لا نفقة ولا جماع للزوجة التي ظهر عليها النشوز حتى تعود لسيطرة زوجها.. فكيف يتم تأديبها؟
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين
قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً} (النساء:34)
فالآية الكريمة أمرت الرجال أن يعالجوا نشوز نسائهم، قبل أن يطرأ النشوز أصلاً، و ليس بعد حدوثه ففي الآية الكريمة يأمر الله - سبحانه وتعالى - الرجل أن يكون متيقظاً دوماً، حتى إذا خاف أن تنشز زوجته بدأ بوعظها، فإن لم يَرَ منها تجاوباً هجرها، فإن لم تذعن الإذعان الذي أُمرت به في قول الحق فالصالحات قانتات، قام بضربها الضرب غير المبرح، أي: ضرب تأديب، و ليس ضرب تعذيب، الضرب الذي هو من مستلزمات القوامة التي جعلها الله - سبحانه وتعالى - للرجل، و ذكرها في الآية نفسها، و لا يخرج عن إطار المودة و الرحمة التي جعلها الله سبحانه بين الزوجين. فالأمر لا مساواة فيه مطلقاً بين الرجل و المرأة .
مراحل معالجة نشوز الزوجة
المرحلة الأولى: مرحلة الوعظ
قوله تعالى: {فَعِظُوهُنَّ}
هذه أول مرحلة ينبغي أن يسلكها الزوج عند ظهور بعض إمارات النشوز من زوجته، فيذكرها ما أوجب الله له عليها من حسن الصحبة وجميل العشرة، والاعتراف بالدرجة التي له عليها، وما له عليها من حق يجب أداؤه، وما يترتب على إضاعته من سخط الله وعذابه، فهو ترغيب بأجر الطاعة، وترهيب من عقوبة المعصية، فيما يتعلق بحق الزوج عليها.
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها" (1) .
وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت عليه، لعنتها الملائكة حتى تصبح" (2) .
وبالجملة ينبغي أن يبدأ بالوعظ الذي يرى أنه يؤثر في نفسها، وهذا يختلف باختلاف حال المرأة، فمنهن من يؤثر في نفسها التذكير بحكم الله ورسوله في وجوب طاعة الزوج وما يترتب على ذلك من الثواب، والتحذير من معصيته وما يترتب عليها من العقاب. ومنهن من يؤثر في نفسها التهديد والتحذير من
(1) أخرجه الترمذي في كتاب النكاح، باب ما جاء في حق الزوج على المرأة، من حديث أبي هريرة، برقم: (1159) .
(2) صحيح البخاري، برقم: (3237) ، واللفظ له، ومسلم، برقم: (1436) .
سوء العاقبة في الدنيا، بذكر ما يترتب على ذلك من قطع حقوقها وإباحة هجرها وضربها ومنعها بعض طلباتها ورغباتها ونحو ذلك. واللبيب لا يخفى عليه الوعظ الذي له المحل في قلب امرأته .
(نظر: تفسير المنار5/72، وتيسير اللطيف المنان في خلاصة تفسير القرآن للشيخ عبد الرحمن السعدي ص 109. )
المرحلة الثانية: مرحلة الهجر في المضاجع
قوله تعالى: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ}
هذا لمن لم يتقومن بالوعظ والتذكير، ومعنى (( واهجروهن )) : من الهجران، وهو البعد، يقال: هجره أي تباعد منه ونأى عنه وتركه. والمضاجع: جمع مضجع، وهو محل الاضطجاع.
قال ابن عباس: هجرها بأن يوليها ظهره في الفراش، ولا يلتفت إليها، وفي ضمنه ترك كلامها وجماعها. وإذا هجرها في المضجع فإن كانت تحب الزوج شق ذلك عليها، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك الهجران، فدل على كمال نشوزها.
وقيل: المضاجع المبايت، والمراد تركهن منفردات في حجرهن ومحل مبيتهن، وفي ذلك ترك جماعهن وكلامهن.
وقيل: الهجران في المضاجع كناية عن ترك الجماع، لأن إضافة الهجران إلى المضاجع يفيد ذلك.
وقيل: (في) للسببية، أي اهجروهن بسبب المضاجع، أي بسبب تخلفهن عن المضاجعة، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله عنهما، فالهجران على هذا بالمنطق، قال عكرمة: بأن يغلظ لها القول.
