حكم قيام المرأة بتسمية حسابها باسم رجل ومحاكاته في أسلوب الكلام لتحدث الرجال لحاجة دينية أو دنيوية، والعكس صحيح

   بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين

قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك


لقد انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة بين بعض الرجال والنساء، لم يتطرق إليها إلا القليل، بل كاد ينعدم الحديث عنها لخفائها ودقتها؛ حتى إن الشيوخ والدعاة إلى الله لم يخطر ببالهم أن ثمة أمراً بهذا المستوى الصادم من الخفاء قد يوجد بين المسلمين والمسلمات، ألا وهو: التنكر، وبمعنى أوضح وأدق: (النصب، والغش، والاحتيال ).

تجد من النساء من تحوّل حسابها الافتراضي إلى هيئة رجل؛ اسمًا، وصورةً، وأسلوبًا في الكلام، لتبسط الحديث مع الرجال. والعكس صحيح؛ إذ يحوّل بعض الرجال حساباتهم إلى إناث ليندسوا بينهن.

واليوم، نحن لا نتحدث عن الحرمة الشرعية للعلاقات المحرمة، أو الخضوع بالقول، أو التعليقات المتبادلة؛ فهذه أمور معروفة ومنتشرة، وكل من يقع في هذه العلاقات يدرك حكمها مسبقاً. كما أنني لا أتحدث هنا عن "البنت الصايعة" أو "الرجل الصايع"؛ فهؤلاء أحوالهم مكشوفة ومعلومة، فماذا ترجو منهم؟ نسأل الله لهم الهداية، ولنا العافية والثبات بعد الهداية.

إنما حديثنا اليوم يتركز على ما يمكن وصفه بـ "استهتار الملتزمين"! والالتزام هو ما يُفترض أن تظهر على صاحبه سمات الاستقامة، والهدى، وطلب العلم، ولكن هيهات هيهات!

ومن هنا، نعلم يقينًا أن الفتنة لا يختص بها كبير دون صغير، ولا رجل دون امرأة. فبسم الله وعلى بركة الله نبدأ، ونسأل الله التوفيق، والسداد، والإخلاص.

هذه الحالات قد عاينتها بنفسي وسمعت بها، لا سيما تقمص الرجال لشخصيات نسائية. وقد يظن المجتمع مستبعداً أنه لا توجد امرأة تتلبس بصفة رجل إذ لا غاية لها في ذلك، فنقول: أقسم بالله قد حصل هذا، وأنا على ذلكم من الشاهدين!

ولشرح هذه الحالة بدقة لربما خفي وجهها على البعض؛ تجد المرأة التي يُرى عليها سيماء الالتزام -ولا نُعمم هنا- تملك حساباً آخر خفيّاً باسم رجل، والغايات من وراء ذلك عديدة، وسأذكر هنا ما رأيته وعرفته بنفسي:

الغاية الأولى: أن تعجب المرأة بشاب وتريد معرفة أخباره وحاله، وبما أن حسابها الأساسي يظهر بصورة ملتزمة، أو عُرف عنها الالتزام والطلب، وهي تعلم يقيناً أن ليس من سمات الصالحات مراسلة الشباب والسؤال عنهم، فماذا تفعل؟ تدخل عليه بحساب رجل لتسأل عنه وتستكشف أحواله! والمعلوم في شرع الله أن الحرام حرام بأي وسيلة كان، ونرى التناقض العجيب هنا سبحان الله؛ هي تريد أن تكلمه وتعرف عنه، لكن من حساب تقمصت فيه هيئة رجل لأنها لا تريد الكلمة من حسابها الأساسي حتى لا يُقال عنها أنها غير ملتزمة أو ينخدش سمتها.

