علامات بلوغ الذكر والأنثى ليست محصورة في الحيض والاحتلام؛ فإذا ظهرت هذه العلامات وجبت عليهم الأحكام والواجبات، ويقضون ما تركوا من الصلاة والصوم إذا ظهرت إحدى هذه العلامات قبل الحيض أو الاحتلام

 [الْفَصْل الثَّالِث الْبُلُوغ فِي حَقّ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ]

(٣٤٧١) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، فِي الْبُلُوغِ، وَيَحْصُلُ فِي حَقِّ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ، وَفِي حَقِّ الْجَارِيَةِ بِشَيْئَيْنِ يَخْتَصَّانِ بِهَا، أَمَّا الثَّلَاثَةُ الْمُشْتَرَكَةُ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَأَوَّلُهَا خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْ قُبُلِهِ، وَهُوَ الْمَاءُ الدَّافِقُ الَّذِي يُخْلَقُ مِنْهُ الْوَلَدُ، فَكَيْفَمَا خَرَجَ فِي يَقَظَةٍ أَوْ مَنَامٍ، بِجِمَاعِ، أَوْ احْتِلَامٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، حَصَلَ بِهِ الْبُلُوغُ. لَا نَعْلَمُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} [النور: ٥٩] وَقَوْلِهِ {وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ} [النور: ٥٨] وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ؛ عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ.» وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لِمُعَاذِ: «خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا» . رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُد.

وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْفَرَائِضَ وَالْأَحْكَامَ تَجِبُ عَلَى الْمُحْتَلِمِ الْعَاقِلِ، وَعَلَى الْمَرْأَةِ بِظُهُورِ الْحَيْضِ مِنْهَا.

وَأَمَّا الْإِنْبَاتُ فَهُوَ أَنْ يَنْبُتَ الشَّعْرُ الْخَشِنُ حَوْلَ ذَكَرِ الرَّجُلِ، أَوْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ، الَّذِي اسْتَحَقَّ أَخْذَهُ بِالْمُوسَى، وَأَمَّا الزَّغَبُ الضَّعِيفُ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، فَإِنَّهُ يَثْبُتُ فِي حَقِّ الصَّغِيرِ. وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ، وَقَالَ فِي الْآخَرِ: هُوَ بُلُوغٌ فِي حَقِّ الْمُشْرِكِينَ، وَهَلْ هُوَ بُلُوغٌ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ؟ فِيهِ قَوْلَانِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا اعْتِبَارَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ نَبَاتُ شَعْرٍ، فَأَشْبَهَ نَبَاتَ شَعْرِ سَائِرِ الْبَدَنِ. وَلَنَا، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا حَكَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ، حَكَمَ بِأَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ، وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ، وَأَمَرَ أَنْ يُكْشَفَ عَنْ مُؤَازَرَتِهِمْ، فَمَنْ أَنْبَتَ، فَهُوَ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ، وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ، أَلْحَقُوهُ بِالذُّرِّيَّةِ.

وَقَالَ عَطِيَّةُ الْقُرَظِيّ: عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ قُرَيْظَةَ، فَشَكُّوا فِي، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُنْظَرَ إلَيَّ، هَلْ أَنْبَتُّ بَعْدُ، فَنَظَرُوا إلَيَّ، فَلَمْ يَجِدُونِي أَنْبَتُّ بَعْدُ، فَأَلْحَقُونِي بِالذُّرِّيَّةِ.

مُتَعَلِّقٌ عَلَى مَعْنَاهُ. وَكَتَبَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - إلَى عَامِلِهِ،أَنْ لَا تَأْخُذَ الْجِزْيَةَ إلَّا مِنْ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي. وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، أَنَّ غُلَامًا مِنْ الْأَنْصَارِ شَبَّبَ بِامْرَأَةِ فِي شِعْرِهِ، فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ، فَلَمْ يَجِدْهُ أَنْبَتَ، فَقَالَ: لَوْ أَنْبَتَّ الشَّعْرَ لَحَدَدْتُك.

وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ يُلَازِمُهُ الْبُلُوغُ غَالِبًا، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، فَكَانَ عَلَمًا عَلَى الْبُلُوغِ، كَالِاحْتِلَامِ، وَلِأَنَّ الْخَارِجَ ضَرْبَانِ، مُتَّصِلٌ، وَمُنْفَصِلٌ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْمُنْفَصِلِ مَا يَثْبُتُ بِهِ الْبُلُوغُ، كَانَ كَذَلِكَ الْمُتَّصِلُ.

