورسولها، وحفظها أصل حفظ الفرج، فمن أطلق نظره أورد نفسه موارد الهلاك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى» المراد بها: نظرة الفجأة التي تقع بدون قصد، قال: وفي [المسند] عنه صلى الله عليه وسلم: «النظر سهم مسموم من سهام إبليس» . . . إلى أن قال: والنظر أصل عامة الحوادث التي تصيب الإنسان، فإن النظرة تولد الخطرة، ثم تولد الخطرة فكرة، ثم تولد الفكرة شهوة، ثم تولد الشهوة إرادة، ثم تقوى فتصير عزيمة جازمة، فيقع الفعل ولا بد ما لم يمنع منه مانع؛ ولهذا قيل: الصبر على غض البصر أيسر من الصبر على ألم ما بعده. انتهى. 

فعليك أيتها الأخت المسلمة بغض البصر عن النظر إلى الرجال، وعدم النظر في الصور الفاتنة التي تعرض في بعض المجلات، أو على الشاشات في التلفاز أو الفيديو تسلمي من سوء العاقبة، فكم نظرة جرت على صاحبها حسرة، والنار من مستصغر الشرر.

[من أسباب حفظ الفرج الابتعاد عن استماع الأغاني والمزامير] 

2 - ومن أسباب حفظ الفرج الابتعاد عن استماع الأغاني والمزامير. 

قال الإمام العلامة ابن القيم في [إغاثة اللهفان] (1 / 242، 248، 264، 265) : ومن مكائد الشيطان التي كاد بها من قل نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين سماع المكاء والتصدية والغناء بالآلات المحرمة الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان، فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى. . . إلى أن قال: وأما سماعه من المرأة أو الأمرد فمن أعظم المحرمات وأشدها فسادا للدين. . إلى أن قال: ولا ريب أن كل غيور يجنب أهله سماع الغناء، كما يجنبهن أسباب الريب، وقال أيضا: ومن المعلوم عند القوم أن المرأة إذا استصعبت على الرجل اجتهد أن يسمعها صوت الغناء، فحينئذ تعطي الليان؛ وهذا لأن المرأة سريعة الانفعال للأصوات جدا، فإذا كان الصوت بالغناء دار انفعالها من وجهين: من جهة الصوت، ومن جهة معناه، قال: فأما إذا اجتمع إلى هذه الرقية الدف والشبابة والرقص بالتخنث والتكسر، فلو حبلت المرأة من غناء لحبلت من هذا الغناء، فلعمر الله كم من حرة صارت بالغناء من البغايا؟! انتهى. 

فاتقي الله أيتها المرأة المسلمة، واحذري هذا المرض الخلقي الخطير، وهو استماع الأغاني التي تروج بين المسلمين بمختلف الوسائل وأنواع الأساليب، مما جعل كثيرا من الفتيات الجاهلات يطلبنها من مصادرها، ويتهادينها بينهن. 

[من أسباب حفظ الفروج منع المرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم] 

3 - ومن أسباب حفظ الفروج، منع المرأة أن تسافر إلا مع ذي محرم يصونها ويحميها من أطماع العابثين والفسقة: 

فقد جاءت الأحاديث الصحيحة تمنع سفر المرأة بدون محرم، منها: ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم» متفق عليه، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى أن تسافر المرأة مسيرة يومين أو ليلتين إلا ومعها زوجها، أو ذو محرم» متفق عليه، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم ولبلة إلا مع ذي محرم عليها» متفق عليه. 

والتقدير في الأحاديث بثلاثة الأيام واليومين واليوم والليلة المراد به ما كان على وسائل النقل مما هو معروف آنذاك من سير الأقدام والرواحل، واختلاف الأحاديث في هذا التقدير بثلاثة أيام أو يومين أو يوم وليلة، وما هو أقل من ذلك أجاب عنه العلماء بأنه ليس المراد ظاهره، وإنما المراد كل ما يسمى سفرا فالمرأة منهية عنه. 

قال الإمام النووي في [شرح صحيح مسلم] (9 / 103) : فالحاصل: أن كل ما يسمى سفرا تنهى عنه المرأة بغير زوج أو محرم، سواء كان ثلاثة أيام أو يومين أو يوما أو بريدا أو غير ذلك؛ لرواية ابن عباس المطلقة، وهي آخر روايات مسلم السابقة: «لا تسافر امرأة إلا مع ذي محرم» ، وهذا يتناول جميع ما يسمى سفرا، والله أعلم. انتهى. 

وأما من أفتى بجواز سفرها مع جماعة من النساء للحج الواجب فهذا خلاف السنة، قال الإمام الخطابي في [معالم السنن] (2 / 276، 277) مع [تهذيب] ابن القيم: وقد حظر النبي صلى الله عليه وسلم عليها أن تسافر إلا ومعها رجل ذو محرم منها، فإباحة الخروج لها في سفر الحج مع عدم الشريطة التي أثبتها النبي صلى الله عليه وسلم خلاف السنة، فإذا كان خروجها مع غير ذي محرم معصية لم يجز إلزامها الحج، وهو طاعة بأمر يؤدي إلى معصية. انتهى. 