فهي أولاً انتهكت حرمات الله، ونسيت مراقبة الله عز وجل، وتذكرت مراقبة البشر لها، وهذا هو عين التناقض والانتكاس الذي يتسلل به الشيطان. وقد ذكر هذا الإمام ابن القيم في كتاب إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان (الجزء الأول، ص 113) حيث قال: «إلا أن هذا الجواب يعترض عليه قوله {أو تكونا من الخالدين} [الأعراف: ٢٠] . فيقال: الماكر المخادع لا بد أن يكون فيما يمكر به ويكيد من التناقض والباطل ما يدل على مكره وكيده، ولا حاجة بنا إلى تصحيح كلام عدو الله، والاعتذار عنه، وإنما يعتذر عن الأب فى كون ذلك راج عليه وولج سمعه، فهو لم يجزم لهما بأنهما إن أكلا منها صارا ملكين، وإنما ردد الأمر بين أمرين: أحدهما ممتنع، والآخر: ممكن، وهذا من أبلغ أنواع الكيد والمكر، ولهذا لما أطمعه فى الأمر الممكن جزم له به ولم يردده. فقال: {يَا آدَمُ هَلْ أدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يْبلَى} [طه: ١٢٠] . فلم يدخل أداة الشك هاهنا كما أدخلها فى قوله: {إلا أَنْ تَكونَا مَلَكَيْنِ أوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ} [الأعراف: ٢٠] فتأمله، ثم قال: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّى لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ} [الأعراف: ٢١] .» وهذا هو عين ما تقوم به هذه الفئة المتنكرة، نسأل الله العافية.

الغاية الثانية: أن تحتج وتبرر لنفسها قائلة: إن الشارع حرم ما يؤدي إلى الفتنة، فأنا أكلمه كأني رجل حتى لا يُفتن بي! وسبحان الله، هذا الاحتجاج هو عين ما قاله المنافقون لرسول الله ﷺ كما جاء في محكم التنزيل: {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلَا تَفْتِنِّي ۚ أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا ۗ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة: 49].

وقد جاء في تفسير السعدي تبياناً لهذه الآية: (أي‏:‏ ومن هؤلاء المنافقين من يستأذن في التخلف، ويعتذر بعذر آخر عجيب، فيقول‏:‏ ‏{‏ائْذَنْ لِي‏}‏ في التخلف ‏{‏وَلَا تَفْتِنِّي‏}‏ في الخروج، فإني إذا خرجت، فرأيت نساء بني الأصفر لا أصبر عنهن، كما قال ذلك ‏{‏الجد بن قيس‏}‏ ومقصوده ـ قبحه اللّه ـ الرياء والنفاق بأن مقصودي مقصود حسن، فإن في خروجي فتنة وتعرضا للشر، وفي عدم خروجي عافية وكفا عن الشر‏.‏ قال اللّه تعالى مبينا كذب هذا القول‏:‏ ‏{‏أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا‏}‏ فإنه على تقدير صدق هذا القائل في قصده، ‏[‏فإن‏]‏ في التخلف مفسدة كبرى وفتنة عظمى محققة، وهي معصية اللّه ومعصية رسوله، والتجرؤ على الإثم الكبير، والوزر العظيم، وأما الخروج فمفسدة قليلة بالنسبة للتخلف، وهي متوهمة، مع أن هذا القائل قصده التخلف لا غير، ولهذا توعدهم اللّه بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ‏}‏ ليس لهم عنها مفر ولا مناص، ولا فكاك، ولا خلاص‏).

فهي تحسب في وهمها أنها تخرج من الفتنة وتدفعها، بينما ما فعلته وارتكبته يدخل في كبائر الذنوب والمخالفة الصريحة لدين الله ولرسوله ﷺ (وسنبين بالتفصيل كيف أن هذا الصنيع محرم لما فيه من غش وتشبّه وكذب وغير ذلك في النقاط التالية).

ونؤكد هنا ما قررناه سابقاً أنه يجوز للمرأة سؤال أهل العلم إن احتاجت -وليس صغار طلاب العلم- وإن اضطرت لذلك، فقد وضعنا شروطاً وضوابط دقيقة في مقالنا السابق الذي حمل عنوان "حكم تواصل المرأة مع أهل العلم عبر وسائل التواصل الاجتماعي"، وبيّنّا أنه إن اضطرت وبعض المسائل تحتاج ان توضح أنها امرأة ويكون الحساب الخاص وتلتزم بالضوابط، ومتى ما توفر المحرم فلا يباح لها المراسلة منفردة، وقد فصلنا في ذلك المقال فلتراجع من شاءت تفاصيله هناك.

