شبهات حول شاعر الرسول ﷺ

بسم الله، و الحمد لله و الصلاة والسلام على رسول الله

 لقد نال حسان بن ثابت رضي الله عنه مرتبة لم ينلها شاعر في الدنيا، فكان لسانه سيفا صلتا صان عرض النبي ﷺ، حتى نال التزكية النبوية بدعاء النبي له: "اهْجُهُمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ".ومع هذه المنزلة الرفيعة، لم يسلم عرضه من سهام الطاعنين وأهل الأهواء، فصموه بالجبن والتخاذل، متوسلين بروايات تالفة.



اتهامه بالقذف في حادثة الإفك

يستدل الطاعنون بما ورد في بعض كتب التراجم مثل كتاب أسد الغابة لابن الأثير من أن حسان بن ثابت كان ممن طعن في عرض النبي ﷺ في حديث الإفك، وأنه جلد الحد في ذلك، زاعمين أن هذا يسقط عدالته.


بالرجوع إلى الحافظ ابن الأثير في أسد الغابة في معرفة الصحابة، نجد أنه لم يقطع بالجلد أو الذنب، بل ساق الخلاف المنهجي وبينه بقوله:

«وكان حسان ممن خاض في الإفك، فجلد فيه في قول بعضهم، وأنكر قوم ذلك، وقالوا: إن عائشة كانت في الطواف، ومعها أم حكيم بنت خَالِد بْن العاص، وأم حكيم بنت عَبْد اللَّهِ بْن أَبِي ربيعة، فذكرتا حسان بْن ثابت وسبتاه، فقالت عائشة: إني لأرجو أن يدخله اللَّه الجنة بذبه عن النَّبِيّ ﷺ بلسانه، أليس القائل:

فإن أَبِي ووالده وعرضي … لعرض مُحَمَّد منكم وقاء


وبرأته من أن يكون افترى عليها، فقالتا: ألم يقل فيك؟ فقالت: لم يقل شيئًا، ولكنه الذي يقول:

حصان رزان ما تزن بريبة … وتصبح غرثي من لحوم الغوافل

فإن كان ما قد قيل عني قلته … فلا رفعت سوطي إِلَى أناملي»


كما أورد الحافظ ابن عبد البر في الاستيعاب في معرفة الأصحاب بإسناده:

«الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، عَنْ هِشَامِ بْنِ سُلَيْمَانَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ بَرَكَةَ، عَنْ أُمِّهِ "أَنَّهَا كَانَتْ مَعَ عَائِشَةَ فِي الطَّوَافِ، وَمَعَهَا أُمُّ حَكِيمِ بِنْتُ خَالِدِ بْنِ الْعَاصِ، وَأُمُّ حَكِيمِ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، فَتَذَاكَرَتَا حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، فَابْتَدَرْنَاهُ بِالسَّبِّ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: ابْنُ الْفُرَيْعَةَ تَسُبَّانِ؟ إِنِّي لأَرْجُو أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِذَبِّهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِلِسَانِهِ... فَبَرَّأَتْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ افْتَرَى عَلَيْهَا رَوَى مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ عَنْ أُمِّهِ نَحْوَ هَذَا الْخَبَرِ وَزَادَ، فَقَالَتَا: أَلَيْسَ مِمَّنْ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بِمَا قَالَ فِيكِ؟ فَقالتْ: لَمْ يَقُلْ شَيْئًا"».


وفي صحيح البخاري ومسلم، ثبت أن عائشة رضي الله عنها كانت تذب عنه وتقول لمن يسبه عندك: «إنه كان ينافح عن رسول الله ﷺ». والحدود في الإسلام كفارات لأهلها بفرض وقوعها، فكيف إذا كانت صاحبة الشأن والمظلومة نفسها أم المؤمنين قد برأته وعفت عنه وتعجبت ممن يذمه؟



اتهامه بالجبن والضعف في الغزوات واعتزاله المعارك

يزعم الطاعنون أن حسان بن ثابت كان من أجبن الناس، وأنه لم يشهد مع النبي ﷺ مشهدًا أو غزوة، ويستدلون بالرواية الشهيرة في حصن فارع يوم الخندق مع صفية بنت عبد المطلب رضي الله عنها.


