ما حُرِّم على المعتدة هو عين ما حُرِّم على المتزوجة والعزباء عند الخروج وأمام الأجانب، ولله في ذلك بالِغ الحكمة

    بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين

قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك


[ما يجب على المرأة عند انتهاء عقد الزواج] 

ما يجب على المرأة عند انتهاء عقد الزواج: الفرقة بين الزوجين على نوعين: أحدهما: فرقة في الحياة، والثانية: فرقة بالموت، وفي كلا الفرقتين تجب عليها العدة، وهي تربص محدود شرعا، والحكمة فيها أنها حرم لانقضاء النكاح لما كمل، واستبراء للرحم من الحمل لئلا يطأها غير المفارق لها فيحصل الاشتباه وتضيع الأنساب، وفيها احترام لعقد النكاح السابق، واحترام لحق الزوج المفارق، وإظهار للتأثر من فراقه. 

[العدة أربعة أنواع] 

[النوع الأول عدة الحامل] 

والعدة أربعة أنواع: 

النوع الأول: عدة الحامل: وهي بوضع الحمل مطلقا، بائنة كانت أو رجعية، مفارقة في الحياة أو متوفى عنها، قال الله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4]

[النوع الثاني عدة المطلقة التي تحيض] 

النوع الثاني: عدة المطلقة التي تحيض، وهي ثلاثة قروء، كما قال تعالى: {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} [البقرة: 228]  أي: ثلاث حيض. 

[النوع الثالث التي لا حيض لها] 

النوع الثالث: التي لا حيض لها، وهي نوعان: صغيرة لا تحيض، وكبيرة قد يئست من الحيض، فبين الله سبحانه عدة النوعين بقوله: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} [الطلاق: 4] أي: فعدتهن كذلك. 

[النوع الرابع المتوفى عنها زوجها] 

النوع الرابع: المتوفى عنها زوجها، بين عدتها بقوله: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234] فهذا يتناول المدخول بها وغيرها والصغيرة والكبيرة، ولا تدخل فيه الحامل؛ لأنها خرجت بقوله تعالى: {وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} [الطلاق: 4] انتهى. من [الهدي النبوي] لابن القيم (5 / 594، 595) الطبعة المحققة.

[ما يحرم في حق المعتدة] 

[حكم خطبتها] 

ما يحرم في حق المعتدة 1 - حكم خطبتها: أ - المعتدة الرجعية: تحرم خطبتها تصريحا وتعريضا، لأنها في حكم الزوجات، فلا يجوز لأحد أن يخطبها؛ لأنها ما زالت في عصمة زوجها. 

ب - المعتدة غير الرجعية: تحرم خطبتها تصريحا لا تعريضا؛لقوله تعالى: {وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ} [البقرة: 235]  والتصريح إظهار الرغبة في تزوجها، كأن يقول: أريد أن أتزوجك؛ لأنه قد يحملها الحرص على الزواج على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها فعلا، بخلاف التعريض، فإنه غير صريح ببيان تزوجها فلا يترتب عليه محذور، ولمفهوم الآية الكريمة. 

ومثال التعريض: أن يقول: إني في مثلك لراغب - مثلا - ويباح للمعتدة غير الرجعية أن تجيب عن التعريض تعريضا، ولا يحل لها أن تجيب عن التصريح، ولا يباح للرجعية أن تجيب من خطبها، لا تصريحا ولا تعريضا. 

[يحرم العقد على المعتدة من الغير] 

2 - يحرم العقد على المعتدة من الغير: لقوله تعالى: {وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ} [البقرة: 235]  

قال ابن كثير في تفسيره (1 / 509) : يعني: ولا تعقدوا العقدة بالنكاح حتى تنقضي العدة، وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة. انتهى.                       

[فائدتان] 

الأولى: من طلقت قبل الدخول فليس عليها عدة؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا} [الأحزاب: 49] 

قال ابن كثير في تفسيره (5 / 479) : هذا أمر مجمع عليه بين العلماء: أن المرأة إذا طلقت قبل الدخول بها فلا عدة عليها، فتذهب فتتزوج في فورها من شاءت. 

الثانية: أن من طلقت قبل الدخول وقد سمي لها مهر فلها نصفه، ومن لم يسم لها مهر فلها المتعة بما تيسر من كسوة ونحوها. 