الغاية الثالثة: وهي من الحالات المنتشرة أيضاً؛ من يتنكر من الرجال بحساب امرأة لعمل "مقلب" أو مزاح مع صديقه، والعكس صحيح كذلك؛ بأن تتنكر المرأة بحساب رجل لتمازح صديقتها أو تمتحنها. وهؤلاء يظنون أن باب المزاح يبيح لهم هذا الصنيع، وغفلوا عن أن الشريعة المطهرة لم تبح الكذب والتشبه في الجد ولا في المزاح، بل إن عمل المقالب بهذه الطريقة يجمع بين كذب وتخويف وخداع وتشبه محرم، وكل ذلك لا يقبله سمت الملتزم ولا يرتضيه صاحب المروءة، فالمزاح له حدود وضوابط لا تجوز مجاوزتها بانتهاك المحرمات.

ولبيان حجم الجرم والأحكام المترتبة على هذا المسلك الخفي، سنبدأ بذكر نقاط نرتكز عليها في تحرّي هذا الأمر وكشف أبعاده

سنبدأ بذكر نقاط نرتكز عليها في تحرّي هذا الأمر وكشف أبعاده:

أولاً: الغِشّ

ولنا في ذلك ركيزة أساسية من حديث رسول الله ﷺ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «مرَّ رسولُ اللهِ برجلٍ يَبيعُ طعامًا حبوبًا فأعجبَه فأدخل يدَه فيه فرأَى بلَلًا فقال: ما هذا يا صاحبُ الطَّعامِ ؟ قال: أصابَتهُ السَّماءُ أي المطرُ فقال: فهلَّا جعلتَه فوقَ الطَّعامِ حتَّى يَراهُ النَّاسُ ؟ مَن غشَّنا فلَيسَ منَّا» [خلاصة حكم المحدث: صحيح، المحدث: الألباني، المصدر: غاية المرام].

معنى الغِشِّ لُغةً واصطلاحًا:

معنى الغِشِّ لُغةً: الغِشُّ: نقيضُ النُّصحِ، وهو مأخوذٌ من الغَشَشِ: المَشرَبِ الكَدِرِ، وغَشَّه يَغُشُّه غَشًّا من بابِ قَتَل: لم يَمحَضْه النُّصحَ، وأظهَرَ له خِلافَ ما أضمَره، وزيَّن له غيرَ المصلحةِ. والغِشُّ: الغِلُّ والحِقدُ، ولَبَنٌ مغشوشٌ: مخلوطٌ بالماءِ، وغَشَّشَه تغشيشًا: مبالغةٌ في الغِشِّ. [يُنظر: «لسان العرب» لابن منظور (6/323)، «النهاية في غريب الحديث» لابن الأثير (3/369)، «تاج العروس» للزبيدي (17/289، 290)، «المصباح المنير» للفيومي (2/447)].

معنى الغِشِّ اصطِلاحًا:

قيل: (الغِشُّ: كَتمُ كُلِّ ما لو عَلِمه المبتاعُ كَرِهَه) [«الذخيرة» للقرافي (5/172)].

وقال المُناويُّ: (الغِشُّ: ما يُخلَطُ من الرَّديءِ بالجَيِّدِ) [«التوقيف على مهمات التعاريف» (ص: 252)].

وقال الصحاريُّ: (الغِشُّ: هو ألَّا تُمحَضَ النَّصيحةُ) [«الإبانة في اللغة العربية» (3/ 582)].

وقال الحَربيُّ: (الغِشُّ: أن يُظهِرَ شَيئًا ويُخفيَ خِلافَه، أو يقولَ قَولًا ويُخفيَ خِلافَه) [«غريب الحديث» (2/ 658)].

المترتب على الغش:

  1. براءةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم من مُرتَكِبِ الغِشِّ.

