"إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا"

 بسم الله الرحمن الرحيم 

و الصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، و على آله وصحبه و امهات المؤمنين.


أما بعد، فإن عزل الرافضة لآية التطهير عن سياقها القرآني هو مسلك تحريفي فاضح، يطوع النص لخدمة فرية العصمة وخرافة الإمامة المزعومة. ومما يقطع دابر هذه الفرية أن القوم تخلوا عن أبسط القواعد اللغوية وضربوا بوحدة النظم القرآني عرض الحائط، متناسين أن النص يفهم من سباقه وسياقه ولحاقه.


السياق التقريري والقرائن اللفظية

إن النص القرآني لا يفهم بمعزل عن سياقه الذي نزل فيه، فالبلاغة العربية تقتضي انسجام الخطاب وتماسكه.


أولاً: وحدة السياق وتماسك النظم

جاءت آية التطهير في منتصف سياق قرآني محكم يخاطب زوجات النبي ﷺ توجيهاً وأمراً ونهياً:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ۝ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ۝ وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (الأحزاب ٣٢-٣٤)


من منظور بلاغي، فإن اقتطاع شطر الآية وعزله عما قبله وما بعده، والادعاء بوقوع التفات مفاجئ ليقصد أشخاصاً غير مذكورين في اللفظ، ثم العودة لمخاطبة النساء يعد خروجاً عن مقتضى الفصاحة والبلاغة التي نزل بها القرآن الكريم.


ثانياً: بطلان بلاغة التعليل بـ (إنما)

أداة "إنما" في قوله تعالى {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ...} تفيد الحصر والتعليل. والسياق يفيد بأن الله تعالى أمر الزوجات بتلك التكاليف الشاقة (القرار في البيوت، ترك التبرج، إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة)، لأن علة هذه الأوامر هي إرادة تطهيرهن وإذهاب الرجس عنهن.

و لو كان الخطاب مصروفاً بالكلية لعلي وفاطمة والحسن والحسين، لبطلت بلاغة التعليل، إذ لا يصح في لغة العرب أن يؤمر مخاطب بأوامر مشددة، ثم تعلل الأوامر بإرادة تطهير أشخاص آخرين لم يوجه إليهم الأمر أصلاً في ذات النظم.


شبهة التذكير والتأنيث

يستدل المخالفون بتحول الخطاب من صيغة نون النسوة {لَسْتُنَّ، اتقيتُنَّ، بيوتِكُنَّ} إلى ميم الجمع للمذكر {عَنْكُمُ، وَيُطَهِّرَكُمْ} على خروج الزوجات ودخول الذكور. وهذا الاستدلال مردود من جهة القواعد النحوية والقرائن القرآنية النظيرة:


قاعدة التغليب ودخول لفظ "الأهل"

إن لفظ "الأهل" في لغة العرب اسم جنس مذكر، وإذا خوطب به جمع يشمل ذكوراً وإناثاً، أو خوطبت به الزوجة منفردة باعتبارها أهلاً، جرى التعبير بصيغة المذكر على قاعدة التغليب.و الشواهد على ذلك من القرآن:


  1. في قصة إبراهيم عليه السلام: خاطبت الملائكة امرأة إبراهيم بصيغة المذكر لأنها دخلت في لفظ الأهل. قال تعالى: {قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۖ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ} [هود: 73]، فلم يقل (عليكنّ).
  2. في قصة موسى عليه السلام: حين سار بأهله ولم يكن معه إلا زوجته. سماها القرآن "أهلاً" وخاطبها بلغة المذكر. قال تعالى: {إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا} [طه: 10]، ولم يقل (امكثي).
  3. في قصة لوط عليه السلام: قال تعالى: {فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} [الأعراف: 83]. والاستثناء معيار العموم، فلولا دخول الزوجة لغوياً وعقدياً في لفظ "الأهل" ابتداءً، لما صح استثناؤها بأداة الاستثناء "إلا".


القرائن الأثرية وتحليل حديث الكساء

يستند الفكر الإمامي إلى حديث الكساء لإخراج الزوجات وحصر الآية في الخمسة.


أولاً: علة تجليل النبي لأصحاب الكساء

الآية نزلت ابتداءً في بيوت نساء النبي وبسببهن، فلما نزل الوعد الإلهي بتطهير أهل البيت، أراد النبي صلّى الله عليه وسلّم من باب الشفقة والحرص أن يلحق قرابته علي وفاطمة والحسن والحسين ببركة هذه الآية، لأنهم لا يقطنون معه في بيوت الزوجات، فجمعهم ودعا لهم ليدخلوا في حكم الآية وشرفها.


ثانياً: الاستدلال بصيغة الدعاء على نفي العصمة الجبلّية

في الروايات الصحيحة، قال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي وخاصَّتي، فَأَذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا».


الدعاء بالشيء طلب لتحصيله. لو كانت الآية دالة على عصمتهم الذاتية وتطهيرهم التكويني القطعي الحاصل بلا اختيار، لكان دعاء النبي صلّى الله عليه وسلّم تحصيلاً للحاصل، وهو ما ينزه عنه مقام النبوة. فالدعاء دليل على أنهم نالوا هذا التطهير ببركة دعاء النبي وتوجيهه، لا بنص آية تدل على عصمة تكوينية مطلقة.