وقيل: اهجروهن: أي شدوهن بالوثاق في بيوتهن، من قولهم: هجر البعير، أي ربطه بالهجار، وهو حبل يشد به البعير (1) .
واختاره الطبري رحمه الله دون سائر الأقوال، وانتصر له وهو وجه بعيد في تفسير الآية، وقد رده المفسرون؛ جاء في تفسير المنار: وأما الهجر فهو ضرب من ضروب التأديب لمن تحب زوجها، ويشق عليها هجره إياها، وذهب بعض المفسرين - ومنهم ابن جرير الطبري - أن المرأة التي تنشز لا تبالي بهجر زوجها، بمعنى إعراضه عنها، وقالوا: إن معنى (( واهجروهن )) قيدوهن، من هجر البعير إذا شده بالهجار وهو القيد الذي يقيد به، وليس هذا الذي قالوه بشيء، وما هم بالواقفين على أخلاق النساء وطباعهن، فإن منهن من تحب زوجها ويزين لها الطيش والرعونة النشوز عليه، ومنهن من تنشز امتحاناً لزوجها، ليظهر لها أو للناس مقدار شغفه بها وحرصه على رضاها … ومنهن من تنشز لتحمل زوجها على إرضائها بما تطلب من الحلي والحلل أو غير ذلك، ومنهن من يغريها أهلها بالنشوز لمآرب لهم …، وفي الهجر في المضجع نفسه معنى لا يتحقق بهجر المضجع أو البيت الذي هو فيه، لأن الاجتماع في المضجع هو الذي يهيج شعور الزوجية، فتسكن نفس كل من الزوجين إلى الآخر، ويزول اضطرابهما الذي أثارته الحوادث قبل ذلك، فإذا هجر الرجل المرأة وأعرض عنها في هذه الحالة رجي أن يدعوها ذلك الشعور والسكون النفسي إلى سؤاله عن السبب، ويهبط بها من نشز المخالفة إلى صفصف الموافقة(2)
وفي في ظلال القرآن: قوله: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ} : والمضجع هو موضع الإغراء والجاذبية التي تبلغ فيها المرأة الناشز المتعالية قمة سلطانها، فإذا استطاع الرجل أن يقهر دوافعه تجاه هذا الإغراء، فقد أسقط من يد المرأة الناشزأمضى أسلحتها التي تعتز بها، وكانت في الغالب أميل إلى التراجع والملاينة أمام هذا الصمود من زوجها، وأمام بروز خاصية قوة الإرادة والشخصية فيه في أحرج مواضعها ... على أن هناك أدباً معينا في هذا الإجراء إجراء الهجر في المضاجع، وهو ألا يكون هجراً ظاهراً في غير مكان خلوة الزوجين، لا يكون هجرا أمام الأطفال، يورث نفوسهم شراً وفساداً، ولا هجراً أمام الغرباء يذل الزوجة أو يستثير كرامتها، فتزداد نشوزاً، فالمقصود علاج النشوز لا إذلال الزوجة ولا إفساد الأطفال، وكلا الهدفين يبدو أنه مقصود من هذا الإجراء .
قلت: وإذا كان المقصود من الهجر في المضجع هو التأديب وإصلاح الحال، فينبغي أن يكون ذلك على قدر ما يفي بالغرض، دون التعدي والتشفي وما يلحق ذلك من البغض والكراهية، فإن هذا ليس من الهجر الجميل النافع، بل ذلك من الهجر المذموم الذي لا يحصل به تقويم ولا مصلحة، إنما يجر إلى مزيد من التنافر والتباعد والاختلاف، وما ينتج عنه من حقد وكراهية وهدم للحياة الزوجية.
(1) انظر: تفسير الطبري 5/63-65، وتفسير القرطبي 5/171، وتفسير الآلوسي 5/25.
(2) تفسير المنار 5/72-83.
المرحلة الثالثة: مرحلة الضرب
قوله تعالى: {َاضْرِبُوهُنَّ}
حين يستنفد الزوج وسائل الأدب الأخرى، من الوعظ والهجر، ثم لا يرى لذلك أثراً من إنابة وصلاح، فإن رأى
- حينئذ - ضربها ناجعاً فله ذلك؛ وهذا يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص. على أن يكون الضرب على قدر ما يحصل به الغرض، دون تجاوز أو تعد، لأن المقصود هو الزجر والتأديب،لا الإيلام والإيذاء.