  2. الغاشُّ بعيدٌ عن النَّاسِ بعيدٌ عن اللَّهِ.

  3. الغاشُّ قليلُ التَّحصيلِ، دَنيءُ الهِمَّةِ.

  4. الغاشُّ مُتهاوِنٌ بنَظَرِ اللَّهِ إليه.

  5. الغاشُّ مُرتَكِبٌ مُحرَّمًا من المحرَّماتِ، بل كبيرةً من الكبائِرِ، على قولِ بعضِ أهلِ العِلمِ.

  6. أنَّ الكَسبَ به كَسبٌ مُحَرَّمٌ لا خيرَ فيه ولا بركةَ.

  7. الغِشُّ خيانةٌ للأمانةِ التي كُلِّف الإنسانُ بحَملِها.

  8. الغِشُّ دليلُ ضَعفِ الإيمانِ.

  9. الغِشُّ طريقٌ مُوصِلٌ للنَّارِ.

  10. الغِشُّ فيه ظُلمٌ للنَّاسِ وأكلٌ لأموالِهم بالباطِلِ.

  11. الغِشُّ من أسبابِ عَدَمِ إجابةِ الدُّعاءِ؛ لأنَّ صاحِبَه يأكُلُ المالَ الحرامَ.

  12. الغِشُّ يخرِجُ أجيالًا فاشلةً غيرَ قادرةٍ على تحَمُّلِ المسؤوليَّةِ.

  13. الغِشُّ يُزَعزعُ الثِّقةَ بَيْنَ أفرادِ المجتَمَعِ ويُضعِفُها.

  14. الغاشُّ ظالمٌ لنفسِه مُعرِّضٌ لها بالعُقوبةِ، عاصٍ للهِ ورَسولِه.

  15. أنَّ الغاشَّ يَسقُطُ اعتبارُه بَيْنَ النَّاسِ ويَحذَرون منه ولا يَثِقون به، فتَكسُدُ سِلَعُه ويخسَرُ في دينِه ودُنياه.

  16. الغِشُّ سبَبٌ لإثارةِ الأحقادِ والبَغضاءِ والفُرْقةِ بَيْنَ النَّاسِ.

  17. أنَّه سبَبٌ لنشرِ الفسادِ وتضييعِ المصالحِ.

  18. صاحِبُ الغِشِّ يُسيءُ إلى أولادِه وأسرتِه إذا اشتَهَر به.

  19. الغِشُّ يوقِعُ صاحِبَه في طولِ الموقِفِ والحِسابِ يومَ القيامةِ، وكَثرةِ الخُصَماءِ الذين أخذ أموالَهم بغيرِ حَقٍّ، وتضيعُ حَسَناتُه بسَبَبِه، أو يحمِلُ سَيِّئاتِ غَيرِه ممَّن غَشَّهم وأخَذ أموالَهم.

ثانياً: الكذب

إن الكذب في ذاته كبيرة من كبائر الذنوب، فما بالكم بجريمة بشعة تخالط كبيرة أخرى وتنضم إليها؟!

تعريف الكذب لُغةً واصطلاحًا:

معنى الكَذِبِ لُغةً: الكَذِبُ: نَقيضُ الصِّدقِ، يقالُ: كَذَب يَكذِبُ كَذِبًا وكِذْبًا. وتقولُ: كَذَّبتُ الرَّجُلَ: إذا نسَبْتَه إلى الكَذِبِ، وأكذَبْتُه: إذا أخبَرْتَ أنَّ الذي يحدِّثُ به كَذِبٌ. [يُنظَر: «العين» للخليل بن أحمد (5/ 347)، «لسان العرب» لابن منظور (1/704)، «مختار الصحاح» للرازي (ص: 267)].

معنى الكَذِبِ اصطِلاحًا:

قال أبو الوفاءِ ابنُ عَقيلٍ: (الكَذِبُ: هو الخَبَرُ عن الشَّيءِ على خلافِ ما هو به) [يُنظَر: «الواضح في أصول الفقه» لابن عقيل (1/129)].