ثالثاً: موقف أم سلمة رضي الله عنها

عندما سألت أم سلمة رضي الله عنها: "وأنا معهم يا رسول الله؟"، قال لها: «أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ، وَأَنْتِ إِلَى خَيْرٍ» (وفي رواية أحمد: «أنتِ من أهلي»).

لم يمنعها النبي صلّى الله عليه وسلّم من الدخول تحت الكساء لأنها ليست من أهل البيت، بل لأن الآية نزلت في بيتها أصلاً وخطابها موجه لها ولضرائرها، فلا حاجة لإدخالها في الكساء المخصص لإلحاق من كان غائباً عن السكن والخطاب المباشر.


إرادة التطهير لا تعني العصمة

ينبني هذا النقض على التفرقة الأصولية بين نوعي الإرادة في النص القرآني، فالإرادة إما كونية قدرية حتمية الوقوع لا يتخلف مرادها كقوله تعالى {كُن فَيَكُونُ}، وإما شرعية دينية تتعلق بمحبة الله ورضاه وتكليف العباد طوعاً وقد يتخلف مرادها (كالطاعة والمعصية).


وبناءً على هذا التأصيل، يتعين أن تكون الإرادة في آية التطهير إرادة شرعية دينية بدليل ترتبها السببي المباشر على الأوامر والنواهي والواجبات التي سبقتها والآداب التي لحقتها مثل قوله: {وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} و{وَلَا تَبَرَّجْنَ} و{وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ}. فالمعنى الإجمالي للآية أن الله شَرع لكم هذه الآداب السامية والفرائض العظيمة لأنه يحب ويريد لكم الطهارة وإذهاب الرجس بامتثالكم لها، وليست إرادة كونية تقتضي العصمة الجبرية. 


ومما يعضد ذلك، أن استخدام لفظ الإرادة والتطهير الشرعيين جاء في القرآن لعموم الأمة وغير المعصومين في مواضع عدة، منها قوله تعالى في آية الطهارة والوضوء لعموم المسلمين: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَٰكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ} [المائدة: 6]، وقوله في عموم الصحابة: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [النساء: 26]، ولم يقل أحد من علماء المسلمين بعصمة الأمة بأسرها أو عصمة كل من توضأ استناداً إلى هذه النصوص.


 إبطال حصر الإمامة

أولاً: "الأئمة التسعة" وتخصيص بلا مخصص

إذا تماشينا مع الطرح القائل بأن الآية حصرت التطهير في من شملهم الكساء، فإن الروايات والآية تنص على خمسة أشخاص فقط. فمن أين جاء حصر الإمامة والعصمة في تسعة من ولد الحسين دون ولد الحسن؟ 


الآية ونصوص النزول التاريخية خالية تماماً من الإشارة للأئمة الباقين. ثم إن إدخال الأئمة التسعة دون ذرية الحسن بن علي يعد تخصيص تحكمي بلا مخصص من النص أو الأثر، مما يؤكد أن حصر الآية في الأئمة الاثني عشر هو رأي سياسي وتأويل عقدي متأخر عن زمن النزول.


ثانياً: عدم استشهاد أمير المؤمنين علي بالآية في مواطن النزاع

في كتاب نهج البلاغة، خطب علي بن أبي طالب رضي الله عنه عشرات الخطب، وحاجج خصومه في مواطن الفصل (كشورى الستة, والتحكيم، والرسائل)، ولم يؤثر عنه قط في سياق المطالبة بالحق السياسي أو الخلافة الاستدلال بآية التطهير كنص قطعي يفيد الإمامة الإلهية. بل إن علي رضي الله عنه أدخل نساء النبي في "أهل البيت" الذين تجب رعايتهم، حيث قال في رسالته إلى أهل البصرة بعد معركة الجمل عن عائشة رضي الله عنها: «وَأَمَّا فُلَانَةُ فَأَدْرَكَهَا رَأْيُ النِّسَاءِ... وَلَهَا بَعْدُ حُرْمَتُهَا الْأُولَى، وَالْحِسَابُ عَلَى اللَّهِ» (نهج البلاغة، الخطبة 156).


ثالثاً: مبايعة الحسن لمعاوية

لو كانت الآية تفيد منصب إلهي ثابت قائم على العصمة والولاية المطلقة لأصحاب الكساء، لما جاز شرعاً ولا عقلاً للحسن بن علي رضي الله عنه أن يتنازل بالخلافة والولاية العامة لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حقناً لدماء المسلمين وتوحيداً للكلمة. فالمنصب الإلهي المعصوم لا يجوز تركه أو التنازل عنه لغير المعصوم، فدل صنيع الحسن على أن الفهم المعاصر للآية يخالف فهم الأئمة أنفسهم للحق السياسي.



وفي الختام، يتجلى بوضوح تهافت العقيدة الإمامية وسقوط استدلالاتها، فإخراج أمهات المؤمنين من آية نزلت في بيوتهن هو مصادمة وقحة للبلاغة والقرائن، وحصر الآية في غائبين لم يولدوا بعد هو تحكّم سياسي باطل. أرادوا به طمس فضائل زوجات النبي فتنكبوا لغة القرآن وسياقه، يقول الشاعر:

كناطح صخرة يوما ليفلقها      فلم يضرها و أوهى قرنه الوعل