قضية الوليد بن عقبة رضي الله عنه

 بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه و أمهات المؤمنين. 


أما بعد،

فإن قضية عدالة الصحابة رضي الله عنهم تعد من ركائز العقيدة الإسلامية، إلا أن مفهوم العدالة عند أهل السنة لا يعني العصمة من الذنوب، فالصحابة بشر يقع منهم ما يقع من البشر من الخطأ والهفوات، ولكن تميزوا بسبقهم، وجهادهم، وبأن الحدود كفارات لهم. قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (لا تَسُبُّوا أصحابي، فلَو أنَّ أحَدَكم أنفَقَ مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحَدِهِم ولا نَصيفَه).


نزول آية الفسق في الوليد بن عقبة

يروى أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة ليجلب زكاة قبيلة بني المصطلق، فلما اقترب منهم خرجوا لاستقباله جماعة بسلاحهم فرحاً به وتلبية للأمر. فظن الوليد بسبب عداوة قديمة بينهم في الجاهلية أنهم خرجوا لقتله ومنع الزكاة، فرجع إلى النبي ﷺ وقال: "إنهم ارتدوا وأرادوا قتلي". فنزلت الآية تأمر بالتثبت:

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا...}.


أقوال المثبتين لنزولها فيه

  • الإمام الطبري في جامع البيان
    "عن ابن عباس، قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ} قال: نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق ليصدقهم، وإنهم لما أتاهم الخبر فرحوا وخرجوا يتلقون رسول الله ﷺ، وإن الوليد لما حدث بذلك رجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة وأرادوا قتلي. فغضب رسول الله ﷺ غضباً شديداً... فأنزل الله عذرهم في الكتاب".
  • الزمخشري - معتزلي - في تفسيره الكشاف
    "نزلت في الوليد بن عقبة... وفيه دليل على أن الفاسق لا تُقبل شهادته ولا خبره. وفي هذا إبطال لقول من زعم أن الصحابة كلهم عدول لا يجوز عليهم الفسق، فإن الله تعالى سمى هذا الصحابي فاسقاً بنص القرآن".
  • الطبرسي - رافضي - في مجمع البيان
    "الآية نزلت في الوليد بن عقبة بلا خلاف بين المفسرين... وقد سماه الله فاسقاً، والفاسق ملعون مطرود، فلا يجوز الالتفات إلى من يحاول تطهيره".

     أقوال من خالف الاستدلال بالآية على فسق الوليد
  • الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية
    وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذه الآية نزلت في الوليد بن عقبة، و لكن ابن كثير استشكل القصة من جهة عمر الوليد، فإن الوليد كان صغيراً في عهد النبي ﷺ، وثبت في المسند أنه لما فتحت مكة كان صبياً يمسح النبي ﷺ على رأسه، فكيف يبعث مصدقاً وأميراً وهو في هذه السن؟ فالقصة تاريخياً فيها نظر.
  • الفخر الرازي في مفاتيح الغيب 

"وأما إن كان مرادهم أن الآية نزلت لأجل هذه القصة على التعيين، ففيه إشكال؛ لأن الوليد لم يتعمد الكذب عليهم، وإنما خاف منهم فرجع وأخبر على حسب ظنه. ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ الفسق على الوليد بعيد؛ لأنه توهم فأخطأ، والمخطئ لا يسمى فاسقاً."


و على افتراض صحة نزول الآية واستحقاقه الوصف حينها فإن التوبة ترفع ذلك، وحال الوليد كحال غيره من الصحابة الذين وقعوا في بعض المعاصي ثم تابوا وحسنت توبتهم مثل ماعز، و الغامدية، وأبي لبابة، و الثلاثة الذين تخلفوا. كما أن عمر بن الخطاب استعمل الوليد على صدقات بني تغلب، ولم يكن الخليفة ليولي إلا من كان عنده أميناً عدلاً.


و قد ذهب جمهور العلماء إلى أن التوبة ترفع وصف الفسق عن القاذف و تقبل شهادته وروايته، 

بدليل قبول المحدثين لرواية حسان بن ثابت وحمنة بنت جحش بعد حادثة الإفك.


قال أبو بكر بن العربي أن "الذنوب ليست مسقطة للعدالة إذا وقعت منها التوبة".



