هل أنتَ مهيأ للزواج.. أم هل أنتِ مهيأة؟ | الجزء 1: غض البصر وخديعة الشاشات

 بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين

قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك


الزواج فطرة، والبحث عن شريك الحياة حق مشروع لكل رجل وفتاة، وهذا شيء طبيعي في الإنسان، والزواج في أصله جميل، لكنه ليس ساحة للعب أو نزهة عابرة، بل هو ميثاق غليظ يحتاج إلى صبر وتحمل وبذل وعطاء وتغافل وسماح. والطامة الكبرى اليوم، والوهم المستشري الذي يقود الشباب والفتيات إلى الهاوية، هو الاستعجال على الشهوة وتجربتها في الحرام خلف الشاشات، والدكاترة والمختصون يصرخون اليوم ويحذرون من الآثار النفسية والجسدية السلبية التدميرية التي تظهر بعد الزواج وتفسد الفراش والبيوت بسبب ما اقترفته الأعين الخائنة في الحرام، لأن الإقبال على الحرام وإدمانه يفقد الحلال لذته تماماً، وهذه حقيقة مرعبة ومفهومة لا تحتاج إلى شرح، فمن ذاق الخبث لا يستطعم الطيب. 

إن إطلاق البصر على النساء والرجال والعكس صحيح، من أعجب وأقبح ما نرى فيه اليوم أن هناك من يحسب أن الإباحية الصريحة هي فقط الحرام الشديد، ثم تجده بكل وقاحة يطلق بصره في النساء المتبرجات على مواقع التواصل وهو يدعي الصلاح والتقوى، وهي كذلك تلاحق الرجال وتدعي العفة والصلاح، وهذا مفهوم خاطئ ومخادعة رخيصة للنفس، فالحكم حرام حرام مهما كانت صورته ومدته، فالمرأة الأجنبية حرام عليك أن تنظر إليها سواء كانت في وضع مخز وفاضح أو لم يظهر منها إلا وجهها، يبقى حراماً بنص كتاب الله، وغض البصر مأمور به الرجل ومأمورة به المرأة على حد سواء. 

ومن الرجال اليوم من يستهين بالحديث مع النساء في الخاص والتعليقات ويحسب أنه لم يرتكب محرماً لأنه لم يتغزل بهن، كفاك نفاقاً مع نفسك ومخادعة لضميرك الميت فالحكم حرام حرام وإن تعددت المسميات والمسوغات، وإذا أفنيت عمرك تنظر إلى النساء لا تكف ولا تتوب وتبحث عن عوراتهن، فلا تتخيل ولا تتوهم لثانية واحدة أن حياتك الزوجية ستكون سعيدة، والله لو كانت زوجتك من أجمل نساء الأرض وأشد خَلق الله عفة لرأيتها شيئاً عادياً وباهتاً ومملاً، لأنك أفسدت فطرتك وعينك وعقلك بمقاييس وهمية وعاهرات شاشات، فلا تتحمل زوجتك لو سمنت قليلاً بسبب حملها أو تعبها وتريدها كعارضات الأزياء، والزوجه كذلك لا تطيق زوجها إذا سمن قليلاً أو قصرت يده لأنها مطلقة بصرها على الرياضيين والمشاهير وتعيش في المقارنات الخيالية الخبيثة، فستدخل الزواج بعقلية مريضة وتصدم بالواقع الطبيعي وتظلم رجلاً بسيطاً يبذل جهده ودم قلبه لإسعادها، فما بالكم بباقي الحياة كيف تكون وكيف ستستقيم؟ وما حرم الله شيئاً إلا لحكمة بالغة، أحياناً يظهرها الله وأحياناً لا يظهرها، والشرع حلل للرجل أن يتزوج أربعاً، لكن الذي لا يسد عينه الجائعة إلا التراب واعتاد إطلاق البصر، والله لو تزوج أربعاً من الحور العين في الدنيا ما سَعِد، وكيف يسعد أصلاً وهو ملعون بنظراته، وعلى معصية عظيمة يبارز الله بها وتتهاون بها الرجال والنساء اليوم؟ والله إن هذا شيء يقهر ويفطر القلب، فترى الرجل والمستور يستهين بالنظر وقد حرمه رب العالمين في كتابه وعلى لسان رسوله، فمتى تتعظ؟! ومتى تنتهي؟! ألا تخاف أن يأتيك الموت وعينك على عورة؟! أول ما يكون به الرجل جاهزاً للزواج، وتكون به المرأة جاهزة للزواج، هو غض البصر والانتصار على شهوة الشاشة. 