وقال الماوَرْديُّ: (الكَذِبُ هو الإخبارُ عن الشَّيءِ بخِلافِ ما هو عليه) [«أدب الدنيا والدين» (ص: 262)].

وقال ابنُ حَجَرٍ: (الكَذِبُ هو الإخبارُ بالشَّيءِ على خِلافِ ما هو عليه، سواءٌ أكان عَمدًا أم خَطَأً) [يُنظَر: «فتح الباري» لابن حجر (1/201)].

وقال النَّوويُّ: (الإخبارُ عن الشَّيءِ على خِلافِ ما هو، عمدًا كان أو سهوًا، سواءٌ كان الإخبارُ عن ماضٍ أو مُستقبَلٍ) [يُنظَر: «المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج» (1/69)].

من آثار وعواقب الكذب:

  1. الكَذِبُ يَذهَبُ بالمروءةِ.

  2. الكَذِبُ يُعَرِّضُ صاحِبَه للإهانةِ والاحتقارِ وضَياعِ الهَيبةِ.

  3. (الكاذِبُ يُصَوِّرُ المعدومَ موجودًا، والموجودَ معدومًا، والحَقَّ باطلًا، والباطِلَ حَقًّا، والخيرَ شَرًّا، والشَّرَّ خيرًا؛ فيَفسُدُ عليه تصوُّرُه وعِلمُه عُقوبةً له، ثمَّ يُصَوَّرُ ذلك في نَفسِ المخاطَبِ) [يُنظَر: «الفوائد» لابن القيم (ص: 135)].

  4. الكَذِبُ يهدي إلى الفُجورِ.

  5. الكذَّابُ لا تَسكُنُ القلوبُ إليه، بل تَنفِرُ منه.

  6. الكذَّابُ لا يُفلِحُ أبدًا.

  7. الكَذِبُ من علاماتِ النِّفاقِ.

  8. الكَذِبُ يمحَقُ البركةَ، ويَنقُصُ الرِّزقَ، كما قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «البَيِّعانِ بالخيارِ ما لم يتفَرَّقا، فإن صَدَقا وبيَّنَا بورِكَ لهما في بيعِهما، وإن كتَمَا وكذَبَا مُحِقَت بركةُ بيعِهما» [أخرجه البخاري (2079) ومسلم (1532)].

  9. الكَذِبُ يَحرِمُ صاحِبَه هدايةَ اللهِ تعالى وتوفيقَه، كما قال اللهُ تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ} [غافر: 28].

  10. الكَذِبُ سَبَبٌ لحُلولِ اللَّعنةِ على صاحِبِه، فتكونُ النَّتيجةُ بذلك الطَّردَ من رحمةِ اللهِ عزَّ وجَلَّ، كما قال اللهُ تعالى: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61].

  11. الكَذِبُ يؤدِّي إلى الفسادِ؛ قال الجاحِظُ: (الصِّدقُ والوفاءُ تَوءمانِ، والصَّبرُ والحِلمُ تَوءمانِ، فيهنَّ تمامُ كُلِّ دينٍ، وصلاحُ كُلِّ دُنيا، وأضدادُهنَّ سَبَبُ كُلِّ فُرقةٍ، وأصلُ كُلِّ فسادٍ) [«الرسائل» للجاحظ (1/ 125)].

الأحاديث والآثار الواردة في التحذير من الكذب:

  1. عن أبي هُرَيرةَ رَضِيَ اللهُ عنه، عن النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: «آيةُ المُنافِقِ ثلاثٌ: إذا حدَّث كَذَب، وإذا وَعَد أخلَفَ، وإذا اؤتُمِن خان». المقصودُ من الحديثِ: أنَّ هذه الخِصالَ خِصالُ نِفاقٍ، وصاحِبُها شبيهٌ بالمُنافِقين في هذه الخِصالِ، ومتخَلِّقٌ بأخلاقِهم، لا أنَّه مُنافِقٌ نِفاقًا أكبَرَ يُظهِرُ الإسلامَ وهو يُبطِنُ الكُفرَ، بل هو نفاقٌ أصغَرُ عَمَليٌّ، وذَكَر من هذه الخِصالِ: أن يحَدِّثَ بحديثٍ لمن يصَدِّقُه به وهو كاذِبٌ له، وفي هذا تنفيرٌ وتحذيرٌ من الوقوعِ في الكَذِبِ.