وذلك هو ضرب الأدب غير المبرح وغير الشائن، بحيث لا يكسر عظماً ولا يتلف عضواً، ولا يورث شيناً أو جرحاً، ويتجنب الوجه، ولا يوالي به في موضع واحد، لئلا يعظم الضرر، ويقتصر فيه على قدر الكفاية (1) .
ومع أن الضرب مباح إلا أن تركه أفضل، فقد أخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجة من حديث إياس بن عبد الله بن أبي ذئاب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تضربوا إماء الله" ؛ فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ذئرن (2) النساء على أزواجهن، فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون أزواجهن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد طاف بآل محمد نساء كثير يشكون أزواجهن، ليس أولئك بخياركم" (3) .
أي: الرِّجالُ الَّذين يَضرِبونَ نِساءَهُمْ، "بخِيارِكُم"، بل خيارُكم مَنْ لا يَضْرِبون نِساءَهُم.
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في حجة الوداع: "واتقوا الله في النساء، فإنهن عندكم عوان، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف" (4) .
ولا يخفى أن تحمل أذى النساء والصبر عليهن أفضل من ضربهن، إلا لداع قوي.
قال الفخر الرازي: وبالجملة فالتخفيف مراعى في هذا الباب على أبلغ الوجوه، والذي يدل عليه أنه تعالى ابتدأ بالوعظ، ثم ترقى منه إلى الهجران في المضاجع، ثم ترقى منه إلى الضرب، وذلك تنبيه يجري مجرى التصريح في أنه مهما حصل الغرض بالطريق الأخف وجب الاكتفاء به، ولم يجز الإقدام على الطريق الأشق ... قال بعضهم: حكم هذه الآية مشروع على الترتيب، فإن ظاهر اللفظ وإن دل على الجمع، إلا أن فحوى الآية يدل على الترتيب، قال أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: يعظها بلسانه، فإن انتهت فلا سبيل له عليها، فإن أبت هجر مضجعها، فإن أبت ضربها، فإن لم تتعظ بالضرب بعث الحكمين.
(1) انظر: تفسير القرطبي 5/172، وتفسير ابن كثير 2/295، وتفسير الفخر الرازي 10/93.
(2) ذئرت المرأة على بعلها، وهي ذائر: نشزت واجترأت وتغير خلقها. اللسان، مادة: ذأر.
(3) أبو داود، برقم: (2146) ، والنسائي، برقم: (9167) ، وابن ماجة، برقم: (1975) .
(4) صحيح مسلم، برقم: (1218) .
وقال آخرون: هذا الترتيب مراعى عند خوف النشوز، أما عند تحقق النشوز فلا بأس بالجمع بين الكل (1) .
وقال أبو حيان في تفسيره: قال الرازي ما ملخصه: يبدأ بلين القول في الوعظ، فإن لم يفد فبخشنه، ثم بترك مضاجعتها، ثم بالإعراض عنها كلية، ثم بالضرب الخفيف، كاللطمة واللكزة ونحوها، مما يشعر بالاحتقار وإسقاط الحرمة، ثم بالضرب بالسوط والقضيب اللين ونحوه، مما يحصل به الألم والإنكاء، ولا يحصل عنه هشم ولا إراقة دم وأي شيء من هذه رجعت به عن نشوزها على ما رتبناه لم يجز له أن ينتقل إلى غيره، لقولِه: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} (2) .
والقرآن عندما أباح ضرب المرأة إنما جعله علاجاً يحتاج إليه عند الضرورة، فالمرأة إذا أساءت عشرة زوجها، وتمادت في صلفها ونشز غرورها، لا تكف ولا ترعوي عن عصيانها واستعلائها، فماذا يصنع الزوج في مثل هذه الحالة؟، أيهجرها ويستمر في هجرها، دون أن يرى لذلك أثراً؟، أم يطلقها؟، أم يتركها تصنع ما تشاء؟.
(1) تفسير الفخر الرازي 10/93-94.
(2) البحر المحيط 3/628.
