براءة ابن الصديق من دم ذي النورين

 ذكر مرتضى العاملي في كتابه (أحاديث أم المؤمنين عائشة):

«ومن أجلى مظاهر حنوها على أقربائها قصتها مع أخيها محمد بن أبي بكر، فإنهما بعد أن اشتركا في الإجهاز على عثمان اختلفا».


وكذا ما أورده محسن الخياط في كتابه (الإفصاح) إذ قال:

«وكذلك الصحابة الكبار الأجلاء (ومنهم خال المؤمنين محمد بن أبي بكر)، كانوا مجتهدين، وغَفَرَ الله لهم، عندما اشتركوا في قتل عثمان بن عفان وألَّبوا الناس عليه».


محمد بن أبي بكر ليس صحابي

تتضمن دعاوى المستشهدين بالخبر مغالطتين، الأولى في إثبات الصحبة له، والثانية في تحميل غيره مسؤولية فعله.

ولد محمد بن أبي بكر فِي حجة الوداع وقت الإحرام، وأمثال هذا الطبقة من الأطفال لا يعدون في الصحابة بالمعنى الاصطلاحي المقترن بالملازمة والرواية.قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:«إِنَّمَا وُلِدَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ..، ولَمْ يُدْرِكْ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا خَمْسَ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ، وَصَفَرًا، وَأَوَائِلَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلَا يَبْلُغُ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ..، ولَمْ يَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا قُرْبُ مَنْزِلَةٍ مِنْ أَبِيهِ...».


وأضاف: «وَإِنْ أَرَادَ عِظَمَ شَأْنِهِ لِسَابِقَتِهِ وَهِجْرَتِهِ وَنُصْرَتِهِ وَجِهَادِهِ، فَهُوَ لَيْسَ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَا الْأَنْصَارِ، وإِنْ أَرَادَ بِعِظَمِ شَأْنِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ وَأَدْيَنِهِمْ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ مَعْدُودًا مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ فِي طَبَقَتِهِ».


أما من الناحية العقلية والشرعية، فلا يمكن الطعن في الخليفة أبي بكر الصديق بناء على تصرفات ولده حتى لو ثبتت، فالقرآن الكريم قرر صراحة عدم تلازم الصلاح بين الآباء والأبناء في قصة نبي الله نوح عليه السلام مع ابنه، حيث قال تعالى: {إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}. وكذلك يظهر العكس في قصة خليل الله إبراهيم عليه السلام مع أبيه آزر، حيث كان إبراهيم نبي وإمام للحنفاء، بينما كان أبوه كافر يصنع الأصنام ويجادل فيها، وقد حكى القرآن الكريم مقالة أبيه له: {قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ ۖ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ ۖ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا}، فلم يقدح كفر الأب في مقام الابن ونبوته، ولم يحمل الابن وزر أبيه. فلا تزر وازرة وزر أخرى، وصلاح الآباء لا يضمن عصمة الأبناء، وضلال الأبناء لا يثلم مجد الآباء.


روايات عدم مشاركة محمد بن أبي بكر في القتل

أثبتت الروايات التاريخية ذات الأسانيد المعتبرة أن محمد بن أبي بكر دخل على عثمان بن عفان بالفعل، لكنه تراجع واستحيى بعد أن كلمه عثمان، ولم يشارك في مباشرة القتل أو سفك دمه.


أخرج ابن عبد البر بسند حسن عن مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ قَال: حَدَّثَنَا كِنَانَةُ مَوْلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ، وَكَانَ شَهِدَ يَوْمَ الدَّارِ:

«إِنَّه لَمْ يَنَلْ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ مِنْ دَمِ عُثْمَانَ بِشَيْءٍ. قال مُحَمَّد بْن طَلْحَة: فقلت لكنانة: فلم قيل إنه قتله؟ قَالَ: مُعَاذ الله أن يكون قتله, إنما دخل عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عُثْمَان: يَا بْن أخي، لست بصاحبي، وكلمه بكلام، فخرج ولم ينل من دمه بشيء، فقلت لكنانة: فمن قتله؟ قَالَ: رجل من أهل مصر يقال لَهُ: جبلة بْن الأيهم».


وروى خليفة بن خياط عَن الْحسن:

«أَن ابْن أَبِي بَكْر أَخذ بلحيته -أي بلحية عثمان رضي الله عنه- فَقَالَ عُثْمَان: لقد أخذت مني مأخذًا، أَو قعدت مني مقْعدًا، مَا كَانَ أَبوك ليقعدَهُ، فَخرج وَتَركه».


جمع الحافظ ابن كثير الروايات وخلص إلى النتيجة قائلا:

«وَيُرْوَى أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ طَعْنَهُ بِمَشَاقِصَ فِي أُذُنِهِ حَتَّى دَخَلَتْ حَلْقَهُ، والصَّحِيحُ أَنَّ الَّذِي فَعَلَ ذَلِكَ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ اسْتَحْيَى وَرَجَعَ حِينَ قَالَ لَهُ عُثْمَانُ: لَقَدْ أَخَذْتَ بِلِحْيَةٍ كَانَ أَبُوكَ يُكْرِمُهَا، فتَذَمَّمَ مِنْ ذَلِكَ وَغَطَّى وَجْهَهُ وَرَجَعَ وَجَاحَفَ دُونَهُ فَلَمْ يُفِدْ، وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا، وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا».


