ذِكر اسم أمك أو أختك أمام الرجال.. ليس فخراً!

  بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين

قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك

العرب في جاهليتهم وإسلامهم كانوا يأنفون من ذكر أسماء نسائهم  صوناً لهنّ!

إن من أحطّ المشاهد، وأكثر المفاهيم انتكاساً، تلك اللقاءات التافهة التي باتت تقتات على سؤال مستفز يُطرح لمجرد إثارة الجدل: "ما اسم أمك أو أختك؟".
فإن ترفّع المسؤول بغيرة الرجل العربي الأصيل ورفض الإجابة، رشقوه بجهلهم قائلين: "أنت لا تفتخر بها! خسارة أنها ربتك وحملتك تسعة أشهر!". وإن انقاد خلف تفاهتهم وصرّح بالاسم، تهافتت عليه التعليقات تصفه بالبارّ والمتحضر! في ميزان مقلوب صُنِع خصيصاً لخلع ثوب الغيرة والحياء من قلوب الرجال. ولو فقه هؤلاء الجهلاء لوجدوا أن البر بالوالدة يكون بالطاعة، والإحسان، وخفض جناح الذل لها، وصون كرامتها، وليس بتحويل اسمها إلى تريند ومادة للتسلية على منصات التواصل.
نحن هنا لا نُحرّم ما لم يُحرّمه الله، ولا نبتدع في الدين، لكننا نذكر واقعاً: إن ابتذال أسماء النساء لم يكن يوماً من شيم العرب، ولا من مروءة الإسلام. فالعرب في جاهليتهم وإسلامهم كانوا يأنفون من ذكر أسماء نسائهم في المحافل العامة صوناً لهنّ، بل كانوا يكنّون المرأة ببيتها وأولادها تكريماً وإعزازاً.
والعجيب أن هذا المستسلم للموجة، الذي ظنّ في بلاهته أن إفشاء اسم أمه "مفخرة"، سرعان ما يذوق مرارة صنيعه حين يتحول الاسم إلى مادة للتندر والمناداة والسخرية بين الغادين والرائحين، فيحترق قهراً؛ لأن الفطرة التي فطر الله الرجال عليها – أصحاب الغيرة الحية – تأبى أن تكون أسماء محارمهم علكة تلوكه ألسن العاطلين عن المروءة.
ونقول 
أولاً: لهؤلاء المتفذلكين الساخرين الذين اتخذوا أسماء الأمهات مادة للضحك والتهكم، فارغين من كل قيمة ومروءة.
 وثانياً: لمنصات الإعلام الهابط وصنّاع المحتوى المفلسين، الذين يبيعون كرامة المتابعين ويمتهنون قيم المجتمع مقابل مشاهدات رخيصة ودراهم معدودة.
فواعجباً! كيف يظن المرء نفسه مسلماً حقاً وهو عالة على مجتمعه، لا نفع فيه ولا فائدة تُرجى منه؟ إن من تشوّهت فطرته فبات يقتات على تفاهات السوشيال ميديا، قد أضاع جوهر دينه؛ فالإسلام دين عمل وإنتاج ورفعة، والمسلم الحقيقي كالغيث أينما وقع نفع، يُصلح ولا يُفسد، ويبني ولا يهدم.
فليس من صفات المسلم الحق أن يكون كالإمّعة، ينساق خلف كل ناعق تافه، ويضيع وقته وعرضه في قاع لا نفع فيه لا لدين ولا لدنيا. المسلم كيس فطن، يزن الأمور بميزان الشرع والعقل، لا بميزان المشاهدات و"اللايكات"، فاحذروا أن تفقدوا غيرتكم ونفعكم، فمن لا نفع فيه لبيته وأمته، لا خير فيه.
 فمن ستر المرأة ألا يُصرَّح باسمها، بل تُنْسَبُ لزوجها أو لابنها أو لأبيها، فالله  كنَّى عن زوج موسى عليه السلام بكلمة "أهله" في قوله:
{ فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَاراً قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آتِيكُمْ
مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ }(القصص:29)

و كذلك الأمر في زوج إبراهيم عليه السلام.
{ فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ }(الذريات:26)

و هكذا في كل القرآن الكريم يأتي ذِكْرُ المرأة دوماً تبعاً لذكر من عصبتها، حتى و إن كانت الخصوصية في الصفة أو الحكم متعلقة بها وحدها، فقال الله عزَّ و جلَّ عن أم مريم عليها السلام "امرأة عمران":

{ إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }(آل عمران:35)

وعندما بشرت الملائكة سارة زوج إبراهيم عليه السلام بإسحاق قال "امرأته" فلم يصرح باسم واحدة من أزواج الأنبياء في كتابه الكريم.

{ وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ }(هود:71)

{ فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ }(الذاريات:28-30)

حتى في ذِكر الكافرات من النساء أزواج الصالحين، و في النساء المؤمنات من أزواج الكفار نجد الشيء ذاته في نسبتهن لأزواجهن، و عدم التصريح بأسمائهن أو ألقابهن، يقول الحق :

{قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ }(هود:81)

{ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ * وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ }(التحريم:10-11)

 يجدر بالذكر أخيراً أنه في كتاب الله لم تُذكر من النساء باسمها إلا مريم عليها السلام، و ما ذلك إلا لاصطفائها على سائر نساء العالمين و جعلها و ابنها عليهما السلام آية للعالمين، لم تسبقها آية مثلها، و لن تتكرر بعدها إذ ولدته بأمر الله دون زواج، و إن الذكر الوحيد الذي نُسب إلى امرأة هو رسول الله عيسى ابن مريم عليه و على أمه أزكى الصلاة و السلام.
فما بالكم بظهور النساء اليوم بأسمائهن!
وهذا وقد علمتم الآن؛ أن أسماء النساء لا تُذكر علانية إلا لضرورة وحاجة معتبرة كشهادة أو نقل حديث أو توثيق علم، وليس للتفاهة واستعراض الشعارات الواهية والتحضر المزيف، فوالله ما أنتم بصنيعكم هذا إلا تافهون مفرغون من المروءة، فاحذروا أن تفقدوا غيرتكم ونفعكم، فمن لا نفع فيه لبيته وأمته، لا خير فيه.