لقد أرشد القرآن الكريم إلى اتخاذ الطرق الحكيمة في معالجة هذا النشوز والعصيان، فأمر بالصبر والأناة، ثم بالوعظ والإرشاد، ثم بالهجر في المضاجع، فإذا لم تنفع كل هذه الوسائل، ورأى الزوج أن في ضربها كسراً لشأفة كبريائها واستعلائها، وخفضاً لصلفها ونشوزها، فيباح له - حينئذ - أن يضربها ضرباً غير مبرح، حيث اضطرته إلى ذلك، وللضرورة أحكامها. فضربها للتأديب والإصلاح أقل ضرراً من إيقاع الطلاق عليها إذا هي تمادت في عصيانها، ولم ترجع للطاعة وأداء الحق؛ إذ الطلاق هدم لكيان الأسرة وتمزيق لشملها. ثم إن الضرب ليس إهانة للمرأة - كما قد يظن البعض - وإنما هو طريق من طرق التقويم والتأديب والإصلاح، ينفع في بعض الحالات مع بعض النفوس التي لا ينفع معها الجميل، ولا يقيمها إلا التأديب (1) .
وفي تفسير المنار: يستكبر بعض مقلدة الإفرنج في آدابهم منا مشروعية ضرب المرأة الناشز، ولا يستكبرون أن تنشز وتترفع عليه، فتجعله وهو رئيس البيت مرؤوساً، بل محتقراً، وتصر على نشوزها حتى لا تلين لوعظه ونصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، ولا أدري بم يعالجون هؤلاء النواشز، وبم يشيرون على أزواجهن أن يعاملوهن به، لعلهم يتخيلون امرأة ضعيفة نحيفة، مهذبة أديبة، يبغي عليها رجل فظ غليظ، فيطعم سوطه من لحمها الغريض، ويسقيه من دمها العبيط، ويزعم أن الله تعالى أباح له مثل هذا وحاش لله أن يأذن بمثل هذا الظلم أو يرضى به ... (2) .
(1) انظر: روائع البيان في تفسير آيات الأحكام، للشيخ محمد بن علي الصابوني 1/474-475؛ بشيء من الزيادة والتصرف.
(2) انظر: تفسير المنار 5/74.
والحاصل: أن الضرب علاج مر، قد يضطر إليه الزوج حين تصر المرأة على نشوزها، ولا تلين لوعظه ونصحه، ولا تبالي بإعراضه وهجره، فيباح له - حينئذ- أن يضربها ضرباً غير مبرح، يخفض من صلفها، ويردها عن نشوزها، فشرع تلك الوسائل والتوجيهات لمعالجة أعراض النشوز قبل استفحالها، وأحاطها بالتحذيرات من سوء استعمالها، وحدد صفتها، والنية المصاحبة لها، والغاية من ورائها.
ومن المعلوم أن تلك الوسائل التأديبية لا مكان لها حال الوفاق بين الزوجين، فهي لا تكون إلا وهناك انحراف ما، يستدعي المعالجة، فحين لا تجدي الموعظة ولا يجدي الهجر في المضجع، فلا بد أن يكون هذا الإنحراف من نوع آخر، قد تجدي فيه وسيلة أخرى، وسيلة الضرب غير مبرح، لعل وعسى.
وربما استنكر البعض ضرب المرأة الناشز، وعده ظلماً وجوراً واعتداءً بكل حال، وقد جار في حكمه هذا وما أنصف، نعم (( ولن يضرب خياركم )) ، وقد يستغني عن ذلك الخيّر الكريم، لكن بالمقابل قد يضطر إليه من ابتلي بمن لا ترجع عن صلفها ونشوزها إلا به، وللضرورة حكمها وقدرها. ثم إن الذي شرع ذلك وأباحه عند الحاجة إليه هو الخالق سبحانه، وهو أعلم بخلقه وما يناسب أحوالهم، وما يصلح به شأنهم، فجعل لكل حال حكم يناسبها في شرعه.
وأي فساد يقع في الأرض إذا أبيح للرجل التقي الفاضل أن يخفض من صلف إحداهن ويردها عن نشز غرورها بلطمة أو لكزة خفيفة، أو ضربة يسيرة بسوط أو عصا، تؤدب وتصلح، ولا تؤذي أو تجرح؛ وذلك عندما تفسد الطباع وتسوء الأخلاق، ولم ير الرجل بداً منه، ولا ترجع المرأة عن نشوزها إلا به. أما عند ما تستجيب المرأة للنصح، أو تزدجر بالهجر، فلا مكان للضرب ولا سبيل إليه، فهو ضرورة زالت بزوال سببها، إذ نحن مأمورون بالرفق بالنساء واجتناب ظلمهن، وإمساكهن بمعروف أو تسريحهن بإحسان (1) .
