قضية فدك
فدك قرية في الحجاز كانت تسكنها طائفة من اليهود، وصالحوا النبي ﷺ على نصف أرضهم حقناً لدمائهم، فصارت ملكاً خالصاً له لأنها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب. وتعتبر هذه القرية محور لقضية تاريخية عند الرافضة، إذ يعتقدون أن النبي ﷺ وهبها لابنته فاطمة الزهراء عليها السلام في حياته بأمر إلهي، وأن مصادرتها بعد وفاته كانت غير شرعية، مما يجعل من فدك رمز تاريخي لمظلومية أهل البيت وأحقيتهم بالخلافة.
أبعاد دعوى فدك والاضطراب في تحديد صفتها الشرعية
وقع الخطاب الشيعي في اضطراب عند محاولة تكييف دعوى فاطمة رضي الله عنها بأرض فدك، حيث تراوحت الادعاءات بين كونها هبة حال حياة النبي ﷺ، وبين كونها إرث بعد وفاته،فإذا كانت فدك هبة وهدية من النبي ﷺ لفاطمة بعد نزول قوله تعالى: {وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ} كما يزعمون، فإن هذا الادعاء يصطدم بمسائل شرعية وتاريخية.
الآية المذكورة هي آية مكية بالإجماع ونزلت في سورة الإسراء بمكة، في حين أن فدك لم تفتح ولم تكن ملكاً للنبي ﷺ إلا في العام السابع من الهجرة بالمدينة بعد فتح خيبر.
فكيف يأمر الله بنبيّه أن يعطي فاطمة حقها من أرض لم تفتح ولم تملك إلا بعد سنوات طويلة؟
إن الشريعة الإسلامية توجب العدل بين الأولاد في العطية والهبة، لقول النبي ﷺ لبشير بن سعد لما أراد أن يخص ابنه النعمان بعطية: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ». والنبي ﷺ كان له بنات أخريات مثل زينب وأم كلثوم عند فتح خيبر (إذ توفيت أم كلثوم في العام التاسع وزينب في العام الثامن)،
فكيف يخص فاطمة دون بقية بناته بمثل هذه القرية العظيمة الشاسعة؟
الهبة في الفقه لا تتم ولا تصبح ملكاً تاماً إلا بالحيازة والقبض الفعلي والتصرف فيها حال حياة الواهب. ولم يثبت تاريخياً بأي سند معتبر أن فاطمة رضي الله عنها كانت تدير فدك أو تجبي أموالها بنفسها في حياة النبي ﷺ، بل كانت فدك تحت يد النبي ﷺ يصرف منها على نوائب المسلمين وأهله، وظلت على هذا الحال حتى وفاته.
أما إذا كانت فدك إرثاً تركه النبي ﷺ لعائلته، فإن هذا الادعاء يبطله النص النبوي الصريح المتواتر الذي رواه أبو بكر الصديق ووافقه عليه الصحابة: علي بن أبي طالب، عمر بن الخطاب، عثمان بن عفان، العباس بن عبدالمطلب، ام المؤمنين عائشة، ابو هريرة، عبدالرحمن بن عوف، سعد بن أبي وقاص، طلحة بن عبيدالله، الزبير بن العوام، حذيفة بن اليمان، عبدالله بن عباس، عبدالله بن عمر رضي الله عنهم.
ميراث الأنبياء
استند الصديق أبو بكر رضي الله عنه في منعه لتوريث أرض فدك إلى سماعه المباشر من الرسول ﷺ حيث قال: «لا نُورَثُ، ما تَرَكْنا صَدَقَةٌ». وهذا النص ليس تشريعاً بدعاً من أبي بكر، بل هو أصل عام يخص الأنبياء جميعاً صيانة لمقام النبوة عن مظنة الطمع الدنيوي أو أن يظن أحد أن الأنبياء يجمعون الأموال ليورثوها أولادهم.
ويعتمد المستدلون من الشيعة على ظواهر بعض الآيات القرآنية لإثبات أن الأنبياء يورثون المال، كقوله تعالى عن زكريا عليه السلام: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}، وقوله سبحانه: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}. غير أن هذا الاستدلال باطل من حيث السياق واللغة:
إرث سليمان لداود
داود عليه السلام كان له تسعة وتسعون امرأة وأولاد كثر، فلو كان المورث هنا مالاً مادياً لما خص الله سليمان وحده بالذكر، لأن المال يوزع على جميع الورثة بحكم الشرع والعقل. فلما خص الله سليمان بقوله: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ}، علم قطعا أن المورث هو العلم والنبوة والملك واللحوق بالفضل، لا الذهب والفضة والعقار.
دعاء زكريا عليه السلام
إن زكريا كان نبياً فقيراً يعمل نجاراً كما ثبت في النصوص، ولم يكن صاحب ثروة يخشى عليها أن تضيع، بل كان يخشى ضياع الدين والدعوة من بعده ونفور الموالي من القيام بأمر الشريعة، فقال: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا}. وإرث آل يعقوب تاريخياً هو النبوة والحكمة والعلم، وليس الأموال. فالأنبياء أرفع مقاماً من أن يقلقوا في لحظات تضرعهم لله من أجل مصير أموالهم المادية وتوريثها لأقربائهم.
