"لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار"

من الأحاديث المشهورة المتداولة على الألسنة، إلا أنه حديث لا يصح عن النبي ﷺ بجميع طرقه، وهو مصنف عند أهل السنة في حيز الأحاديث الواهية أو الموضوعة. و قد أجمع نقاد الحديث من أهل السنة على أن هذا الحديث ليس له إسناد صحيح يثبت عن النبي ﷺ.


ذكر الإمام ابن الجوزي - في كتاب الموضوعات 


الحَدِيث الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ فِي ذكر الْهَاتِف، لَا سيف إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَلا فَتًى إِلا عَلِيُّ: 


أَنبأَنَا أَبُو مَنْصُور بن خيرون أَنْبَأَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مَسْعَدَةَ أَنْبَأَنَا حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ أَنْبَأَنَا أَبُو أَحْمَدَ بْنِ عَدِيٍّ حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ مِهْرَانَ حَدَّثَنَا مُحَوَّلٌ حَدثنَا عبد الرحمن بْنُ الأَسْوَدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عبيد الله

ابْن أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي رَافِعٍ قَالَ: " كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَتْ رَايَةُ الْمُشْرِكِينَ مَعَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ.وَذَكَرَ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ يَحْمِلُ رَايَةَ الْمُشْرِكِينَ يَقْتُلُهُ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَتَّى عَدَّ تِسْعَةَ أَنْفُسٍ حَمَلُوهَا وَقَتَلَهُمْ عَلِيٌّ وَقَتَلَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ يَحْمِلُ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ جِبْرِيلُ: يَا مُحَمَّدُ هَذِهِ الْمُوَاسَاةُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَنَا مِنْهُ وُهُوَ مِنِّي.

ثُمَّ سَمِعْنَا صَائِحًا يَصِيحُ فِي السَّمَاءِ وَهُوَ يَقُولُ: لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار وَلَا فَتًى إِلا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ 


هَذَا حَدِيث لَا يَصح، وَالْمُتَّهَم بِهِ عِيسَى بن مهْرَان





وَقد روى أَبُو بكر مرْدَوَيْه من حَدِيث يَحْيَى بن سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: صَاح صائح يَوْم أحد من السَّمَاء: " لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار وَلَا فَتى إِلَّا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ "


 قَالَ ابْن بجير [حبَان] : يَحْيَى بن سَلمَة لَيْسَ مِمَّن يكْتب حَدِيثه.




وروى ابْن مرْدَوَيْه من حَدِيث عمار ابْن أُخْت سُفْيَان عَن طَرِيق الْحَنْظَلِي عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن عَليّ قَالَ: " نَادَى مُنَاد من السَّمَاء يَوْم بدر يُقَال لَهُ رضوَان: لَا سيف إِلَّا ذُو الفقار، وَلَا فَتى إِلَّا عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ".


قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: عمار مَتْرُوك.




النقد المتني والتاريخي

إلى جانب سقوط الحديث من جهة الرواية والإسناد، فمتن الحديث يحمل إشكالات تاريخية ومنطقية


أصل السيف وملكيته

يظهر الخلل في بنية الرواية عند تتبع تاريخ سيف "ذو الفقار" نفسه، فالرواية تزعم نزول السيف أو ندائه لعلي في مرحلة لم يكن السيف أصلاً بحوزته، وهو ما فصّله شيخ الإسلام ابن تيمية مبيناً الوجه التاريخي الصحيح للمسألة.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية 

وَقَوْلُهُ: إِنَّ جِبْرِيلَ قَالَ وَهُوَ يَعْرُجُ: "لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَلَا فَتًى إِلَّا عَلِيُّ"


كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ ; فَإِنَّ ذَا الْفَقَارِ لَمْ يَكُنْ لِعَلِيٍّ، وَلَكِنْ كَانَ سَيْفًا لِأَبِي جَهْلٍ غَنِمَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: "تَنَفَّلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَهُوَ الَّذِي رَأَى فِيهِ الرُّؤْيَا يَوْمَ أُحُدٍ. قَالَ: " رَأَيْتُ فِي سَيْفِي ذِي الْفَقَارِ فَلًّا فَأَوَّلْتُهُ فَلًّا يَكُونُ فِيكُمْ، وَرَأَيْتُ أَنِّي مُرْدِفٌ كَبْشًا، فَأَوَّلْتُهُ كَبْشَ الْكَتِيبَةِ، وَرَأَيْتُ أَنِّي فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ، فَأَوَّلْتُهَا الْمَدِينَةَ، وَرَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، فَبَقَرٌ وَاللَّهِ خَيْرٌ " 

فَكَانَ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.


وَهَذَا الْكَذِبُ الْمَذْكُورُ فِي ذِي الْفَقَارِ مِنْ جِنْسِ كَذِبِ بَعْضِ الْجُهَّالِ: أَنَّهُ كَانَ لَهُ سَيْفٌ يَمْتَدُّ إِذَا ضَرَبَ بِهِ كَذَا وَكَذَا ذِرَاعًا، فَإِنَّ هَذَا مِمَّا يَعْلَمُ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ، لَا سَيْفُ عَلِيٍّ وَلَا غَيْرُهُ. وَلَوْ كَانَ سَيْفُهُ يَمْتَدُّ لَمَدَّهُ يَوْمَ قَاتَلَ مُعَاوِيَةَ.


تفضيل الآلة على جهاد الأمة

إن العبارة تقرن فضيلة السيف بذو الفقار وحده، وفي هذا إغفال لسيوف أخرى هزت عروش الطغيان، أمثال "صارم" خالد بن الوليد الذي تكسر في يده يوم مؤتة تسعة أسياف، مما يوضح أن العبرة بالساعد المؤمن والقلب الثابت، لا بذات السيف ونوعه. فنسبة هذا التفخيم لجماد السيف على حساب تضحيات ألوف الفرسان يعد من أساليب الغلاة الصبيانية في التفكير.


أسلوب الحصر والاستثناء

صيغة الحصر في "لا فتى إلا علي" تنفي صفة الفتوة والشجاعة نفياً مطلقاً عن سائر الصحابة، و هو ما يصادم الواقع المشهود لفرسان الصحابة وشجعانهم الذين بذلوا أرواحهم ودماءهم في سبيل الله، وكانت لهم مواقف أمثال: أسد الله - حمزة بن عبد المطلب، و سيف الله المسلول- خالد بن الوليد، و حواري الرسول - الزبير بن العوام، و الفياض - طلحة بن عبيد الله، وغيرهم من الأبطال ممن بذلوا أرواحهم في سبيل الله وكانت لهم مواقف مشهودة لا تقل عن مواقف علي رضي الله عنه.


اضافة إلى ذلك فانه يخالف ما ينفيه القرآن الكريم صراحة في مدحهم جماعياً: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ}.


و ختاماً/ أما فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه،فثابتة وصحيحة ومستفيضة في الصحاح والمسانيد. و عليه فإن مكانة علي رضي الله عنه وشجاعته وفتوته في غنى تام عن الاحتجاج بالأحاديث الموضوعة والمكذوبة التي صاغها الغلاة ووضعتها الأيدي الواهية.