وتدبروا كلام الملك الحق لعلك ترتدع وتنتهي قبل أن يحل عليك سخطه، قال تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ }، وقال سبحانه: {وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجاءة فقال: (اصْرِفْ بَصَرَكَ)، وقال النبي ﷺ محذراً: (إِنَّ النَّظْرَةَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ، مَنْ تَرَكَهَا مَخَافَتِي أَبْدَلْتُهُ إِيمَانًا يَجِدُ حَلَاوَتَهُ فِي قَلْبِهِ).

 فاعلم يقيناً وتبصر، أنك إذا كانت عينك تلاحق النساء في المواقع فأنت تبرمج عقلك على أوهام تافهة، والزواج لن يشفيك ولن يحصنك لأن من لم يشبع عينه بالحلال قبل الزواج لن تكفيه نساء العالم كله بعده وسيظل عبداً شهوانياً خلف الشاشات، وإذا كانت عينك تلاحق المشاهير فلن يملأ عينك زوجك مهما فعل، طهروا أبصاركم وعفوا عقولكم واخضعوا لربكم، لتصلحوا للزواج وتكونوا أهلاً لبناء بيوت مسلمة حقيقية.

الحمد لله الذي مَنَّ على من شاء بالحماية والصيان، وقضى على من شاء بالسقوط والخذلان، فسبحانه من حكيم عليم يحول بين القلب والإنسان، ويصرف القلوب كيف يشاء فما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، فمن أراد به خيراً حبَّب إليه الإيمان، وكرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، ومن أراد به شراً خلَّى بينه وبين الشيطان. 

أحمده أن جعل الغيرة في قلوب أهل الإيمان، فقاموا على نسائهم أحسن القيام وجنبوهن أسباب الافتتان، وجعل المهانة والدياثة في أراذل الإنسان، فأهملوا أمر نسائهم وأطلقوا لهن العنان، وتركوهن يمرحن ويسرحن حيث شئن ويتخذن الأخدان. 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له الملك العظيم الشان، الذي يملي لأهل الظلم والعدوان، ثم ينتقم ممن بارزه بالعصيان، فويل للكاسيات العاريات من عقاب المالك الديان، وويل لأوليائهن الراضين لهن بالهوان. 

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الذي بيَّن للناس غاية البيان، وحذَّرهم من حبائل الشيطان، - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وسلَّم تسليماً كثيراً. 

أما بعد فقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة على وجوب غض الأبصار عما لا يحل النظر إليه، وعلى وجوب حفظ الفروج عن المحرَّمات، قال الله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} قال بعض المفسرين: في هذه الآية دليلٌ على تحريم النظر إلى غير من يَحِلُّ النظرُ إليه. 

قلت: وفي قوله تعالى: {ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ} ترغيبٌ لهم وحَثٌّ على غضّ الأبصار وحفظِ الفروجِ، وإرشادٌ إلى أن هذين السببين من أعظم الأسباب لطهارة القلب ونَقاءِ الدِّين والعِرْض. وفي قوله: {إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} تهديدٌ لمن خالف ما أمَرَ الله به، من غضّ البصر وحفظِ الفرج. 

ثم قال تعالى: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} الآية . فأمَرَ المؤمنات بما أمَرَ به المؤمنين، من غضّ الأبصار وحفظِ الفروج، وأمَرَهنَّ مع ذلك بالاستتار، ونهاهُنَّ عن إبداء الزينة للرجال الأجانب. 

