يقول قائل إذا كان المالُ ليس عائقاً للزواج، فلماذا رفض رسول الله ﷺ تزويج معاوية لأنه صعلوك لا مال له؟ وكيف يقول: «مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ»، ألم يكن معاوية ذا دينٍ وأخلاق؟

  بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين

قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك

أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

تدبرات ودلالات في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها

نقول، والله المستعان على ما يصفون: إن في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها تدبرات كثيرة وعظيمة، وسنبين بفضل الله أن وصف الرسول ﷺ لمعاوية بأنه لا مال له إنما يدل على قوة إيمانه ويقينه بالله عز وجل.

نص الحديث الشريف:

عن فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، أنَّ أبا عَمرِو بنَ حَفصٍ طَلَّقَها البَتَّةَ ، وهو غائِبٌ، فأرسَلَ إليها وكيلُه بشَعيرٍ، فسَخِطَتْه، فقال: واللهِ ما لَكِ علينا مِن شيءٍ، فجاءَت رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم, فذَكَرَت ذلك له، فقال: ليس لَكِ عليه نَفَقةٌ، فأمَرَها أن تَعتَدَّ في بَيتِ أُمِّ شَريكٍ، ثُمَّ قال: تلك امرَأةٌ يَغشاها أصحابي، اعتَدِّي عِندَ ابنِ أُمِّ مَكتومٍ؛ فإنَّه رَجُلٌ أعمى تَضَعينَ ثيابَكِ، فإذا حَلَلتِ فآذِنيني، قالت: فلَمَّا حَلَلتُ ذَكَرتُ له أنَّ مُعاويةَ بنَ أبي سُفيانَ وأبا جَهمٍ خَطَباني، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أمَّا أبو جَهمٍ فلا يَضَعُ عَصاه عن عاتِقِه، وأمَّا مُعاويةُ فصُعلوكٌ لا مالَ له، انكِحي أُسامةَ بنَ زَيدٍ فكَرِهتُه، ثُمَّ قال: انكِحي أُسامةَ، فنَكَحتُه، فجَعَلَ اللهُ فيه خَيرًا، واغتَبَطتُ به.

اللفتات والتدبرات المستفادة من الحديث:

  • أولاً: النصيحة أمانة (المستشار مؤتمن): عندما طلبت فاطمة رضي الله عنها المشورة، كان من واجب النبي ﷺ الإفصاح عن حال الخُطَّاب بكل صراحة وشفافية؛ فذكر أن معاوية فقير، وأن أبا جهم لا يضع العصا عن عاتقه (بمعنى كثير الأسفار أو شديد على النساء)، وهذا من باب النصيحة الواجبة في الدين وليس من باب الغيبة أو الانتقاص.

  • ثانياً: مراعاة المصلحة والأنسب لحال المرأة: النبي ﷺ لم يمنعها من الزواج بالفقير كحكم شرعي، ولكنه أرشدها إلى الأفضل لحالها؛ ولأنه رسول الله ﷺ فهو أعلم بما يناسب فاطمة رضي الله عنها وعن حالها. فعندما وجّهها لزواج أسامة بن زيد رضي الله عنهما، جعل الله بينهما خيراً كثيراً ورزقها الغبطة والسرور معه، رغم أنها كرهت ذلك في البداية. وهذا عين الحق والمصداق لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].

  • ثالثاً: نظرة نساء الصدر الأول للمال: إن فاطمة رضي الله عنها لم ترفض الزواج من أبي جهم أو معاوية ابتداءً بسبب الفقر أو كثرة السفر، بل إنما كرهت أولاً الزواج من أسامة بن زيد، وهذا دليل على أن النساء في ذلك العصر المبارك لم يكن المال يشغلهن أو يمثل لديهن عائقاً أساسياً للقبول.

  • رابعاً: شهادة ضمنية بدين الخُطَّاب وأخلاقهم: في هذا الحديث دلالة واضحة على صلاح ودين وأخلاق معاوية وأبي جهم رضي الله عنهما؛ حيث إن رسول الله ﷺ لم يرفضهما لعلة في دينهما أو نقص في أخلاقهما أو ما شابه ذلك.