وَمَا كَانَ بُلُوغًا فِي حَقِّ الْمُشْرِكِينَ، كَانَ بُلُوغًا فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ، كَالِاحْتِلَامِ، وَالسِّنِّ. وَأَمَّا السِّنُّ، فَإِنَّ الْبُلُوغَ بِهِ فِي الْغُلَامِ وَالْجَارِيَةِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً. وَبِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ دَاوُد: لَا حَدَّ لِلْبُلُوغِ مِنْ السِّنِّ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ، عَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» . وَإِثْبَاتُ الْبُلُوغِ بِغَيْرِهِ يُخَالِفُ الْخَبَرَ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَقَالَ أَصْحَابُهُ: سَبْعَ عَشْرَةَ، أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْغُلَامِ رِوَايَتَانِ. إحْدَاهُمَا، سَبْعَ عَشْرَةَ، وَالثَّانِيَةُ، ثَمَانِيَ عَشْرَةَ. وَالْجَارِيَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ، أَوْ اتِّفَاقٍ، وَلَا تَوْقِيفَ فِي مَا دُونَ هَذَا، وَلَا اتِّفَاقَ.

وَلَنَا، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: «عُرِضْت عَلَى رَسُولِ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَلَمْ يُجْزِنِي فِي الْقِتَالِ، وَعُرِضْت عَلَيْهِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشَرَةَ، فَأَجَازَنِي» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي لَفْظٍ: عُرِضْت عَلَيْهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَأَنَا ابْنُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ فَرَدَّنِي، وَلَمْ يَرَنِي بَلَغْت، وَعُرِضْت عَلَيْهِ عَامَ الْخَنْدَقِ وَأَنَا ابْنُ خَمْسَ عَشَرَةَ، فَأَجَازَنِي. فَأُخْبِرَ بِهَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَكَتَبَ إلَى عُمَّالِهِ: أَنْ لَا تَفْرِضُوا إلَّا لِمَنْ بَلَغَ خَمْسَ عَشَرَةَ. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي " مُسْنَدِهِ "، وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إذَا اسْتَكْمَلَ الْمَوْلُودُ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً كُتِبَ مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ الْحُدُودُ» .

وَلِأَنَّ السِّنَّ مَعْنًى يَحْصُلُ بِهِ الْبُلُوغُ، يَشْتَرِكُ فِيهِ الْغُلَامُ وَالْجَارِيَةُ، فَاسْتَوَيَا فِيهِ، كَالْإِنْزَالِ.

وَمَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، فَفِيمَا رَوَيْنَاهُ جَوَابٌ عَنْهُ، وَمَا احْتَجَّ بِهِ دَاوُد لَا يَمْنَعُ إنْبَاتَ الْبُلُوغِ بِغَيْرِ الِاحْتِلَامِ إذَا ثَبَت بِالدَّلِيلِ، وَلِهَذَا كَانَ إنْبَاتُ الشَّعْرِ عَلَمًا.

وَأَمَّا الْحَيْضُ فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَقْبَلُ اللَّه صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَأَمَّا الْحَمْلُ فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى الْبُلُوغِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ أَنَّ الْوَلَدَ لَا يُخْلَقُ إلَّا مِنْ مَاءِ الرَّجُلِ وَمَاءِ الْمَرْأَةِ.

قَالَ اللَّه تَعَالَى: {فَلْيَنْظُرِ الإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ} [الطارق: ٥] {خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ} [الطارق: ٦] {يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ} [الطارق: ٧] وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ، فَمَتَى حَمَلَتْ، حُكِمَ بِبُلُوغِهَا فِي الْوَقْتِ الَّذِي حَمَلَتْ فِيهِ.

[فَصْلٌ مِنْ عَلَامَات الْبُلُوغ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ]

(٣٤٧٢) فَصْلٌ: وَإِذَا وُجِدَ خُرُوجُ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِ الْخُنْثَى الْمُشْكِلِ، فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى بُلُوغِهِ، وَكَوْنِهِ رَجُلًا، وَإِنْ خَرَجَ مِنْ فَرْجِهِ، أَوْ حَاضَ، فَهُوَ عَلَمٌ عَلَى بُلُوغِهِ، وَكَوْنِهِ امْرَأَةً. وَقَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَمًا عَلَى الْبُلُوغِ، فَإِنْ اجْتَمَعَا، فَقَدْ بَلَغَ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْفَرْجُ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ ذَلِكَ خِلْقَةً زَائِدَةً.