قال البخاري في «صحيحه» [1]: (باب قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا [2] وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ [3] أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ [4] فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ} [5]

وقال سعيدُ بن أبي الحسن للحسن [6]: إنَّ نساء العَجَم يَكشفن صُدورَهنَّ ورُؤسَهن، قال: اصرفْ بصرَك عنهن، يقول الله عز وجل: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ}

قال قتادة: عما لا يَحِلُّ لهم. {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ}

وقال الزهري في النظر إلى التي لم تَحِض من النساء: لا يَصْلُحُ النظرُ إلى شيء منهن، ممن يُشتَهَى النظرُ إليه وإن كانت صغيرة. 

وكَرِه عطاءٌ النظرَ إلى الجواري اللاتي يُبَعْنَ بمكة، إلا أن يُريد أن يشتري. 

ثم ساق البخاري رحمه الله تعالى في الباب حديثين: 

أحدُهما حديثُ ابن عباس رضي الله عنهما، قال: أردف النبي - صلى الله عليه وسلم - الفضلَ بن عباس رضي الله عنهما يوم النحر خَلْفَه على عَجُز راحلته، وكان الفضلُ رجلاً وضيئاً، فوقف النبي - صلى الله عليه وسلم - للناس يُفتيهم، وأقبلت امرأة من خَثْعَم وَضِيئةً تستفتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فطفِق الفضلُ ينظر إليها، وأعجبه حُسنُها، فالتفَتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - والفضلُ ينظر إليها، فأخلَفَ بيده، فأخذ بذَقَنِ الفضل [7]، فعَدَل وجهَه عن النظر إليها. وذكَرَ تمام الحديث. (وهناك من يستدل بهذا الحديث على كشف الوجه وهذا لايصح ستنزل مقالة توصح هذا)

وقد رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن إلا الترمذي بنحوه، ورواه الإمام أحمد أيضاً والشيخان والترمذي والنسائي من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، عن أخيه الفضل بن عباس رضي الله عنهما بنحوه.

(1) في أول كتاب الاستئذان 11: 7. (2) أي تستأذنوا. (3) أي إثم وعقوبة. (4) يعني مثل المتاجر والحوانيت، فدخولها لا يحتاج إلى إذن، لأنها مُعدَّة لذلك. (5) من سورة النور: 27 - 29. (6) سعيد هو أخو الحسن البصري، قال لأخيه الحسن البصري سائلاً: إن نساء العجم ... (7) أي أدار وجه الفضل عنها بيده الشريفة من خلف الفضل. 

وفي المسند وجامع الترمذي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: وقَفَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعَرَفة، فذكر الحديث، وفيه: واستَفْتَتْه جاريةٌ شابَّةٌ من خَثْعَم، فقالت: إنَّ أبي شيخ كبير قد أدركَتْه فريضةُ الله في الحج، أفيُجزِي أن أَحُجَّ عنه؟ قال حُجِّي عن أبيك. قال: ولَوَى عُنُقَ الفضل، فقال العباس رضي الله عنه: يا رسول الله لم لويتَ عُنُقَ ابنِ عمك؟ قال: رأيتُ شابّاً وشابَّةً فلم آمَنْ الشيطانَ عليهما. وذكَرَ تمام الحديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. 

قال النووي في قوله «فلم آمن الشيطان عليهما»: هذا يدل على أن وَضْعَه - صلى الله عليه وسلم - يدَهُ على وجهِ الفضل كان لدفع الفتنة عنه وعنها، انتهى. 

وفي صحيح مسلم وسنن أبي داود وابن ماجه عن جابر رضي الله عنه، في حديثه الطويل في صِفَة حجِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: فدَفَع قَبْلَ أن تَطلُعَ الشمس، وأردَفَ الفضلَ بن عباس رضي الله عنهما، وكان رجلاً حَسَنَ الشَّعْر أبيضَ وسيماً، فلما دَفَع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مَرَّت به ظُعُنٌ يَجرين، فطَفِقَ الفضلُ يَنظُرُ إليهن، فوضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدَهُ على وجه الفضل، فَحوَّل الفضلُ وجهَه إلى الشِّقِّ الآخَر ينظر، فحوَّلَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدَه من الشِّقِّ الآخَرِ على وجه الفضل، فصَرَفَ وجهَه من الشِّقِّ الآخَر يَنظُر. 