  • خامساً: قوة يقين معاوية رضي الله عنه برب العالمين: خطبة معاوية رضي الله عنه وهو في حال فقر شديد تدل على عظيم يقينه بالله، واتباعه للأمر الإلهي بالنكاح طلباً للعفة والفضل، ثقةً بقوله سبحانه: {إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32]. فالآية تحث على التزويج، وتحمل وعداً ربانياً بالغنى بعد الفقر، والله واسع الفضل عليم بمن يستحق عطاءه الديني والدنيوي.

  • سادساً: حرص معاوية على اتباع الوحي وتوافقه مع فقه الصحابة في التماس الغنى بالنكاح: إن معاوية رضي الله عنه كان حريصاً على اتباع القرآن والسنة وأقوال الصحابة؛ حيث تضافرت الآثار في الحث على النكاح طلباً للعفاف والفضل وثقةً بوعد الله، ومن ذلك:

    1. ذكر عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال: «أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى». وفي رواية ابن أبي حاتم: (أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ، ينجز لكم ما وعدكم من الغنى).

    2. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ : الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ). رواه الترمذي (1655) وصححه ابن العربي في "عارضة الأحوذي" (5/3) ، وحسنه الألباني في "صحيح الترمذي"

    3. قول ابن عباس رضي الله عنهما: (رغبهم الله في التزويج ، وأمر به الأحرار والعبيد ، ووعدهم عليه الغنى). رواه ابن جرير الطبري (17/275) من طريق علي بن أبي طلحة ، وهي طريق صحيحة معتمدة عن ابن عباس .

    4. قول ابن مسعود رضي الله عنه: (التمسوا الغنى في النكاح). رواه ابن جرير الطبري في "جامع التأويل" (17/275) ، وفي سنده انقطاع بين القاسم بن الوليد وعبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

    5. قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (التمسوا الغنى في الباه)، وقوله: (عجبت لرجل لا يطلب الغنى بالباءة ، والله تعالى يقول في كتابه : (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ).عزاه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (ص/149) لعبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، أن عمر قال : وذكره . وقتادة عن عمر : منقطع .

  • سابعاً: معيار الاختيار يقوم على الدين أولاً: إن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها لم ترفض معاوية وأبا جهم لما تعلمه من دينهم وحسن خلقهم، حتى إنها جاءت إلى الرسول ﷺ ليختار بينهما، فوضح لها النبي ﷺ وأرشدها لما يناسبها، وفي هذا دليل على أن النساء لم يكنّ يشترطن المال الكثير، إنما كان الدين والخلق قبل كل شيء.

        انتهى.

سبحان الله! لا أدري أين الشبهة في هذا الحديث؟ وأين سبُّ رسول الله ﷺ لمعاوية؟ وأين التعارض المتوهم بين الأحاديث النبوية؟ وأين المنع من زواج الفقير؟ وأين تعارض الآية والحديث؟ لقد تجلى وعد الله حقاً؛ فأغنى الله معاوية رضي الله عنه بعد فقر، فصار يتصدق ويعطي ويساعد، ونصر الله به الإسلام، وأضحى أميراً للمؤمنين وملكاً للمسلمين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المهــــروالمغالاة فيه:

المهر كما في الموسوعة الفقهية: هو المال الذي تستحقه الزوجة على زوجها بالعقد عليها أو بالدخول بها . وهو حق واجب للمرأة على الرجل عطية من الله تعالى مبتدأة، أو هدية أوجبها على الرجل بقوله تعالى: وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً {النساء: 4} إظهارا لخطر هذا العقد ومكانته، وإعزازا للمرأة وإكراما لها . والمهر ليس شرطا في عقد الزواج ولا ركنا عند جمهور الفقهاء , وإنما هو أثر من آثاره المترتبة عليه , فإذا تم العقد بدون ذكر مهر صح باتفاق الجمهور لقوله تعالى : لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً {البقرة: 236} فإباحة الطلاق قبل المسيس وقبل فرض صداق يدل على جواز عدم تسمية المهر في العقد . ولكن يستحب أن لا يعرى النكاح عن تسمية الصداق , لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يزوج بناته وغيرهن , ويتزوج ولم يكن يخلي النكاح من صداق

