مَنْ أراد أنْ يخطب امرأةً، فإنه يجوز أنْ ينظر إليها وإنْ كانت لا تعلم

 بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين

قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك


 ومما ينبغي التنبيه عليه ها هنا أنه يجوز لمن أراد التزوُّجَ بامرأة أن ينظر إلى وجهها ورقبتها وأطراف يديها ورجليها، لحديث سَهْل بن سعد رضي الله عنه في قصة المرأة التي وهَبَتْ نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: «فنظر إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصَعَّد النظر إليها وصَوَّبه». رواه الإمام أحمد والشيخان والنسائي. 

وفي المسند وصحيح مسلم وسنن النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خطَبَ رجل امرأةً من الأنصار، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «هل نظرتَ إليها»؟ قال لا، فأمره أن يَنظر إليها. هذا لفظ النسائي. 

وفي المسند والسنن إلا أبا داود عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: أتيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرتُ له امرأةً أخطُبُها، فقال: «اذهَبْ فانظُر إليها، فإنه أحْرَى أن يُؤدَم بينكما». هذا لفظ ابن ماجه، وعنده فيه قصة سيأتي ذكرها قريباً إن شاء الله تعالى. قال الترمذي: هذا حديث حسن، وصححه ابن حِبَّان. قال الترمذي: وفي الباب عن محمد بن مَسْلمة، وجابر، وأنس، وأبي حُمَيد، وأبي هريرة رضي الله عنهم. 

قال: وقد ذَهبَ بعضُ أهل العلم إلى هذا الحديث، وقالوا: لا بأس أن يَنظر إليها ما لم يَر منها مُحرَّماً، وهو قول أحمد وإسحاق، ومعنى قوله «أحْرَى أن يُؤدمَ بينكما». قال: أحرى أن تَدومَ المودَّةُ بينكما. 

قلت: أما حديث أبي هريرة رضي الله عنه، الذي أشار إليه الترمذي فهو ما ذكرته آنفاً. 

وأما حديث محمد بن مَسْلَمة رضي الله عنه، ففي المسند وسنن ابن ماجه عنه رضي الله عنه قال: خطبتُ امرأة فجعلتُ أتخبَّأُ لها حتى نظرتُ إليها في نخل لها، فقيل له: أتفعل هذا وأنت صاحبُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ألقى الله في قلب امرئ خِطبة امرأة، فلا بأس أن ينظر إليها». هذا لفظ ابن ماجه وصحَّحه ابن حبان. 

وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث محمد بن سهل عن أبيه، قال: رأيت محمد بن مَسْلمة يُطالِعُ امرأةً من فوق إجَّار يَنظر إليها ، فقلت له: أتفعل هذا وأنت من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -؟فقال: إني سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ألقى الله عز وجل في قلب أحدكم خِطبة امرأة، فلا بأس أن يَنظُرَ إليها»

قال الجوهري وتبعه ابن منظور في لسان العرب: الإجار السطح بلغة أهل الشام والحجاز، وقال ابن الأثير، الإجار بالكسر والتشديد السطح الذي ليس حواليه ما يرد الساقط عنه، وكذا قال ابن منظور في لسان العرب. 

ورواه الحاكم في مستدركه من حديث سَهْل بن أبي حَثْمَة قال: كنت جالساً مع محمد بن مَسْلمة، فمرَّتْ ابنةُ الضحاك بن خليفة، فجعل يُطاردُها ببصره، فقلت: سبحان الله تفعلُ هذا وأنت صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «إذا ألقى الله خِطبةَ امرأة في قلب رجل، فلا بأس أن يَنظُر إليها». قال الحاكم: غريب. 

وأما حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما، ففي المسند وسنن أبي داود ومستدرك الحاكم عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا خطب أحدُكم المرأةَ، فان استطاع أن يَنظُر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل». فخَطبتُ جارية فكنت أتخبَّأ لها حتى رأيتُ منها ما دعاني إلى نكاحِها وتزوّجِها، فتزوّجتُها. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. 

وأما حديث أنس رضي الله عنه، فرواه الإمام أحمد وابن ماجه والدارقطني، كلهم من حديث عبدالرزاق عن مَعْمَر عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أراد أن يتزوج امرأة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب فانظُرْ إليها فإنه أحرى أن يُؤْدَم بينكما». ففعل فتزوَّجَها فذكَرَ من مُوافقتِها. 

وقد رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. 

وأما حديث أبي حُمَيد، ففي المسند بإسناد جيد من حديث موسى بن يزيد الأنصاري عن أبي حُمَيد أو حُمَيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا خَطَب أحدكم امرأة فلا جُناحَ عليه أن ينظر إليها، إذا كان إنما ينظر إليها لخِطبته وإن كانت لا تعلم». 

ورواه البزار عن أبي حميد من غير شك، والطبراني في الأوسط والكبير، قال الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح. 

قال الشيخ أبو محمد المقدسي في «المغني»: لا نَعلمُ بين أهل العلم خلافاً في إباحة النظر إلى المرأة لمن أراد نكاحها، ولا بأس بالنظر إليها بإذنها وغيرِ إذنها، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالنظر وأطلَق.

ولا يجوز له الخلوة بها لأنها مُحرَّمة، ولم يَرد الشرعُ بغير النظر، فبَقِيَتْ الخلوةُ على التحريم، ولأنه لا يُؤمَن مع الخلوة مُواقعةُ المحظور، ولا يَنظرُ إليها نظرةَ تلذذ وشهوة ولا لريبة. 

قال أحمد في رواية صالح: ينظر إلى الوجه ولا يكون عن طريق لذَّة، وله أن يردِّد النظر إليها ويتأمَّلَ مَحاسَنها، لأن المقصود لا يحصل إلا بذلك، انتهى كلامه ملخصاً. 

وقيَّد الحَجَّاوي والفُتُوحي وغيرهما جوازَ النظر بما إذا غلَبَ على ظنه إجابتُه. قال الجِرَاعيُّ: ومتى غَلَبَ على ظنه عدمُ إجابته لم يجز، كمن ينظر إلى امرأة جليلة يخطبها، مع علمه أنه لا يجاب إلى ذلك، انتهى. 

وكما أن الأحاديث التي ذُكِرَتْ آنفاً قد دَلَّتْ بمنطوقها على جواز نظر الرجل إلى المرأة إذا أراد أن يتزوجها، فكذلك هي دالَّةٌ بمفهومها على أنه لا يجوز النظرُ إلى غيرها من سائر الأجنبيات. 

ويوضح ذلك قولُه في حديث أبي حُمَيد رضي الله عنه: إذا كان إنما ينظر إليها لِخطبة، فدل على أنه لا يجوز النظرُ إلى الأجنبية لغير خاطب. 

وأيضاً فوَضْعُ البَأْس والجُنَاح عن الخاطب إذا نظر إلى مخطوبته يدل على أنه لا يجوز النظرُ لغير خاطب، وأن عليه في نظره إلى الأجنبية بْأساً وجُنَاحاً، والله أعلم. 

وقد ورد الترغيبُ في غض البصر، والترهيبُ من إطلاق النظر فيما لا يجوز النظر إليه. 


من كتاب 

الصارم المشهور على أهل التبرج والسفور وفيه الرد على كتاب الحجاب للألباني-حمود بن عبد الله بن حمود بن عبد الرحمن التويجر-