وَلَنَا، أَنَّ خُرُوجَ الْبَوْلِ مِنْ أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، فَخُرُوجُ الْمَنِيِّ وَالْحَيْضِ أَوْلَى، وَإِذَا ثَبَتَ كَوْنُهُ رَجُلًا خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ ذَكَرِهِ، أَوْ امْرَأَةً خَرَجَ الْحَيْضُ مِنْ فَرْجِهَا، لَزِمَ وُجُودُ الْبُلُوغِ، وَلِأَنَّ خُرُوجَ مَنِيِّ الرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْحَيْضِ مِنْ الرَّجُلِ، مُسْتَحِيلٌ، فَكَانَ دَلِيلًا عَلَى التَّعْيِينِ، فَإِذَا ثَبَتَ التَّعْيِينُ لَزِمَ كَوْنُهُ دَلِيلًا عَلَى الْبُلُوغِ، كَمَا لَوْ تَعَيَّنَ قَبْلَ خُرُوجِهِ، وَلِأَنَّهُ مَنِيٌّ خَارِجٌ مِنْ ذَكَرٍ، أَوْ حَيْضٌ خَارِجٌ مِنْ فَرْجٍ، فَكَانَ عَلَمًا عَلَى الْبُلُوغ كَالْمَنِيِّ الْخَارِجِ مِنْ الْغُلَامِ، وَالْحَيْضِ الْخَارِجِ مِنْ الْجَارِيَةِ، وَلِأَنَّهُمْ سَلَّمُوا أَنَّ خُرُوجَهُمَا مَعًا دَلِيلٌ عَلَى الْبُلُوغِ، فَخُرُوجُ أَحَدِهِمَا مُنْفَرِدًا أَوْلَى؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُمَا مَعًا يَقْتَضِي تَعَارُضَهُمَا، وَإِسْقَاطَ دَلَالَتِهِمَا، إذْ لَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَجْتَمِعَ حَيْضٌ صَحِيحٌ وَمَنِيُّ رَجُلٍ، فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا فَضْلَةً خَارِجَةً مِنْ غَيْرِ مَحَلِّهَا، وَلَيْسَ أَحَدُهُمَا بِذَلِكَ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ، فَتَبْطُلُ دَلَالَتُهُمَا، كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا، وَكَالْبَوْلِ إذَا خَرَجَ مِنْ الْمَخْرَجَيْنِ جَمِيعًا، بِخِلَافِ مَا إذَا وُجِدَ أَحَدُهُمَا مُنْفَرِدًا، فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى أَجْرَى الْعَادَةَ بِأَنَّ الْحَيْضَ يَخْرُجُ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةَ عِنْدَ بُلُوغِهَا، وَمَنِيَّ الرَّجُلِ يَخْرُجُ مِنْ ذَكَرِهِ عِنْدَ بُلُوغِهِ، فَإِذَا وُجِدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ وَجَبَ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ، وَيَقْضِي بِثُبُوتِ دَلَالَتِهِ، كَالْحُكْمِ بِكَوْنِهِ رَجُلًا، بِخُرُوجِ الْبَوْلِ مِنْ ذَكَرِهِ، وَبِكَوْنِهِ امْرَأَةً، بِخُرُوجِهِ مِنْ فَرْجِهَا، وَالْحُكْمِ لِلْغُلَامِ بِالْبُلُوغِ بِخُرُوجِ الْمَنِيِّ مِنْ ذَكَرِهِ، وَلِلْجَارِيَةِ بِخُرُوجِ الْحَيْضِ مِنْ فَرْجِهَا، فَعَلَى هَذَا إنْ خَرَجَا جَمِيعًا لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ رَجُلًا وَلَا امْرَأَةً؛ لِأَنَّ الدَّلِيلَيْنِ تَعَارَضَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَ الْبَوْلُ مِنْ الْفَرْجَيْنِ.

وَهَلْ يَثْبُتُ الْبُلُوغُ بِذَلِكَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَثْبُتُ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ رَجُلًا، فَقَدْ خَرَجَ الْمَنِيُّ مِنْ ذَكَرِهِ، وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةً، فَقَدْ حَاضَتْ.