اما المغالاة في المهور:

لا شك أنَّ الزواج ضرورة من ضروريات الحياة؛ إذ به تحصل مصالح الدِّين والدنيا، ويحصل به الارتباط بين الناس، وبسببه تحصل المودَّة والتراحم، ويسكن الزوج إلى زوجته، والزوجة إلى زوجها، قال تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الروم: 21].
وبالتزوج يَحصل تكثير النَّسل المندوب إلى طلبه، قال صلى الله عليه وسلم: ((تزوَّجوا الودودَ الولود؛ فإنِّي مكاثِر بكم الأمَم))[1].
وكما أن النِّكاح سنَّة خاتم النَّبيين، فهو كذلك سنة المرسلين من قَبل، قال الله عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ﴾ [الرعد: 38].


ففي النِّكاح امتثال أمر الله ورسوله، وبامتثال أمر الله ورسوله تتحقَّق الرحمة والفلاح في الدنيا والآخرة، وفي النكاح قضاء الوطر، وفرح النفس، وسرور القلب، وفيه تحصين الفرج، وحماية العرض، وغض البصر، والبعد عن الفتنة.
والنكاح من أسباب الغِنى وكثرة الرزق؛ ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 32].


عقبة كؤود تَحول بين الشباب وبين تحقيق هذه المصالح العظيمة، حتى صار الزواج عند الشباب من الأمور الشاقَّة أو المستحيلة.
هذا العائق يا عباد الله هو المغالاة في المهور، فقد أصبح المعوق الرَّئيسي أمام الشباب، والمانع من التقدم إلى الزواج.

أيها المسلمون:
لقد رغَّب النَّبي صلى الله عليه وسلم في تخفيف الصداق، فقال: ((خير الصداق أيسره))[2].
وجعل عليه الصلاة والسلام أهمَّ أمر في قبول الشاب الخاطب: الخُلق والدِّين، لا المال والدنيا، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا خطب إليكم مَن تَرضَون دينَه وخُلقَه، فزوِّجوه؛ إلَّا تفعلوا تكن فِتنة في الأرض وفساد عريض))[3].
وزوَّج صلى الله عليه وسلم امرأةً على رجل فقير ليس عنده شيء من المال بما معه من القرآن، بعد أن قال له: ((التمِس ولو خاتمًا من حديد))، فلم يجد شيئًا[4].
وتزوَّج عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه امرأةً على وزن نواة من ذهب[5].


مهر الرسول عليه الصلاة والسلام لزوجاته أمَّهات المؤمنين، ومهر بناته، ومهر الصحابيات رضي الله عنهن - لم يتعدَّ اثنتي عشرة أوقية.
فعن أبي سلمة بن عبدالرحمن، أنه قال: سألتُ عائشة زوج النَّبي صلى الله عليه وسلم: كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت: "كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية ونَشًّا، قالت: أتدري ما النَّشُّ؟ قال: قلت: لا، قالت: نصف أوقيَّة، فتلك خمسمائة درهم، فهذا صَداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه"[6].


وعن أبي العجفاء السلمي، قال: خطبَنا عمر رحمه الله، فقال: "ألَا لا تغالوا بصُدُق النِّساء، فإنها لو كانت مَكرُمةً في الدنيا، أو تقوى عند الله، لكان أَولاكم بها النَّبي صلى الله عليه وسلم، ما أَصدق رسولُ الله صلى الله عليه وسلم امرأةً من نسائه، ولا أُصدِقَت امرأة من بناته أكثر من ثنتي عشرة أوقية"[7].