قال النووي: فيه الحثُّ على غَضِّ البصر عن الأجنبيات، وغَضِّهنَّ عن الرجال الأجانب، وهذا معنى قول: «وكان أبيضَ وسيماً حَسَنَ الشَّعْر». يعني أنه بصفة من تُفتتَنُ النساءُ به لحُسنه، انتهى. 

الحديث الثاني مما ساقه البخاري رحمه الله تعالى في الباب الذي تقدم ذكره: حديثُ أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم والجلوسَ بالطُّرُقات»، فقالوا: ما لنا من مَجالسنا بُدٌّ، نتَحدَّثُ فيها، فقال: «إذا أبيتم إلا المجلسَ فأعطوا الطريقَ حقَّه»، قالوا: وما حقُّ الطريق يا رسول الله؟ قال: «غضُّ البصر، وكَفُّ الأذى، ورَدُّ السلام والأمرُ بالمعروف، والنهيُ عن المنكر». وقد رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود. 

ولأحمد ومسلم أيضاً عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: كنا قعوداً بالأَفْنِيةِ نَتحدَّث( الأفنية جمع فناء وهو المتسع أمام الدار.)، فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام علينا فقال: «ما لكم ولمجَالِس الصُّعُداتِ؟(الصعدات هي الأفنية، وهي جمع صُعدة، وهي الساحة أمام باب الدار وممر الناس)اجتنبوا مَجالسَ الصُّعُدات»، فقلنا: إنما قَعَدْنا لغير ما بأسٍ قَعَدْنا نتذاكر ونتحدث، قال: أَمَّا لا، فأدُّوا حَقَّها: غَضَّ البصر، ورَدَّ السلام، وحُسن الكلام». 

وروى الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نَهَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الناسَ أن يَجلسوا بأفنية الصُّعُدات، قالوا: إنا لا نستطيع ذلك ولا نُطيقه يا رسول الله، قال: «أمَّا لا، فأدُّوا حَقَّها»، قالوا: وما حَقُّها يا رسول الله؟ قال: «رَدُّ التحية، وتشميتُ العاطس إذا حَمِد الله، وغَضُّ البصر، وإرشادُ السبيل». قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه، وقد رواه أبو داود في سننه مختصراً. 

وروى الإمام أحمد والطبراني عن أبي شُريَح بن عمرو الخزاعي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إياكم والجلوس على الصُّعُدات، فمن جَلَس على الصَّعِيد فليُعْطِه حَقَّه»، قال: قلنا يا رسول الله وما حقُّه؟ قال: غَضُّ البصر، ورَدُّ التحية، وأمرٌ بمعروف، ونَهْيٌ عن منكر». 

وروى البزَّار عن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إياكم والجلوسَ في الصُّعُدات، فإن كنتم لا بُدَّ فاعِلِين فأعطوا الطريق حَقَّه»، قيل: وما حقُّه؟ قال: «غَضُّ البصر، ورَدُّ السلام، أحسَبُه قال: وإرشادُ الضَّالِّ». قال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير عبدالله بن سِنان الهَرَوي وهو ثقة. 

وروى البزَّار أيضاً عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا تَجلِسوا في المجالس، فإن كنتم لا بُدَّ فاعِلِين فرُدُّوا السلام، وغُضُّوا الأبصار، واهدوا السبيل، وأعينوا على الحَمُولة»(الحمولة بفتح الحاء: الدابة الحاملة للأثقال. والمراد: أعينوا أصحاب الحمولة على حمل الأثقال على حمولتهم أي دابتهم). قال الهيثمي: فيه محمد بن أبي ليلى، وهو ثقة سيء الحفظ، وبقية رجاله وُثِّقوا. 