 الحديث النبوي وواقعة المخمور

أما ما أثير حول شرب الوليد للخمر، فإن الثابت في الصحيحين هو واقعة جلده بشهادة اثنين عليه، إذ ذكر جماعة من أهل العلم أن بعض أهل الكوفة تعصبوا عليه وشهدوا عليه زوراً، ولا سيما أن أهل الكوفة قد طعنوا حتى في سعد بن أبي وقاص وادعوا أنه لا يحسن الصلاة.


قال ابن خلدون في التاريخ : "فلم ينقطع الطّعن من أهل الأمصار، وما زالت الشّناعات تنمو، ورُمي الوليد بن عقبة وهو على الكوفة بشرب الخمر، وشهد عليه جماعة منهم، وحدّه عثمان".


الحادثة الثابتة في الصحيحين، واللفظ المنضبط المحفوظ هو ما رواه حضين بن المنذر في صحيح مسلم:

"حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بْنُ حَرْبٍ وَعَليُّ بْنُ حُجْرٍ. قَالُوا: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل (وَهُوَ ابْنُ عُلَيَّةَ) عَنْ ابْنِ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الدَّانَاجِ. وحَدَّثَنَا إِسْحَاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخُنْظَلِيُ (وَاللَّفْظُ لَه). أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ حَمَّادٍ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَيْرُوزَ مَوْلَى ابْنِ عَامِرِ الدَّانَاجِ. حَدَّثَنَا حُضَيْنُ بْنُ الْمُنْذِرِ، أَبُو سَاسَانَ. قَالَ:


شَهِدْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَأُتِيَ بِالْوَلِيدِ، قَدْ صَلَّى الصُّبْحَ رَكْعَتَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: أَزِيدُكُمْ؟ فَشَهِدَ عَلَيْهِ رَجُلَانِ: أَحَدُهُمَا حُمْرَانُ؛ أنه شرب الخمر. وشهد آخر؛ أن رَآهُ يَتَقَيَأُ. فَقَالَ عُثْمَانُ: إِنَّهُ لَمْ يَتَقَيَّأْ حَتَّى شَرِبَهَا. فَقَالَ: يَا عَلِيٌّ! قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ عَليٌّ: قُمْ، يَا حَسَنُ! فَاجْلِدْهُ. فَقَالَ الْحَسَنُ: وَلَّ حَارَهَا مَنْ تَوَلَى قَارَهَا (فَكَأَنَّهُ وَجَدَ عَلَيْهِ). فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرِ! قُمْ فَاجْلِدْهُ. فَجَلَدَهُ. وَعَلِيٌّ يَعُدُّ. حَتَّى بَلَغَ أَرْبَعِينَ. فَقَالَ: أَمْسِكْ. ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعِينَ. وَجَلَدَ أَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ. وَعُمَرُ ثَمَانِينَ. وَكُلُّ سُنَّةٌ. وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ."


و قد ذكر محب الدين الخطيب في تحقيق كتاب العواصم من القواصم للقاضي ابن عربي:

"وأزيدك علمًا بأمر حمران، وهو عبد من عبيد عثمان كان قد عصى الله قبل شهادته على الوليد، فتزوج في مدينة الرسول امرأة مطلقة، ودخل بها وهي في عدتها من زوجها الأول، فغضب عليه عثمان لهذا ولأمور أخرى قبله فطرده من رحابه وأخرجه من المدينة، فجاء الكوفة يعيث فيها فسادًا، ودخل على العابد الصالح عامر بن عبد القيس فافترى عليه الكذب عند رجال الدولة، وكان سبب تسييره إلى الشام. وأنا أترك أمر هذا الشاهد والشاهدين والآخرين قبله إلى ضمير القارئ، يحكم به عليهم بما يشاء، وفي اجتهادي أن مثل هؤلاء الشهود لا يقام بهم حد الله على ظنين من السوقة والرعاع، فكيف بصحابي مجاهد وضع الخليفة في يده أمانة قطر وقيادة جيوش فكان عند الظن به من حسن السيرة في الناس وصدق الرعاية لأمانات الله، وكان وضعه ثقة عند ثلاثة من أكمل خلفاء الإسلام"