المفاجأة من أمهات كتب الشيعة
القاعدة الأصولية التي استند إليها أبو بكر الصديق (أن الأنبياء لا يورثون المال وإنما يورثون العلم) هي قاعدة ثابتة وصحيحة بأسانيد معتبرة داخل أمهات كتب الشيعة الإمامية نفسها، بل يروونها عن أئمتهم المعصومين.
ما رواه الكليني في الكافي
روى ثقة الإسلام عندهم الكليني في كتاب الكافي - وهو العمدة الأولى من الكتب الأربعة عندهم - بسند صححه كبار علمائهم كالمجلسي في مرآةالعقول، عن أبي عبد الله جعفر الصادق قال: قال رسول الله ﷺ: «... وَإِنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَاراً وَلا دِرْهَماً، وَلَكِنْ وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَ مِنْهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ».
فهذا النص يقرر بحسم ذات القاعدة السنية أن الأنبياء لا يتركون خلفهم درهماً ولا ديناراً على سبيل الإرث المالي للأقارب، بل تركتهم المالية صدقة عامة أو فيء للمسلمين، وإرثهم الحقيقي هو العلم والهدى.
فكيف يلام أبو بكر الصديق على تطبيق حكم قرره الرسول ﷺ وأثبته جعفر الصادق في مروياتكم؟
سيرة علي بن أبي طالب في عهد خلافته
إذا كان أبو بكر الصديق قد ظلم فاطمة رضي الله عنها وغصبها فدك بزعمكم، وتبعه على ذلك عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهم، فإن علي بن أبي طالب قد آل إليه أمر الأمة والبلاد وصار الخليفة المطاع النافذ الأمر بعد مقتل عثمان.
فلماذا لم يسترجع علي بن أبي طالب أرض فدك ويضمها إلى ملكه أو يدفعها لأولاد فاطمة الحسن والحسين طوال سنوات خلافته؟
لقد بقيت فدك في عهد خلافة علي بن أبي طالب على ذات الحال والصفة التي جعلها عليها أبو بكر وعمر وعثمان، صدقة عامة تابعة لبيت مال المسلمين، ولم يغير علي من وضعها شيئا. وثمة تفسيران لا ثالث لهما لموقف علي هذا:
- أن أبا بكر كان مصيباً ومحقاً في حكمه وتطبيقه للحديث النبوي، وأن فدك ليست إرث شخصي، فلما تولى علي الخلافة التزم بالحق الشرعي وأمضى حكم أبي بكر وعمر لأنه حكم الله ورسوله.
- أن فدك كانت مغصوبة، ومع ذلك رفض علي إرجاعها لأولاده خوفاً أو تفريطاً في الحقوق. وهذا تفسير باطل يرده الشيعة بأنفسهم، لأنهم يعتقدون شجاعة علي وعصمته وأنه لا يخاف في الله لومة لائم ولا يفرط في حق شرعي لزوجته وأولاده.
بل إن كتب الشيعة تروي صراحة تعليق علي بن أبي طالب على هذا الموقف، فقد روى الشريف الرضي في نهج البلاغة أن علي قال في كتابه إلى عثمان بن حنيف: «بَلَى كَانَتْ فِي أَيْدِينَا فَدَكٌ مِنْ كُلِّ مَا أَظَلَّتْهُ السَّمَاءُ، فَشَحَّتْ عَلَيْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ، وَسَخَتْ عَنْهَا نُفُوسُ قَوْمٍ آخَرِينَ، وَنِعْمَ الْحَكَمُ اللَّهُ». ثم أكمل يزهد فيها قائلاً: «وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَغَيْرِ فَدَكٍ، وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ».
شبهة غضب فاطمة
يكثر الخطاب الشيعي من التمسك برواية البخاري التي جاء فيها: «فَغَضِبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَجَرَتْ أَبَا بَكْرٍ، فَلَمْ تَزَلْ مُهَاجِرَتَهُ حَتَّى تُوَفِّيَتْ»، ويربطون ذلك بحديث: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي، فَمَنْ أَغْضَبَهَا أَغْضَبَنِي»، ليتوصلوا إلى تكفير أبي بكر أو الطعن في إيمانه. وهذا الاستدلال فاسد عقلاً ونقلاً من وجوه:
طبيعة الغضب البشري
فاطمة رضي الله عنها امرأة من بني آدم، يصيبها ما يصيب البشر من الحزن والغضب والمشاعر الإنسانية الطبيعية. وقد ذهبت تطلب مالاً تظن أنه يحق لها، فلما جابهها الصديق بالنص النبوي الشريف الذي غاب عنها علمه، حزنت وضاق صدرها بطبيعة الحال، وليس في هذا الحزن البشري أي معصية أو قدح في الصديق الذي التزم بالنص الشرعي وقدمه على العاطفة والمحاباة.