أقول: وهم لم يبيحوا للمرأة أن تسافر من دون محرم مطلقا، وإنما أباحوا لها ذلك في سفر الحج الواجب فقط. 

يقول  النووي في [المجموع] (8 / 249) : ولا يجوز في التطوع وسفر التجارة والزيارة ونحوهما إلا بمحرم. انتهى. 

فالذين يتساهلون في هذا الزمان في سفر المرأة بدون محرم في كل سفر لا يوافقهم عليه أحد من العلماء الذين يعتد بقولهم. 

وقولهم: إن محرمها يركبها في الطائرة ثم يستقبلها محرمها الآخر عند وصولها إلى البلد الذي تريده؛ لأن الطائرة مأمونة بزعمهم لما فيها من كثرة الركاب من رجال ونساء. 

نقول لهم: كلا، فالطائرة أشد خطرا من غيرها؛ لأن الركاب يختلطون فيها، وربما تجلس إلى جنب رجل، وربما يعرض للطائرة ما يصرفها عن اتجاهها إلى مطار آخر، فلا تجد من يستقبلها فتكون معرضة للخطر، وماذا تكون المرأة في بلد لا تعرفه، ولا محرم لها فيه؟ 

[من أسباب حفظ الفروج منع الخلوة بين المرأة والرجل الذي ليس محرما لها]

4 - ومن أسباب حفظ الفروج منع الخلوة بين المرأة والرجل الذي ليس محرما لها: قال صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يخلون بامرأة ليس معها ذو محرم منها، فإن ثالثهما الشيطان» ، وعن عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يخلون رجل بامرأة لا تحل له، فإن ثالثهما الشيطان، إلا محرم» ، قال المجد في [المنتقى] : رواهما أحمد، وقد سبق معناه لابن عباس في حديث متفق عليه. 

قال الإمام الشوكاني في [نيل الأوطار] (6 / 120) : والخلوة بالأجنبية مجمع على تحريمها، كما حكى ذلك الحافظ في [الفتح] ، وعلة التحريم ما في الحديث من كون الشيطان ثالثهما، وحضوره يوقعهما في المعصية، وأما مع وجود المحرم فالخلوة بالأجنبية جائزة؛ لامتناع وقوع المعصية مع حضوره. انتهى. 

وقد يتساهل بعض النساء وأولياؤهن بأنواع من الخلوة وهي: 

أ - خلوة المرأة مع قريب زوجها وكشف وجهها عنده، وهذه الخلوة أعظم خطرا من غيرها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو: الموت»  وقال: ومعنى الحمو: يقال: هو أخو الزوج، كأنه كره أن يخلو بها. 

قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] (9 / 331) : قال النووي: اتفق أهل العلم باللغة على أن الأحماء: أقارب زوج المرأة؛ كأبيه وعمه وأخيه وابن أخيه وابن عمه ونحوهم، وقال أيضا: المراد به في الحديث أقارب الزوج غير آبائه وأبنائه؛ لأنهم محارم للزوجة يجوز لهم الخلوة بها، ولا يوصفون بالموت، قال: وجرت العادة بالتساهل، فيخلو الأخ بامرأة أخيه، فشبهه بالموت، وهو أولى بالمنع. انتهى. 

وقال الشوكاني في [نيل الأوطار] (6 / 122) : قوله: الحمو: الموت، أي: الخوف منه أكثر من غيره، كما أن الخوف من الموت أكثر من الخوف من غيره. انتهى. 

فاتقي الله أيتها المسلمة، ولا تتساهلي في هذا الأمر، وإن تساهل به الناس؛ لأن العبرة بحكم الشرع لا بعادة الناس. 

ب - تتساهل بعض النساء وأولياؤهن بركوب المرأة وحدها في السيارة مع سائق غير محرم لها مع أن ذلك خلوة محرمة. 

قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ مفتي البلاد السعودية رحمه الله في [مجموع الفتاوى] (10 / 52) : والآن لم يبق شك في أن ركوب المرأة الأجنبية مع صاحب السيارة منفردة بدون محرم يرافقها منكر ظاهر، وفيه عدة مفاسد لا يستهان بها سواء كانت المرأة خفرة(خفرة: صبية ذات وقار أو برزة ( برزة عفيفة تبرز للرجال وتتحدث معهم.) والرجل الذي يرضى بهذا لمحارمه ضعيف الدين، ناقص الرجولة، قليل الغيرة على محارمه؛ وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» ، وركوبها معه في السيارة أبلغ من الخلوة بها في بيت ونحوه؛ لأنه يتمكن من الذهاب بها حيث يشاء من البلد أو خارج البلد طوعا منها أو كرها، ويترتب على ذلك من المفاسد أعظم ما يترتب على الخلوة المجردة. انتهى. 

ولا بد أن يكون الشخص الذي تزول به الخلوة كبيرا، فلا يكفي وجود الطفل، وما تظنه بعض النساء أنها إذا استصحبت معها طفلا زالت الخلوة ظن خاطئ. 