وجاء عند النسائي عن أنس رضي الله عنه قال: "خطَب أبو طلحة أمَّ سليم، فقالت: والله ما مثلك يا أبا طلحة يُرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلِمة ولا يحل لي أن أتزوَّجك، فإنْ تُسلِم فذاك مهري، وما أسألك غيرَه، فأسلم فكان ذلك مهرها، قال ثابت: فما سمعتُ بامرأة قط كانت أكرم مهرًا من أمِّ سليم؛ الإسلام، فدخل بها فولدَت له"[8].


قال ابن القيم رحمه الله: "فتضمَّن هذا الحديث أن الصَّداق لا يتقدر أقلُّه، وأن قبضة السويق وخاتم الحديد والنَّعلين يصحُّ تسميتها مهرًا، وتحل بها الزوجة، وتضمَّن أنَّ المغالاة في المهر مكروهة في النِّكاح، وأنها من قلَّة بركته وعسره"[9].

عباد الله، هذا سعيد بن المسيب، سيِّد التابعين رحمه الله، خطب ابنته الخليفة عبدالملك بن مروان لابنه الوليد، فأبى عليه، وزوَّجها لتلميذه عبدالله بن أبي وداعة.
يقول: كنتُ أجالس سعيد بن المسيب، ففقدني أيامًا، فلمَّا جئتُه، قال: أين كنت؟ قلت: توفِّيَت أهلي، فاشتغلتُ بها، فقال: ألا أخبرتنا، فشهدناها؟
ثم قال: هل استحدثتَ امرأة؟ فقلت: يرحمك الله، ومن يزوِّجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة؟
قال: أنا، فقلت: وتفعل؟
قال: نعم، ثم تحمَّد، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، وزوَّجني على درهمين، فقمتُ، وما أدري ما أصنع من الفرح، فصرتُ إلى منزلي، وجعلت أتفكَّر فيمن أستدين.
فصلَّيتُ المغرب، ورجعتُ إلى منزلي، وكنت وحدي صائمًا، فقدمتُ عشائي أفطر، وكان خبزًا وزيتًا، فإذا بابي يُقرع.
فقلت: من هذا؟
فقال: سعيد.
فأفكرت في كلِّ من اسمه سعيد إلا ابن المسيب، فإنه لم يُرَ أربعين سنة إلا بين بيته والمسجد، فخرجتُ، فإذا سعيد، فظننت أنه قد بدا له.
فقلت: يا أبا محمد، ألا أرسلت إليَّ فآتيك؟
قال: لا، أنت أحق أن تؤتى، إنك كنت رجلًا عزبًا، فتزوجتَ، فكرهتُ أن تبيت الليلة وحدك، وهذه امرأتك.
فإذا هي قائمة من خلفه في طوله، ثم أخذ بيدها، فدفعها في الباب، وردَّ الباب.
فسقطت المرأة من الحياء، فاستوثقت من الباب، ثمَّ وضعتُ القصعة في ظل السراج لكيلا تراها، ثم صعدتُ السطح، فرميت الجيران، فجاؤوني، فقالوا: ما شأنك؟
فأخبرتهم، ونزلوا إليها، وبلغ أمِّي، فجاءت، وقالت: وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها إلى ثلاثة أيام.
فأقمت ثلاثًا، ثمَّ دخلت بها، فإذا هي من أجمل الناس، وأحفظ الناس لكتاب الله، وأعلمهم بسنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأعرفهم بحقِّ زوج.
فمكثتُ شهرًا لا آتي سعيدَ بن المسيب، ثم أتيته وهو في حلقته، فسلَّمتُ، فرد عليَّ السلام، ولم يكلمني حتى تقوض المجلس.
فلما لم يبقَ غيري، قال: ما حال ذلك الإنسان؟
قلت: خير يا أبا محمد، على ما يحبُّ الصديق، ويكره العدو.
قال: إن رابك شيء، فالعصا.
فانصرفتُ إلى منزلي، فوجه إليَّ بعشرين ألف درهم[10].

