براءة سعد بن أبي وقاص من حديث "في أصل شعرك شيطان"

 ورد في بعض كتب الرافضة، ومنها كتاب أمالي الصدوق، و بحار الانوار للمجلسي، رواية مسندة إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه كان يخطب في الناس على المنبر فقال: "سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله ما تسألوني عن شيء مضى ولا شيء يكون إلا نبأتكم به".فقام إليه رجل نُسِب في متن الرواية أنه سعد بن أبي وقاص، فقال متعنتا: "يا أمير المؤمنين، أخبرني كم في رأسي ولحيتي من شعرة؟"، فأجابه الإمام بأن في أصل كل شعرة شيطانا يغويه، وأن في بيته سخلاً يقتل ابن رسول الله ( الحسين عليه السلام).


 






أدلة بطلان نسبة السؤال لسعد بن أبي وقاص


أولاً/ مكان إقامة سعد

إن الخطبة الشهيرة لأمير المؤمنين عليه السلام والتي أعلن فيها "سلوني قبل أن تفقدوني"، قد ألقاها في مواطن متعددة، أشهرها كان على منبر مسجد الكوفة بعد أن انتقلت عاصمة الخلافة إلى العراق.

من الناحية التاريخية، فإن سعد بن أبي وقاص اعتزل الفتنة والسياسة تماما بعد مقتل الخليفة عثمان بن عفان، وامتنع عن بيعة أمير المؤمنين عليه السلام، فضل الابتعاد عن عواصم الصراع، فاشترى أرضاً في منطقة العقيق قرب المدينة المنورة، واشتغل بفلاحتها، ولم يثبت تاريخياً أنه قدم إلى الكوفة أو جلس في مجلس خطبة الإمام علي عليه السلام طيلة فترة خلافته


وعليه، يمتنع عقلاً ونقلاً أن يكون هو السائل الواقف تحت المنبر الكوفي.


ثانياً/ الدليل التاريخي المتمثل في عمر ابن سعد

تذكر الرواية في تتمتها المشهورة أن الإمام علي عليه السلام قال للسائل: "وإن في بيتك لسخلاً يقتل ابني الحسين"، والإشارة هنا إلى (عمر بن سعد).

وهذا المضمون يتصادم مع حقيقة تاريخ ولادة عمر بن سعد، فقد نص المؤرخون وأئمة الجرح والتعديل ومنهم ابن معين على أن عمر بن سعد ولد في السنة التي مات فيها عمر بن الخطاب، وهي سنة ثلاث وعشرين للهجرة.

وعليه، فإنه في فترة خلافة أمير المؤمنين في الكوفة (بين سنتي ٣٦هـ و ٤٠هـ)، كان عمر بن سعد شاباً يبلغ من العمر ما بين ١٣ إلى ١٧ سنة، أي أنه كان غلاماً بالغاً شارف على العشرين، ولم يكن "سخلاً" (طفلاً رضيعاً) كما تصوره الرواية.


ثالثاً/ ضعف راوي القصة

بالإضافة إلى الاضطراب التاريخي والجغرافي في متن الرواية، فإن هناك علة حديثية قادحة في السند، فالرواية تدور في غالب طرقها عن الأصبغ بن نباتة.








نقضها من كتبهم

نظراً لأن أصل القصة "قيام رجل متعنت بسؤال الإمام عن شعر رأسه ولحيته" هي قضية تاريخية مشهورة، فإن كبار علمائهم التفتوا إلى التصحيف والخطأ الواقع في التسمية، فعدل المفيد في كتابه الإرشاد، وتبعه الطبرسي في إعلام الورى، عن ذكر اسم الرجل تماماً تحاشياً للوقوع في الإشكال التاريخي، فعبّرا عنه بقولهما: "فقام إليه رجل..."، دون تسميته بسعد.كما أورد ابن أبي الحديد هذه القصة في كتابه شرح نهج البلاغة، وأثبت في نهاية التحقيق أن السائل الحقيقي هو سنان بن انس النخعي.






ومجمل القول، فإن بساط التحقيق التاريخي والحديثي يطرد عن ساحة هذا الصحابي الجليل كل غمز أو تعنت حكته أسطر المرويات الضعيفة، فسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه خال المصطفى ﷺ، وفارس الإسلام الذي قال عنه علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُفَدِّي أَحَدًا بِأَبَوَيْهِ بَعْدَ سَعْدٍ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: ارْمِ سَعْدُ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"(رواه البخاري ومسلم). 


و هو أرفع مقاما وأجل قدرا من أن يكون في موضع المعنت لأمير المؤمنين علي عليه السلام.

وإن ما وقع في بطون بعض المصنفات من ذكر اسمه في سياق ذلك السؤال، إن هو إلا وهم وتناقض تاريخي، قذفت به أسانيد الرواة المتروكين كابن نباتة وتصحيفات النساخ