قال النووي (9 / 159) : وأما إذا خلا الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معهما فهو حرام باتفاق العلماء، وكذا لو كان معهما من لا يستحى منه لصغره لا تزول به الخلوة المحرمة. 

ج - تتساهل بعض النساء وأولياؤهن بدخول المرأة على الطبيب بحجة أنها بحاجة إلى العلاج، وهذا منكر عظيم، وخطر كبير، لا يجوز إقراره والسكوت عليه. 

قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله في [مجموع الفتاوى] (10 / 13) : وعلى كل حال، فالخلوة بالمرأة الأجنبية محرمة شرعا، ولو للطبيب الذي يعالجها لحديث: «لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان» ، فلا بد من حضور أحد معها، سواء كان زوجها أو أحد محارمها الرجال، فإن لم يتهيأ فلو من أقاربها النساء، فإن لم يوجد أحد ممن ذكر وكان المرض خطرا لا يمكن تأخيره فلا أقل من حضور الممرضة ونحوها؛ تفاديا من الخلوة المنهي عنها. انتهى. 

وكذا لا يجوز خلوة الطبيب بالمرأة الأجنبية منه، سواء كانت طبيبة زميلة له أو ممرضة، ولا خلوة المدرس الكفيف أو غيره بالطالبة، ولا خلوة المرأة المضيفة بالطائرة مع رجل أجنبي منها، وهذه الأمور قد تساهل فيها الناس باسم الحضارة الزائفة والتقليد الأعمى للكفار، ولعدم المبالاة بالأحكام الشرعية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.  

ولا تجوز خلوة الرجل بالخادمة التي تخدم في بيته، ولا خلوة المرأة صاحبة البيت بالخادم، ومشكلة الخدم مشكلة خطيرة ابتلي بها كثير من الناس في هذا الزمان، بسبب انشغال النساء بالدراسات والأعمال خارج البيوت، وذلك مما يوجب على المؤمنين والمؤمنات شدة الحذر، وعمل الاحتياطات اللازمة، وأن لا يتجاروا مع العادات السيئة.

[تتمة يحرم على المرأة أن تصافح رجلا ليس من محارمها] 


قال الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد رحمه الله في [الفتاوى] الذي طبعته مؤسسة الدعوة الإسلامية الصحفية (1 / 185) : لا تجوز مصافحة النساء غير المحارم مطلقا، سواء كن شابات أم عجائز، وسواء كان المصافح شابا أو شيخا كبيرا؛ لما في ذلك من خطر الفتنة لكل منهما، وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إني لا أصافح النساء» ، وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط، ما كان يبايعهن إلا بالكلام» ، ولا فرق بين كونها تصافحه بحائل أو بغير حائل لعموم الأدلة، ولسد الذرائع المفضية إلى الفتنة. انتهى. 

قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسيره 

[أضواء البيان] (6 / 602، 603) : اعلم أنه لا يجوز للرجل الأجنبي أن يصافح امرأة أجنبية منه، ولا يجوز له أن يمس شيء من بدنه شيئا من بدنها، والدليل على ذلك أمور: الأمر الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه قال: «إني لا أصافح النساء. .» الحديث، والله عز وجل يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]  فيلزمنا ألا نصافح النساء؛ اقتداء به صلى الله عليه وسلم، والحديث المذكور قدمناه موضحا في سورة الحج في الكلام على النهي عن لبس المعصفر مطلقا في الإحرام وغيره للرجال، وفي سورة الأحزاب في آية الحجاب هذه، وكونه صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء وقت البيعة دليل واضح على أن الرجل لا بصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئا من بدنها؛ لأن أخف أنواع اللمس المصافحة، فإذا امتنع منها صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة، دل ذلك على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره. 

الأمر الثاني: هو ما قدمناه من أن المرأة كلها عورة، يجب عليها أن تحتجب، وإنما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شك أن مس البدن للبدن أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيا إلى الفتنة من النظرة بالعين، وكل منصف يعلم صحة ذلك. 

الأمر الثالث: أن ذلك ذريعة إلي التلذذ بالأجنبية؛ لقلة تقوى الله في هذا الزمان، وضياع الأمانة، وعدم التورع عن الريبة، وقد أخبرنا مرارا أن بعض الأزواج من العوام يقبل أخت امرأته بوضع الفم على الفم، ويسمون ذلك التقبيل - المحرم بالإجماع - سلاما، فيقولون: سلم عليها يعنون: قبلها، فالحق الذي لا شك فيه التباعد عن جميع الفتن والريب وأسبابها، ومن كبرها لمس الرجل شيئا من بدن الأجنبية، والذريعة إلى الحرام يجب سدها. . انتهى. 

[وختاما] 

وختاما أيها المؤمنون والمؤمنات أذكركم بوصية الله لكم في قوله: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ - وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ} [النور: 30 - 31] 

{أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [النور: 31] 

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.

كتاب الشيخ العلامة صالح الفوزان ⬇