وروى الطبراني عن سهل بن حُنَيف رضي الله عنه قال: قال أهلُ العالية يا رسول الله لا بُدَّ لنا من مجالس، قال: «فأدوا المجالس حَقَّها»، قالوا: وما حَقُّ المجالس؟ قال: «ذِكرُ الله كثيراً، وإرشادُ السبيل، وغَضُّ الأبصار». قال الهيثمي: فيه أبو بكر بن عبدالرحمن الأنصاري، تابعي لم أعرفه، وبقيَّةُ رجاله وُثِّقوا. 

وروى الطبراني أيضاً عن وَحْشِيّ بن حَرْب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لعلكم تستفتحون بعدي مَدائنَ عِظاماً، وتتخذون في أسواقها مَجالسَ، فإذا كان ذلك فرُدُّوا السلام، وغُضُّوا من أبصاركم، واهْدُوا الأعمى، وأعينوا المظلوم». قال الهيثمي: رجالُه كلُّهم وُثِّقوا، وفي بعضهم ضعف. 

وفي نَهْيه - صلى الله عليه وسلم - عن الجلوس في الطرقات سَدُّ الذَّريعة إلى المحرَّم، فإن الجلوس في الطرقات مَظِنَّةٌ للنظر إلى من يمر من النساء الأجنبيات، وتَعمُّدُ النظر إليهن حرامٌ، وذَرِيعةٌ إلى الافتتان بهِنَّ، وهذا من عِلَلِ النَّهي عن الجلوس في الطرقات. 

ولَّما ذَكَر الصحابة رضي الله عنهم أنهم ما لهم من مَجالسهم بُدٌّ يتذاكرون فيها ويتحدثون، أذِنَ لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجلوس فيها بشروط، منها: غَضُّ البصر، فعُلِمَ مِن ذلك أنه لا يجوز الجلوسُ في الطرقات لمن لا يغُضُّ بصره، ويَكُفُّ أذاه، ويَرُدُّ السلام، ويأمر بالمعروف، ويَنهى عن المنكر. 

ولما كانت البَلْوَى تَعُمُّ بنَظَرَ الفَجْأة في بعض الأحيان، عَفَا الشارع عنه وأمَرَ بصرف البصر في الحال، ونَهى عن إدامةِ النظر وتكراره كما في المسند وصحيح مسلم والسنن إلا ابن ماجه، عن جَرير رضي الله عنه قال: «سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفَجْأة، فأمرني أن أصرف بصري». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. 

وقد رواه الخَطَّابي في معالم السنن بإسناده عن جرير رضي الله عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نظر الفَجْأة فقال: «أَطرقْ بصرَك». 

قال الخطابي: الإطراقُ أن يُقبِلَ ببصره إلى صدره، والصَّرْفُ أن يُقبِل به إلى الشق الآخر أو الناحيةِ الأخرى. 

وقال النووي: الفُجَاءة بضم الفاء وفتح الجيم وبالمد، ويقال بفتح الفاء وإسكان الجيم والقصر - الفَجْأة - لغتان، هي: البَغْتة. ومعنى نظر الفَجْأة أن يقع بصرُه على الأجنبية من غير قصد فلا إثم عليه في أول ذلك، ويجب عليه أن يصرف بصره في الحال، فإن صَرَف في الحال فلا إثم عليه، وإن استدام النظر أثِمَ لهذا الحديث، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمَرهَ بأن يصرف بصره مع قوله تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ} . انتهى. 

وفي المسند عن علي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: «يا علي لا تُتْبِع النظرةَ النظرةَ، فإنما لك الأُولى، وليست لك الآخِرة». قال الهيثمي: فيه ابن إسحاق، وهو مدلِّس، وبقية رجاله ثقات. 

ورواه البزار والطبراني في الأوسط، قال الهيثمي: ورجال الطبراني ثقات. 


ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي في تلخيصه. 

وفي المسند وسنن أبي داود وجامع الترمذي عن بُرَيدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لِعلي: «يا علِي لا تتبِع النظرة النظرة، فإن لك الأُولَى وليست لك الآخِرة». قال الترمذي: حديث حسن غريب.

وروى الإمام أحمد في الزهد عن الحسن البصري أنه قال: كانوا يقولون: ابنَ آدم النظرةُ الأُولى تُعذَرُ فيها. فما بالُ الآخِرة؟!