وَالثَّانِي، لَا يَثْبُتُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا حَيْضًا وَلَا مَنِيًّا، فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلَالَةٌ، وَقَدْ دَلَّ تَعَارُضُهُمَا عَلَى ذَلِكَ، فَانْتَفَتْ دَلَالَتُهُمَا عَلَى الْبُلُوغِ، كَانْتِفَاءِ دَلَالَتِهِمَا عَلَى الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

كتاب المغني لابن قدامة - ط مكتبة القاهرة

الجزء الرابع_صفحة  345,346,347

تلخيص هذا

الفَرعُ الأوَّل: الاحتلامُ

الاحتلامُ  للرَّجُل والمرأةِ علامةٌ مِن علاماتِ البُلوغِ 

الدليلُ: مِنَ الإِجْماعِ

نقَل الإجماعَ على ذلك: محمَّدُ بنُ داودَ الظاهريُّ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ قُدامةَ 

الفَرْعُ الثَّاني: الإنباتُ

الإنباتُ  علامةٌ على البلوغِ، وهذا مذهبُ المالكيَّة ، والحنابلة ، وروايةٌ عن أبي يُوسفَ من الحنفيَّة ، وهو قولُ طائفةٍ من السَّلَفِ ، واختارَه ابنُ حَزمٍ ، والشوكانيُّ ، والشِّنقيطيُّ ، وابنُ باز ، وابنُ عُثَيمين 

الأدلَّة:

أوَّلًا: من السُّنَّة

عن عطيَّةَ القُرظيِّ، قال: ((كنتُ مِن سَبْي بني قُرَيظةَ، فكانوا يَنظُرون؛ فمَن أَنبتَ الشَّعرَ قُتِل، ومَن لم يُنبِتْ لم يُقْتَل، فكُنتُ فيمَن لم يُنبِتْ  )) 

وَجْهُ الدَّلالَةِ:

أنَّ ما كان بلوغًا في حقِّ الكافِرِ، كان بلوغًا في حقِّ المسلمِ؛ كالاحتلامِ والسِّنِّ 

ثانيًا:

أنَّ الإنباتَ معنًى يَعرِضُ عندَ البلوغِ؛ فيُحكَمُ به كخروجِ المنيِّ 

الفَرْعُ الثَّالث: بلوغُ السِّنِّ

حدُّ البلوغِ استكمالُ خَمسَ عَشرةَ سَنةً، الذَّكَرُ والأنثى في ذلك سواءٌ، وهذا مذهبُ الشافعيَّة ، والحنابلة ، وقولُ أبي يُوسفَ ومحمَّد بن الحسن من الحنفيَّة ، وبه قال بعضُ السَّلفِ ، واختاره الصنعانيُّ ، والشوكانيُّ ، وابنُ باز ، وابنُ عَثَيمين 

الأدلَّة:

أوَّلًا: من السُّنَّة

عن ابنِ عُمرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهما: ((أنَّ رسولَ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَرَضَه يومَ أُحد، وهو ابنُ أَربعَ عَشرَةَ سَنةً، (قال: ) فلم يُجزِني، ثم عَرَضني يومَ الخَندقِ، وأنا ابنُ خَمسَ عَشرةَ سَنةً، فأجازني  )) 

ثانيًا:

أنَّ المؤثِّرَ في الحقيقةِ هو العقلُ، وهو الأصلُ في البابِ؛ إذ به قوامُ الأحكامِ، وإنَّما الاحتلامُ جُعِلَ حدًّا في الشرعِ لكونِه دليلًا على كمالِ العقلِ، والاحتلامُ لا يتأخَّرُ عن خَمسَ عَشرةَ سَنةً عادةً، فإذا لم يحتلمْ إلى هذه المدَّةِ، عُلِم أنَّ ذلك لآفةٍ في خِلقتِه، والآفةُ في الخِلقةِ لا تُوجِبُ آفةً في العقلِ، فكان العقلُ قائمًا بلا آفةٍ؛ فوجَبَ اعتبارُه في لزومِ الأحكامِ 

الفَرعُ الرَّابع: الحَيضُ للمرأةِ

إذا حاضتِ المرأةُ، فقدْ بلَغَتْ ووجَبَتْ عليها الفرائضُ.

الدَّليل: من الإجماعُ

نقَل الإجماعَ على ذلك: محمَّد بنُ داودَ الظاهريُّ ، وابنُ المنذرِ ، وابنُ قُدامةَ 

الفرعُ الخامِسُ: الحمل للمَرأةِ

الحَمْلُ علامةٌ على بُلوغِ المرأةِ، وذلك باتِّفاقِ المذاهبِ الفقهيَّة الأربعة: الحنفيَّة ، والمالكيَّة ، والشافعيَّة ، والحنابلة ؛ وذلك لأنَّ الحَبَل دليلٌ على الإنزالِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى أَجْرَى العادةَ أنَّ الولدَ إنَّما يُخلَقُ مِن ماءِ الرَّجُلِ وماءِ المرأةِ