أخرج أبو داود في سننه من حديث حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه، قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا عليه؟، قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت" (2) .
أما إذا ما استمرت المرأة في نشوزها وتعاليها على زوجها، فلم تستجب لنصحه وطلبه، ولم تقم بما عليها من حقه، فإن ذلك يسقط حقها في النفقة وغيرها، حتى ترجع عن نشوزها.
وهذا من الأحكام المترتبة على النشوز من قبل المرأة.
جاء في تفسير القرطبي: قال ابن خويزمنداد: والنشوز يسقط النفقة وجميع الحقوق الزوجية، ويجوز معه أن يضربها الزوج ضرب الأدب غير المبرح، والوعظ والهجر حتى ترجع عن نشوزها، فإذا رجعت عادت حقوقها، وكذلك كل ما اقتضى الأدب فجائز للزوج تأديبها.
وقال ابن المنذر: اتفق أهل العلم على وجوب نفقات الزوجات على أزواجهن إذا كانوا جميعاً بالغين، إلا الناشز منهن الممتنعة.
وقال أبو عمر: من نشزت عنه امرأته بعد دخوله، سقطت عنه نفقتها، إلا أن تكون حاملاً (3) .
قوله: {فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}
(1) انظر: تفسير المنار 5/74-76، وفي ظلال القرآن 2/654-655.
(2) سنن أبي داود، برقم: (2142) .
(3) تفسير القرطبي 5/174، وانظر: المغني لابن قدامة 11/409-410.
أي فإن رجعن وانقدن إلى ما أوجب الله عليهن من طاعتكم، وحصل المقصود بواحدة من تلك الخصال التأديبية {فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أي فلا سبيل لكم عليهن بعد ذلك بالتعنت والإيذاء بالهجران والضرب ونحوه.
فعند تحقق الغاية تقف الوسيلة، فالمضي في تلك الإجراءات بعد الرجوع عن النشوز إلى الطاعة المعروفة بغي وتحكم، فمتى استقام لكم الظاهر فلا تبحثوا عما في السرائر ولا تكلفوهن ما ليس بأيديهن، من محبتكم وميول قلوبهن إليكم، كما ينبغي تناسي الأمور السالفة وعدم ذكرها، فإن ذلك أحرى لدوام الوفاق والائتلاف، والبعد عن أسباب الفرقة والاختلاف.
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كَبِيراً}
أي له العلو المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات، علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر.
الكبير الذي لا أكبر منه، ولا أجل ولا أعظم، كبير الذات والصفات (1) .
وفي ختم الآية بهذين الاسمين العظيمين تمام المناسبة، فإنه لما كان في تأديبهن بما أمر الله تعالى به الزوج اعتلاء للزوج على المرأة، ختم تعالى الآية بصفة العلو والكبر، لينبه العبد على أن المتصف بذلك حقيقة هو الله تعالى، وإنما أذن لكم فيما أذن على سبيل التأديب لهن، فلا تستعلوا عليهن، ولا تتكبروا عليهن، فإن ذلك ليس مشروعاً لكم، وفي هذا وعظ عظيم للأزواج وإنذار لهم بأن قدرة الله عليكم فوق قدرتكم عليهن (2) ، فإنهن وإن ضعفن عن دفع ظلمكم، وعجزن عن الانتصاف منكم، فالله سبحانه علي قاهر، كبير قادر،ينتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن، فلا تغتروا بكونكم أعلى يداً منهن، وأكبر درجة، فالله أعلى وأكبر، فاتقوه، واحذروا عقوبته وانتقامه.
(1) تفسير الشيخ عبد الرحمن السعدي 1/319-320.
(2) انظر: البحر المحيط لأبي حيان 3/628.
المصدر الاول: كتاب و قرن في بيوتكن المؤلف عماد الدين السمان +انتهى الكلام من هذا الكتاب من جملة لا مساواة فيه مطلقاً بين الرجل و المرأة . اما الباقي فهو الكتاب الثاني
المصدر الثاني:كتاب النشوز بين الزوجين[عايد الحربي]