قال الخطابي: النظرةُ الأُولى إنما تكون له لا عليه إذا كانت فَجْأة من غير قصد أو تعمد، وليس له أن يكرر النظرَ ثانيةً، ولا له أن يتعمده بَدْءاً كان أو عَوْداً، انتهى. 

وقال المرُّوذي: قلت لأبي عبدالله - يعني أحمد بن حنبل - رجلٌ تاب وقال: لو ضُرِبَ ظهري بالسياط ما دَخلتُ في معصية، غير أنه لا يَدَعُ النظر، قال أيُّ توبة هذه؟ قال جرير: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفَجْأة: فأمَرَني أن أَصرفَ نظري. 

وقال المرُّوذي أيضاً: سمعت أبا عبدالله في قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُن} . قال: هو الرجل يكون في القوم فتَمُرُّ به المرأةُ فيُلْحِقُها بصَره. 

وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} : هو الرجل يَدخُلُ على أهل البيت بيتَهم، وفيهم المرأةُ الحسناء أو تمُرُّ به، فإذا غَفَلوا لَحَظَ إليها، فإذا فَطِنوا غَضَّ بصَرَه عنها، فإذا غَفَلوا لَحَظ، فإذا فَطِنوا غَضَّ، وقد اطَّلع الله من قلبِه أنه وَدَّ لو اطَّلعَ على فرجها وأن لو قَدَر عليها فزَنَى بها. 

وروى أبو نُعيَم في الحلية عن محمد بن يزيد بن خُنَيس، قال: سمعت سفيان الثوري يقول: وقيل له {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} قال: الرجلُ يكون في المجلس في القوم يَسترقُ النظرَ إلى المرأة تَمرُّ بهم، فان رأوه ينظر إليها اتَّقاهم فلم يَنظر، وإن غَفَلُوا نَظَر، هذا خائنةُ الأعين، {وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} قال: ما يَجدُ في نفسه من الشهوة. 

قلت: وقد تَضاءلَتْ خائنةُ الأعين في زماننا، ولم تَبق إلا عند الذين تستتر نساؤهم من المسلمين. 

وأما الذين فُتِنوا بتقليد طوائف الإفرنج والتزيي بزِيِّهم، فقد عُدِمَتْ فيهم خائنةُ الأعين وحَلَّ محلَّها تسريحُ النظر في محاسن النساء الأجنبيات، والتمتعُ بالنظر إليهن، ومضاحكتُهن، ومجالستُهن، والتحدُّثُ معهن في الخلوة وغير الخلوة. 

وهؤلاء قد نَبَذوا أمرَ الله تعالى وأمرَ رسوله - صلى الله عليه وسلم - بَغضّ الأبصارِ وراءَ ظهورهم، واستَحلُّوا زِنى العينين والأُذنين واللسانِ طاعة للشيطان واتِّباعاً لخطواته. 

وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «العينانِ زِناهما النظر، والأُذنان زِناهما الاستماع، واللسانُ زِناه الكلام، واليدُ زِناها البطش، والرِّجْلُ زِناها الخُطَا». متفق عليه، وهذا لفظ مسلم. 

وليس العَجَب من جهالة هؤلاء السفهاء الذين أشرنا إليهم، وإنما العجب من علمائهم علماءِ السوء الذين تابعوا السفهاء في فعل المعاصي، والتَمَسوا لهم المعاذيرَ بالحجج الداحضة، وخالَفُوا أمْرَ الله وأمْرَ رسوله - صلى الله عليه وسلم - وهم يعلمون. 

وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «إنما أخاف على أمتي أئمةً مُضِلِّين». رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبَرْقاني في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث ثوبان رضي الله عنه، وقال الترمذي: حديث صحيح، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في تلخيصه. 

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن أخوَف ما أخاف على أُمتي الأئمَّةُ المضِلُّون». رواه الدارمي

والله المسؤل المرجوُّ الإجابة أن يعافينا مما ابتلاهم به، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب.

كتاب الشيخ حمود بن عبدالله التويجري