بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين
قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك
#تأملي_في_فقه_الصالحات
- جاءت هندٌ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ عليْهِ وسلَّم، فقالت: يا رسولَ اللَّهِ إنَّ أبا سفيانَ رجلٌ شحيحٌ، لا يعطيني ما يَكفيني وولَدي، إلَّا ما أخذتُ من مالِهِ، وَهوَ لا يعلَمُ، فقال: خُذي ما يَكفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ
خلاصة حكم المحدث : صحيحالعبر والدروس التربوية للنساء من حديث هند رضي الله عنها
يتجلى في حوار هند رضي الله عنها مع النبي ﷺ نموذج فريد للمرأة العاقلة الملتزمة بحدود الله عند وقوع الخلافات الزوجية، وفي أسلوبها وشكواها عبر بليغة لنساء اليوم:
1. فقه الأولويات والقرار في البيت (عدم اتخاذ الأزمات حجة للخروج)
هند رضي الله عنها، رغم حاجتها الشديدة للمال وشح زوجها، لم تأتِ لتسأل رسول الله ﷺ هل يجوز لها الخروج للعمل كحل للمشكلة؛ لأنها كانت تعلم أن القرار في بيتها واجب ورسالة عظيمة، فشتان بين الملتزمات بأمر الله وبين من تبحث اليوم عن أي سبب أو حجة واهية لتخرج من بيتها وتترك مسؤوليتها.
2. الصبر على طباع الزوج وتجنب استسهال الطلاق
لم تطلب هند رضي الله عنها الطلاق أو الفراق من زوجها رغم صعوبة العيش مع صفة "الشح والبخل"، بل بقيت معه في بيته لتربية أولادها وقامت بحق زوجها، بعكس حال الكثير من النساء اليوم اللواتي يطلبن الطلاق أو الخلع لأقل الأسباب تافة جداً ويستسهلن هدم الأسرة.
3. استشعار عظم حق الزوج ومكانته
بقاؤها وصبرها نابع من معرفة مكانة الزوج في الإسلام، كما جاء في حديث قيس بن سعد رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: (لو كنتُ آمرًا أحدًا أن يسجدَ لأحدٍ لأمرتُ النِّساءَ أن يسجُدنَ لأزواجِهِنَّ لما جعلَ اللَّهُ لَهُم علَيهنَّ منَ الحقِّ)، فحق الرجال على النساء عظيم، والوعي بهذا الحق يدفع المرأة العاقلة للصبر وتحمل التقصير احتساباً للأجر.
4. الإنصاف في الشكوى وعدم كفران العشير
لم تكفر هند إحسان زوجها ولم تُطل الشكوى بتعديد التفاصيل الصغيرة والتافهة (كأن تقول لا يشتري لي كذا أو لا يحضر كذا)، بل اكتفت بقولها: (رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني)، فاختصرت مشكلتها بدقة وإنصاف دون زيادة أو مبالغة، على عكس ما تفعله نساء اليوم إذا غضبن حيث ينسين كل خير ويتوسعن في ذم الزوج.
5. الشكوى لطلب الحل لا لـ "الفضفضة" ونشر الأسرار
عندما ضاقت بها النفقة، لم تذهب هند لتشتكي لأخواتها أو جاراتها، ولم تنشر سر بيتها وعيب زوجها بين الناس طلباً للتعاطف أو الشحن السلبي، بل ذهبت مباشرة لرسول الله ﷺ (باعتباره صاحب الحل والفتوى) لتأخذ حكماً ينهي مشكلتها، فالمرأة العاقلة تبحث عن "حل" عند أهل العلم والحكمة، ولا تبحث عن "تفريغ شحنات" يُفسد عليها قلبها وبيتها.
6. العفة والنزاهة في الأخذ
عندما رخص لها النبي ﷺ بالأخذ بقوله: (خُذي ما يَكفيكِ وولَدَكِ بالمعروف)، كانت هند أمينة ومراقبة لله تعالى؛ لم تستغل الفتوى لتنتقم من زوجها فتأخذ فوق حاجتها أو تشتري كماليات وسخافات، بل اقتصرت على الكفاية والضرورة، فتقصير الزوج لا يبرر للمرأة أن تخون الأمانة أو تسرف في ماله.
7. تقديم مصلحة الأولاد
ذكرت هند أولادها في الشكوى (لا يعطيني ما يَكفيني وولَدي)، فلم تفكر في نفسها فقط، ولم يمنعها كبرياؤها من الأخذ بالسر لكي تطعم أطفالها وتكفيهم، فالأمومة الحقيقية تقتضي الصبر والبحث عن الحلول التي تحمي الأطفال وتضمن استقرارهم بدلاً من العناد وتشتيت الأسرة.
8. إدارة الأزمة من داخل البيوت (عدم النشوز)
بقيت هند رضي الله عنها في بيت زوجها أبي سفيان، ولم تترك البيت غاضبة إلى بيت أهلها بحجة أنه لا ينفق عليها، بل أدارت الأزمة من داخل بيتها وظلت قائمة على شؤونه، وخروج المرأة من بيتها عند كل خلاف يُعقّد المشاكل ويُدخل أطرافاً أخرى قد تفسد الصلح.
9. دور الأهل في احتواء الأزمات لا إشعالها
لم تركض هند رضي الله عنها إلى أهلها وعشيرتها لتشحنهم ضد زوجها، ولم يتبرع أهلها بتحريضها على النشوز أو الهروب إلى بيتهم بذريعة "الكرامة" أو لعيبٍ في نفقة زوجها، بل بقيت في بيتها وحلت مشكلتها بوعي. بعكس ما نراه اليوم من بعض الآباء والأمهات الذين يتسرعون في تخريب بيوت بناتهم عند أول خلاف مادي، فيأخذون ابنتهم بدافع العاطفة الطائشة والجهل، ويشجعونها على التمرد والطلاق، بدلاً من أمرها بالصبر وإعانتها على حسن التبعل وإدارة الأزمة من داخل مملكتها.
10. تلازم الحقوق والواجبات (إلزامية النفقة لا تسقط فريضة القرار)
إن إقرار النبي ﷺ لهند بالأخذ من مال زوجها دون علمه هو أقوى دليل شرعي على أن النفقة حق واجب ومفروض على الرجل لا مِكرمة منه، قال تعالى: (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ)، فالشريعة لم تظلم المرأة ولم تتركها للمجاعة، لكن الشاهد الزاجر هنا: أن تقصير الزوج في واجبه (النفقة) لم يحل للمرأة إسقاط واجبها هي في (القرار وحفظ البيوت). فالحقوق في الإسلام متلازمة؛ والوعي الشرعي يقتضي أن تطالب المرأة بحقها بالمعروف والقضاء، لا أن تجعل تقصير زوجها ذريعة للتفلت، والنشوز، والخروج للعمل دون حاجة حقيقية، فهدم الفريضة بالفريضة جهل، والبيوت لا تُستقر إلا بقيمومة الرجل بنفقته، وقرار المرأة بحفظ أمانتها.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الاحياء منهم والأموات