ومن طلقت بعد الدخول فلها المهر، قال تعالى: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ} [البقرة: 236] إلى قوله تعالى: {وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ} [البقرة: 237] أي: ليس عليكم يا معشر الأزواج جناح بتطليق 

النساء قبل المسيس وفرض المهر، وإن كان في ذلك كسر لها فإنه ينجبر بالمتعة، وهي من كل زوج بحسب حاله عسرا ويسرا بما جرى به العرف، ثم ذكر سبحانه التي سمي لها مهر وأمر بإعطائها نصفه. 

قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (1 / 512) : وتشطير الصداق - والحالة هذه - أمر مجمع عليه بين العلماء لا خلاف بينهم في ذلك. انتهى. 

[يحرم على المعتدة من وفاة خمسة أشياء تسمى بالحداد] 

3 - يحرم على المعتدة من وفاة خمسة أشياء تسمى ب (الحداد) : أحدها: الطيب بجميع أنواعه: فلا تتطبب في بدنها، ولا ثوبها، ولا تستعمل الأشياء المطيبة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «ولا تمس طيبا» . 

الثاني: الزينة في بدنها: فيحرم عليها الخضاب، وكل أنواع التزين كالاكتحال وأنواع الأصباغ الجلدية، إلا إذا اضطرت إلى الاكتحال تداويا لا زينة، فلها أن تكتحل ليلا وتمسحه نهارا، ولا بأس أن تداوي عينيها بغير الكحل مما لا زينة فيه. 

الثالث: التزين بالثياب المعدة للزينة مما صنع للزينة، وتلبس من الثياب ما لا زينة فبه، ولا يتعين لون خاص مما جرت العادة بلبسه. 

الرابع: لبس الحلي بجميع أنواعه حتى الخاتم. 

الخامس: المبيت في غير منزلها الذي توفي زوجها وهي فيه، ولا تتحول عنه إلا بعذر شرعي، ولا تخرج لعيادة مريض، ولا لزيارة صديق أو قريب، ويباح لها الخروج في النهار لحاجاتها الضرورية، ولا تمنع من غير هذه الأشياء الخمسة مما أباح الله. 

لي تعليق بهذا اقول سبحان الله، إن كل ما فُرِض على المعتدة وحُرِم عليها من زينة وتطيب واجب عليها داخل منزلها، وتقتضي حكمته سبحانه في هذا تعظيم قدر العدة، لدرجة أنها لا تخرج من بيتها إلا لحاجة ضرورية كالعلاج عند الطبيبة إذا لم تجد من يقضي حاجتها، بينما الأشياء التي حُرِمت عليها في المنزل من زينة وتبرج وعطر هي في الأصل محرمة على المتزوجة والعزباء عند خروجهن للحاجة أو المباح كزيارة الأقارب والخروج مع الزوج ليلاً أو نهاراً بشرط خلو المكان من الاختلاط والموسيقى وكل ما هو حرام والالتزام بالتغطية الكاملة(عند الخروج وعند غير المحارم)، فقد نهى رسول الله عن التطيب والخروج ليشم عطرها الرجال، إلا اللهم أنهن لهن نفس حكم الستر من تغطية الوجه والكفين وهذا عام لكل النساء, طبعا عدا الخطبه للعزباء

قال الإمام ابن القيم في [الهدي النبوي] (5 / 507) : ولا تمنع من تقليم الأظافر، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال بالسدر والامتشاط به. انتهى. 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في [مجموع الفتاوى] (34 / 27، 28) : ويجوز لها أن تأكل كل ما أباحه الله كالفاكهة واللحم، وكذلك شرب ما يباح من الأشربة، إلى أن قال: ولا يحرم عليها عمل شغل من الأشغال المباحة مثل التطريز والخياطة والغزل وغير ذلك مما تفعله النساء، ويجوز لها سائر ما يباح لها في غير العدة مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت متسترة وغير ذلك، وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن. انتهى. 

وما يقوله العوام: أنها تغطي وجهها عن القمر، ولا تصعد لسطح المنزل، ولا تكلم الرجال، وتغطي وجهها عن محارمها، وغير ذلك كله لا أصل له. والله أعلم. 

كتاب لشيخ صالح الفوزان👇