  2. عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «... وإنَّ الكَذِبَ يهدي إلى الفُجورِ، وإنَّ الفُجورَ يهدي إلى النَّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ ليَكذِبُ حتَّى يُكتَبَ كذَّابًا». وفي روايةٍ: «وما يزالُ الرَّجُلُ يكذِبُ ويتحَرَّى الكَذِبَ حتَّى يُكتَبَ عِندَ اللهِ كَذَّابًا». فالنَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم أخبر أنَّ الكَذِبَ يوصِلُ إلى الفُجورِ، وهو الميلُ عن الاستقامةِ، وقيل: الانبعاثُ في المعاصي، وهذا فيه التَّحذيرُ من الكَذِبِ والتَّساهُلِ فيه؛ فإنَّه إذا تساهل فيه كَثُر منه فعُرِف به وكتبَه اللهُ لمبالغتِه كذَّابًا إن اعتاده، ومعنى يُكتَبُ هنا: يُحكَمُ له بذلك، ويستحِقُّ الوصفَ بصفةِ الكذَّابين وعقابَهم، والمرادُ إظهارُ ذلك للمخلوقين إمَّا بأن يكتُبَه في ذلك ليشتَهِرَ بحَظِّه من هذه الصِّفةِ في الملأِ الأعلى، وإمَّا بأن يُلقيَ ذلك في قلوبِ النَّاسِ وألسنَتِهم كما يوضَعُ له البغضاءُ، وإلَّا فقَدَرُ اللهِ تعالى وكتابُه السَّابِقُ قد سبَق بكُلِّ ذلك. واللهُ أعلمُ.

  3. عن سَمُرةَ بنِ جُندَبٍ رَضِيَ اللهُ عنه قال: قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «رأيتُ رجُلَين أتياني قالا: الذي رأيتَه يُشَقُّ شِدقُه، فكذَّابٌ يَكذِبُ بالكَذبةِ تُحمَلُ عنه حتى تبلُغَ الآفاقَ، فيُصنَعُ به إلى يومِ القيامةِ».

من أقوال الصحابة والسلف في الكذب:

عن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عنه قال: (إيَّاكم والكَذِبَ؛ فإنَّ الكَذِبَ مجانِبُ الإيمانِ).

قال عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه: (لأن يضَعَني الصِّدقُ -وقلَّما يفعَلُ- أحبُّ إليَّ من أن يرفَعَني الكَذِبُ، وقلَّما يفعَلُ).

وقال عُمَرُ أيضًا: (لا يجِدُ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ حتى يدَعَ المِراءَ وهو محِقٌّ، ويدَعَ الكَذِبَ في المُزاحِ، وهو يرى أنَّه لو شاء لغَلَب).

وعن عُمَرَ بنِ الخطَّابِ قال: «بحَسْبِ المرءِ من الكَذِبِ أن يحَدِّثَ بكُلِّ ما سَمِع». وفيه الزَّجرُ عن التَّحديثِ بكُلِّ ما سمِع الإنسانُ؛ فإنَّه يسمَعُ في العادةِ الصِّدقَ والكَذِبَ، فإذا حدَّث بكلِّ ما سمِع فقد كَذَب لإخبارِه بما لم يكُنْ.

وقال عبدُ اللهِ بنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه ضِمنَ حديثٍ طويلٍ: (أعظَمُ الخطايا الكَذِبُ).

ورُويَ عنه أيضًا أنَّه قال: (الكَذِبُ لا يصلُحُ منه جِدٌّ ولا هَزلُ).

كان ابنُ عبَّاسٍ يقولُ: (الكَذِبُ فُجورٌ، والنَّميمةُ سِحرٌ، فمن كَذَب فقد فَجَر، ومن نمَّ فقد سَحَر).