الروايات التي ذكرت مشاركته في القتل

أخرج الطبري في تاريخه بسنده عن وثاب قَالَ -وَكَانَ فيمن أدركه عتق أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عمر رضي الله عنه، قَالَ: ورأيت بحلقه أثر طعنتين، كأنهما كتبان طعنهما يَوْمَئِذٍ يوم الدار- قَالَ: «بعثني عُثْمَانُ، فدعوت لَهُ الأَشْتَر، فَجَاءَ..، ثم جَاءَ رويجل كأنه ذئب، فاطلع من باب، ثُمَّ رجع وجاء مُحَمَّد بن أبي بكر وثلاثة عشر حَتَّى انتهى إِلَى عُثْمَانَ، فأخذ بلحيته، فَقَالَ بِهَا حَتَّى سمعت وقع أضراسه، وَقَالَ: مَا أغنى عنك مُعَاوِيَة، مَا أغنى عنك ابن عَامِر، مَا أغنت عنك كتبك! قَالَ: أرسل لحيتي يا بن أخي، أرسل لحيتي قَالَ: وأنا رأيته استعدى رجلًا من القوم بعينه، فقام إِلَيْهِ بمشقص حَتَّى وجَأَ بِهِ فِي رأسه، قلت: ثُمَّ مه، قَالَ: تغاووا عَلَيْهِ حَتَّى قتلوه».


العلة الحديثية

هذه الرواية ضعيفة، 

وثاب: مجهول الحال.


أخرج الطبراني في معجمه بسنده عن مُبَارَكٍ، عَنِ الْحَسَنِ، حَدَّثَنِي سَيَّافُ عُثْمَانَ ا: «أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ دَخَلَ عَلَى عُثْمَانَ فَقَالَ: ارْجِعِ ابْنَ أَخِي فَلَسْتَ بِقَاتِلِي، قَالَ: وَكَيْفَ عَلِمْتَ ذَاكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ «أُتِيَ بِكَ النَّبِيَّ ق يَوْمَ سَابِعِكَ فَحَنَّكَكَ، وَدَعَا لكَ بِالْبَرَكَةِ»، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: ارْجِعِ ابْنَ أَخِي فَلَسْتَ بِقَاتِلِي، قَالَ: بِمَ تَدْرِي ذَلِكَ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ «أُتِيَ بِكَ النَّبِيَّ ق يَوْمَ سَابِعِكَ فَحَنَّكَكَ وَدَعَا لكَ بِالْبَرَكَةِ» قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: أَنْتَ قَاتِلِي، قَالَ: وَمَا يُدْرِيكَ يَا نَعْثَلُ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ «أُتِيَ بِكَ النَّبِيَّ ق يَوْمَ سَابِعِكَ لَيُحَنِّكَكَ وَيَدْعُو لَكَ بِالْبَرَكَةِ فَخَرَيْتَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ق» قَالَ: فَوَثَبَ عَلَى صَدْرِهِ وَقَبَضَ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ: إِنْ تَفْعَلْ كَانَ يَعِزُّ عَلَى أَبِيكَ أَنْ تَسُوءَهُ، قَالَ: فَوَجَأَهُ فِي نَحْرِهِ بِمَشَاقِصَ كَانَتْ فِي يَدِهِ»


العلة الحديثية:

قال الحافظ ابن كثير: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا وَفِيهِ نَكَارَةٌ».

مبارك بن فضالة: ضعيف وموصوف بالتدليس وقد وعنعن في الخبر ولم يصرح بالتحديث. 

سياف عثمان: مجهول لا تعرف له ترجمة في كتب الرجال. 


أخرج خليفة بن خياط في تاريخه قال: حَدَّثَنَا أَبُو الْحسن، عَن أَبِي زَكَرِيَّا الْعجْلَاني، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْن عُمَر قَالَ: «ضربه ابْن أَبِي بَكْر بمشاقص فِي أوداجه، وبعَجَه سودان بْن حمْرَان بِحَرْبَة».


العلة الحديثية: 

أبو زكريا العجلاني: رجل مجهول، لم يوثقه أحد من علماء الجرح والتعديل.


أخرج ابن أبي شيبة في تاريخ المدينة قال: «حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَزْمُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، عَنْ مُسْلِمِ بْنِ مِخْرَاقٍ، عَنْ طَلْقِ بْنِ خُشَّافٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها: «فِيمَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ رضي الله عنه؟ قَالَتْ: «قُتِلَ مَظْلُومًا، لَعَنَ اللهُ قَتَلَتَهُ، أَقَادَ اللهُ ابْنَ أَبِي بَكْرٍ بِهِ».


العلة الحديثية: 

حزم القطعي: صدوق لكنه يهم ويخطئ. 


والعلة الأكبر تظهر في المتن الكامل للرواية كما عند الطبراني حيث جاء فيه: «وَفَدْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَنَنْظُرَ فِيمَ قُتِلَ عُثْمَانُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا مَرَّ مِنَّا بَعْضٌ إِلَى عَلِيٍّ، وَبَعْضٌ إِلَى الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ رضي الله عنهما، وَبَعْضٌ إِلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ رضي الله عنهن، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عَائِشَةَ».


وهذا المتن معلول، لأن الثابت تاريخيا بالتواتر أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها لم تكن بالمدينة وقت مقتل عثمان بل كانت بمكة لأداء الحج، ولم تجتمع بعلي بن أبي طالب في المدينة بعد مقتله مطلقا.وقد نبه الحافظ ابن عساكر على هذا الخطأ في المتن بقوله: «المحفوظ أن عائشة لم تكن وقت قتل عثمان بالمدينة، وإنما كانت حاجة». ومخالفة الرواية للوقائع التاريخية الثابتة تسقط الاحتجاج بها.


أما الروايات الأخرى التي أوردها الطبري من طريق الواقدي فهي تالفة ساقطة،

لأن الواقدي متروك الحديث عند جماهير علماء الأثر ولا يعتد بمروياته.