نصوص المخالفين

  • الشريف المرتضى - رافضي - في الشافي في الإمامة
    "أما تولية عثمان للوليد بن عقبة الكوفة، وهو رجل مستهتر يشرب الخمر علانية، ويصلي بالمسلمين الغداة أربعاً وهو سكران، ثم يلتفت إليهم ويقول: أزيدكم؟ فهذا مما نقمته الأمة على عثمان... وجلده يدل على تحقق كفره ومجونه".
  • ابن أبي الحديد - معتزلي - في شرح نهج البلاغة
    "كان الوليد من رجال الفتنة والفسوق، وقد ثبت أنه صلى بهم الصبح أربعاً وتهكم بالصلاة، ومثل هذا لا يُشرف بمجالسة الصالحين فضلاً عن إمرة المسلمين".


يستدلون برواية الذهبي الذي قال في تاريخ الإسلام: 

( وَقَالَ الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: كُنَّا فِي جَيْشٍ بِالرُّومِ ، وَمَعَنَا حُذَيْفَةُ، وَعَلَيْنَا الْوَلِيدُ، فَشَرِبَ الْخَمْرَ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَحِدَّهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَتُحِدُّونَ أَمِيرَكُمْ وَقَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، فَبَلَغَهُ فَقَالَ:لأَشْرَبَنَّ وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً ... وَأَشْرَبَنَّ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ مَنْ رغما ) 


والأثر موقوف غير مرفوع، وفي سنده جهالة، مع عنعنة الأعمش، ولذلك لا يصح الاحتجاج به في الطعن في صحابي من أصحاب رسول الله ﷺ .


و في سنده مقال عند إبن عساكر:


"(حديث موقوف) أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْعَبَّاسِيُّ , أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَسَنِ , بِمَكَّةَ , أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْمَكِّيُّ ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الأَزْهَرِ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ زُنْبُورٍ الْمَكِّيِّ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنْ عَلْقَمَةَ ، قَالَ : كُنَّا فِي جَيْشٍ بِالرُّومِ , وَمَعَنَا حُذَيْفَةُ , وَعَلَيْنَا الْوَلِيدُ , فَشَرِبَ الْوَلِيدُ الْخَمْرَ , فَأَرَدْنَا أَنْ نَحُدَّهُ , فَقَالَ حُذَيْفَةُ : أَتَحُدُّونَ أَمِيرَكُمْ , وَقَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ , فَيَطْمَعُوا فِيكُمْ , فَبَلَغَهُ , فَقَالَ : لأَشْرَبَنَّ وَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً وَلأَشْرَبَنَّ عَلَى رَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغِم .


قلتُ-أي ابن عساكر- : وهذا فيه من لم أعرفهم , ولم أجد فيهم جرحاً ولا تعديلاً"



قصيدة الوليد في رثاء عثمان

اعتزل الوليد بن عقبة رضي الله عنه الفتنة تماماً بعد مقتل عثمان رضي الله عنه، ولم يشارك في معركتي الجمل وصفين، وانزوى في ضيعة له بالرقة حتى توفي سنة ٦١ هـ.


وقد قال يصف حزنه على عثمان ويحرض بني أمية على الأخذ بثأره الأبيات الشهيرة:


بني هاشم ردوا عقال ابن اختكم      و لا تطمعوا فيها فقد طال مطمع

بني هاشم كيف التعاطف بيننا          و عثمان فيكم في الضريح مفجع



و ختاماً،

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أما الوليد بن عقبة فهو صحابي، بلا خلاف بين أهل العلم، وهو داخل في عموم الآيات والأحاديث التي تثني على الصحابة رضي الله عنهم وتحكم لهم بالعدالة." 


فالصحابة ليسوا بمعصومين من الذنوب، ولكن زلاتهم مغمورة في بحر سوابقهم وجهادهم، والحدود في الشريعة كفارة لأهلها. 


و في تجني أهل الكوفة على الوليد، قال الحطيئة:

رأوا خمرة فيهم فجاروا بحكمهم     ولم يعدلوا في مجلس حين قدموا

 نأيت بأمر الله عنهم ودينه            وكانوا فريقاً ملؤه الغدر والدم


فرضي الله عن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين، 

والحمد لله رب العالمين