وقال عُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ: (ما كَذَبتُ منذُ عَلِمتُ أنَّ الكَذِبَ يَشينُ صاحِبَه).


ثالثاً: التشبه

وكما هو معلوم ومستقر في الشريعة، فإن هذا الفعل يعد من كبائر الذنوب، ألا وهو تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال. وإذا كانت المرأة تُمنع من تشبهها بالرجال في مجرد لباسها الخارجي، فما بالكم بجرأة أعظم وأشد خفاءً، حين تحول حسابها الافتراضي بالكامل ليحمل اسم رجل، وتصوغ منشوراتها وتفاصيل كلامها لتبدو كرجل، حتى إن الرجل الحقيقي إذا رأى حسابها وجزم واحتسب أنه يتعامل مع رجل مثله!

ولنا في التحذير الشديد من هذا السلوك ركيزة من سنة المصطفى ﷺ: «لَعَنَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم المُتَشَبِّهينَ مِنَ الرِّجالِ بالنِّساءِ، والمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بالرِّجالِ» [الراوي: عبدالله بن عباس، المحدث: البخاري، المصدر: صحيح البخاري].

جَبلَ اللهُ الرِّجالَ على خِلقةٍ وطِباعٍ تَتَمايَزُ عَنْ جِبِلَّةِ وخِلْقَةِ النِّساءِ، وهذه خِلقةُ اللهِ، لا تَبديلَ لِخِلْقَتِه تعالَى. وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم لعن من يحاوِلُ الخُروجَ عَنِ الخِلْقَةِ التي خلَقَه اللهُ عليها؛ بأنْ يَتشَبَّهَ الرَّجُلُ بِالمرأةِ، أو تَتشبَّهَ المرأةُ بِالرَّجُلِ، فهذا مِنَ المعاصي الَّتي تَستوجِبُ اللَّعْنَةَ، وهي الطَّرْدُ مِن رَحمةِ اللهِ تعالَى؛ فلا يَنْبغي لِلرِّجالِ التَّشبُّهُ بِالنِّساءِ في اللِّباسِ والزِّينَةِ، وكذا الأخلاقُ والأفعالُ الَّتي هي لِلنِّساءِ خاصَّةً، ولا يَجوزُ لِلنِّساءِ التَّشبُّهُ بِالرِّجالِ فيما كان ذلك لِلرِّجالِ خاصَّةً.

رابعاً: انتهاك خلوات السر وغياب المراقبة

إن الطامة الكبرى في هذا الاستهتار لا تقف عند حدود الغش والكذب والتشبه فحسب، بل تمتد إلى أصل عظيم من أصول الدين وهو خشية الله في الغيب والشهادة. والمفترض فيمن سلك طريق الاستقامة وطلب العلم أن يكون أبعد الناس عن جعل الله أهون الناظرين إليه، ولكن التنكر الرقمي يمنح هؤلاء المستهترين شعوراً زائفاً بالأمان من رقابة البشر ونظرة المجتمع، فيسقطون في المحظور خلف الشاشات ظانين أنهم في خلوة س تسترهم.

وهذا المسلك فيه وعيد شديد يقطع القلوب؛ فعن ثوبان رضي الله عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: «لأعلمن أقواماً من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضاً، فيجعلها الله عز وجل هباءً منثوراً» قال ثوبان: يا رسول الله صفهم لنا، جلهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نعلم، قال: «أما إنهم إخوانكم، ومن جلدتكم، ويأخذون من الليل كما تأخذون، ولكنهم أقوام إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها» [الراوي: ثوبان، المحدث: الوادعي، المصدر: الصحيح المسند].

إن هذا الانفصام بين السمت الظاهر للملتزم وبين حقيقته في حسابه المتنكر الخفي، هو انتهاك حقيقي لتلك الخلوات، وسبب في محق بركة العلم والعمل، وناقوس خطر يستوجب على المرء أن يراجع إخلاصه وسريرته قبل أن تنكشف الأستار وتبلى السرائر بين يدي العزيز الجبار.