سياق حديث بضعة مني
أما حديث «فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» لم يقله النبي ﷺ في شأن أموال أو عقارات أو خصومات قضائية، بل قاله عندما أراد علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يتزوج عليها بنت أبي جهل بمكة، فخطب النبي ﷺ مغضباً غيرة على ابنته وحماية لها من الضرة.
فكيف يستدلون بحديث قيل في سياق غيرة النساء وخطأ أراده علي، ليوجهوه كطعن في أبي بكر الصديق لأنه طبق شرع الله؟
وإذا كان إغضاب فاطمة موجباً للنقمة والطعن المطلق، فإن علي قد أغضبها بمحاولة التزوج عليها أولاً، وبمنعها من الخروج لمطالبة أبي بكر بحقها كما تزعم بعض رواياتهم ثانياً.
ثبوت الصلح والرضا
لقد ثبت في الروايات التاريخية الصحيحة أن هذا الهجران والغضب زال قبل وفاة فاطمة رضي الله عنها، فقد روى البيهقي في السنن الكبرى بسند صحيح عن الشعبي قال: «لَمَّا مَرِضَتْ فَاطِمَةُ أَتَاهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذَنُ عَلَيْكِ؟ قَالَتْ: أَتُحِبُّ أَنْ آذَنَ لَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَأَذِنَتْ لَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهَا فَتَرَضَّاهَا، فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا تَرَكْتُ الدِّارَ وَالْمَالَ وَالأَهْلَ وَالْعَشِيرَةَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَمَرْضَاةِ رَسُولِهِ وَمَرْضَاتِكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ، ثُمَّ تَرَضَّاهَا حَتَّى رَضِيَتْ». فالقصة انتهت بالرضا والوفاق، ومحاولة إبقائها جرحاً نازفاً هو صنيع الرافضة.
المحاكمة بين الصديق والزهراء
إن أبا بكر الصديق رضي الله عنه عندما وقف في هذا الموقف كان بين خيارين، إما أن يحكم بعاطفته ومحبته لآل بيت النبي ﷺ وهو الذي قال صراحة في البخاري: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَرَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أَصِلَ مِنْ قَرَابَتِي»، فيعطي فاطمة الأرض ويدع النص النبوي الذي سمعه بأذنيه، وإما أن يلتزم بالأمانة التشريعية والخلافية الصارمة ويطبق الحديث الشريف ولو على حساب مشاعر أحب الناس إلى قلبه وقلب رسول الله. فاختار الصديق مرضاة الله وإنفاذ أمر رسوله.
ولو كانت القضية قضية محاباة شخصية أو غصب سياسي، لقام أبو بكر بتوزيع أرض فدك على أولاده هو: عائشة و عبد الرحمن و أم كلثوم، أو على أصحابه المقربين كعمر وعثمان. لكن الواقع التاريخي يثبت أن أبا بكر لم يأخذ من فدك حبة خردل لنفسه ولا لآله، بل حرم ابنته عائشة رضي الله عنها و هي زوجة النبي ﷺمن ميراثها من حجرها وبيوتها تنفيذاً لنفس الحديث الشرعي. فكيف يكون غاصباً من يحرم نفسه وابنته التزاماً بالشرع؟
و إذا كان الخلفاء كعمر ومعاوية لم يمنحوا أرض فدك لقريباتهم من زوجات النبي -حفصة ورملة- رغم عيشهن سنوات طويلة كأرامل.
فكيف يعقل أن تتمسك السيدة فاطمة بالمطالبة بها وتدخل في خصومة لأجلها، وهي التي علمت من النبي بقرب وفاتها بعده بأيام وجيزة، وزوجها علي قائم بنفقتها؟
أليس المؤمن العالم برحيله القريب يدفعه تلقائيا للزهد في حطام الدنيا، و انتهاز كل لحظة في الصلاة و العبادة ؟
يحرمون المرأة إرث الأرض ويهددون مخالفهم بالسيف
فقهكم الذي يتباكى على إرث فدك هو نفسه الفقه الذي يحرم المرأة من إرث الأراضي والعقارات
بل إن الطامة الكبرى تكمن في الكافي للكليني، حيث يهدد إمامكم بالضرب بالسياط والقتل بالسيف لكل من يجرؤ على إعطاء المرأة شبر من الأرض كميراث فيقول صراحة: «إذا ولينا فلم يرضوا ضربناهم بالسوط فإن لم يستقيموا ضربناهم بالسيف».
فكيف تدخل السيدة فاطمة في خصومة لتطالب بأرض فدك كإرث، بينما تشريعكم المزعوم يهدر دم من يعطي المرأة أرضاً؟
إما أن فاطمة خالفت حكم الأئمة وتوعدها السيف، أو أن رواياتكم كاذبة وصحابة النبي كانوا على حق.