إيها الإسلام:
لو عقل المغالون في المهور، لبحثوا هم لبناتهم عن الأزواج الأكْفاء، فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعرض ابنتَه حفصة على عثمان ليتزوَّجها، ثم على أبي بكر رضي الله عنهم أجمعين.
فعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: "أن عمر بن الخطاب حين تأيَّمَت حفصة بنت عمر من خُنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوفِّي بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب: أتيتُ عثمان بن عفان فعرضتُ عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثت ليالي ثمَّ لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصدِّيق فقلت: إن شئتَ زوَّجتُك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر فلم يرجع إليَّ شيئًا، وكنت أوجد عليه منِّي على عثمان، فلبثتُ ليالي ثم خطبها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فأنكحتُها إياه، فلقيَني أبو بكر فقال: لعلك وجدتَ عليَّ حين عرضتَ عليَّ حفصة فلم أرجع إليك شيئًا، قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يَمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليَّ إلا أني كنت علمتُ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو تركها رسولُ الله عليه وسلم قبِلتُها"[11].

وهذا شُعيب يَعرض ابنته على موسى عليه السلام المطارَد من فرعون وقومه: ﴿ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ ﴾ [القصص: 27].


لقد أمر اللهُ تبارك وتعالى بإنكاح الأيامى أمرًا مطلقًا ليعمَّ الغني والفقير، وبيَّن أن الفقر لا يمنع التزويج، فقال سبحانه: ﴿ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 32].
فالأرزاق بيَده سبحانه، وهو قادر على تغيير حال الفَقير حتى يصبح غنيًّا، وإذا كانت الشريعة الإسلامية قد رغَّبت في الزواج وحثَّت عليه، فإنَّ على المسلمين أن يبادروا إلى امتثال أمر الله وأمرِ رسوله صلى الله عليه وسلم بتيسير الزواج وعدم التكلُّف فيه، وبذلك ينجز الله لهم ما وعدهم.
قال أبو بكر الصدِّيق رضي الله عنه: "أطيعوا اللهَ فيما أمركم به من النِّكاح، ينجِز لكم ما وعدكم من الغنى"[12].


غلاء المهور سبَبٌ رئيس لقلَّة الزواج، وكثرة الأيامى، وانتشار الفَساد، والتبرُّج والسفور، والفِتن والعري، والشهوات والرذائل، وانتشار الزنا وتنوع الشذوذ، وانتشار العنوسة، وظهور الأمراض الاجتماعية والنفسية، والفقر وعدم البركة في الزواج.
غلاء المهور هو غشٌّ من الوليِّ لمَوْلِيَّتِه، وعدم إدراك لقيمة الزواج وأهدافه الرئيسية.
المغالاة في المهور تَجعل الزوجة كأنها سِلعة تُباع وتشترى، مما يخل بالمروءة، وينافي الشيم ومكارم الأخلاق.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ * وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ [الأنفال: 24، 25].

[1] أخرجه أبو داود (2050)، والنسائي (3227)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (6/ 192).

[2] أخرجه الحاكم في المستدرك (2/ 198)، رقم (2742)، وصححه الألباني في إرواء الغليل (6/ 345).

[3] أخرجه الترمذي (1084)، وابن ماجه (1967)، واللفظ للترمذي، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح (2/ 200).

[4] أخرجه البخاري (5149)، ومسلم (1425).

[5] أخرجه البخاري (5176)، ومسلم (1427).

[6] أخرجه مسلم (1426).

[7] أخرجه أبو داود (2106)، والترمذي (1114)، وصححه الألباني، إرواء الغليل (6/ 347).

[8] أخرجه النسائي (3341)، وصححه الألباني.

[9] زاد المعاد (5/ 160).

[10] سير أعلام النبلاء (4/ 233، 234).

[11] أخرجه البخاري (5122).

[12] أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (8/ 2581)، بسند مرسل.

[13] أخرجه مسلم (1424).

[14] أخرجه أبو داود (2125)، والنسائي، (3375)، وصححه الألباني.