حين يستدل الرافضة بكلام ابن عبد البر، يقفون عند حد قوله: "وقال أكثر أهل الأخبار والسير إن حساناً كان من أجبن الناس وذكروا من جبنه أشياء مستشنعة..."، ولكنهم يبترون بقية العبارة هرباً من حكم الإمام، فتمام العبارة

«...أوردوها عن الزبير أنه حكاها عنه كَرِهْتُ ذِكْرَهَا لِنَكَارَتِهَا».

فالإمام ابن عبد البر حكم على هذه المرويات والحكايات بـالنكارة البطلان، وكره سياقها في كتابه لأنها قصص واهية لا تصح في ميزان النقد.


دعوى نص ابن حجر على جبنه في الإصابة

يدعي الطاعنون أن الحافظ ابن حجر نص على جبن حسان في ترجمته بالإصابة. وبالرجوع الى الكتاب، يتبين كذب هذه الفرية، فلم يقطع الحافظ ابن حجر بجبنه ولم ينص عليه كحقيقة ثابتة، بل إنه يذكر الروايات التاريخية المأثورة وينقدها على طريقته العلمية الحديثية، والقول بغير ذلك افتراء محض.


فمرويات قصة حسان بن ثابت في حصن فارع مع صفية بنت عبد المطلب وقتلها الرجل اليهودي انقسمت إلى قسمين:


طرق شديدة الضعف و موضوعة


 رواية أبي يعلى وابن عساكر:

أخرج أبو يعلى في مسنده - ٦٨٣

حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَدَنِيُّ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهَا، عَنْ جَدِّهَا الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا خَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ بِالْمَدِينَةِ خَلَّفَهُنَّ فِي فَارِعٍ، وَفِيهِنَّ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَخَلَّفَ فِيهِنَّ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ، وَأَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لَيَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ، فَقَالَتْ صَفِيَّةُ لِحَسَّانَ: عَنْدِكَ الرَّجُلُ، فَجَبُنَ حَسَّانُ وَأَبَى عَلَيْهِ، فَتَنَاوَلَتْ صَفِيَّةُ السَّيْفَ فَضَرَبَتْ بِهِ الْمُشْرِكَ حَتَّى قَتَلَتْهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «فَضَرَبَ لِصَفِيَّةَ بِسَهْمٍ كَمَا كَانَ يَضْرِبُ لِلرِّجَالِ»


[حكم حسين سليم أسد] : إسناده ضعيف جدا


وابن عساكر في تاريخ دمشق - جـ١٢ / صـ٤٢٩-٤٣٠

حدثنا الزبير بن بكار حدثني أبو خيثمة زهير بن حرب عن محمد بن الحسن المخزومي حدثتني أم عروة عن أبيها عن جدها الزبير قال لما خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه يوم أحد بالمدينة خلفهم في فارع فيهن صفية بنت عبد المطلب وخلف فيهم حسان بن ثابت فأقبل رجل من المشركين ليدخل عليهن فقالت صفية لحسان عندك الرجل فجبن حسان عنه وأبى عليها فتناولت صفية السيف المشرك حتى قتلته…


علل الإسناد


١)محمد بن الحسن المخزومي (وهو المعروف بـ ابن زَبَالَة المدني).

 هذا الراوي ساقط بخرق الإجماع، ومتهم بالوضع والكذب.




٢) جهالة الراوية عن أبيها - 
أم عروة بنت جعفر بن الزبير بن العوام

هي امرأة مجهولة عيناً وحالاً، لم يذكر لها الأئمة ترجمة في مصنفات جرح الرجال وتعديلهم، ولم يروِ عنها سوى اثنين من الضعفاء والمتروكين (ابن زبالة، وإسحاق الفروي الذي ساء حفظه). والجهالة في ضبط النساء وسيلة لرد الخبر بالاتفاق.


٣) جهالة حال جعفر بن الزبير

بالرغم من شرف نسبه كونه ابن الصحابي الجليل الزبير بن العوام، إلا أنه في ميزان الرواية والحديث يعد مجهول الحال إذ لم يوثقه أحد من أئمة الجرح والتعديل المعتمدين، ولم يرو عنه في هذه القصة المنكرة سوى ابنته ام عروة - المجهولة ، ورواية المجاهيل بعضهم عن بعض لا تصح بها حجة في أصل من الأصول، فكيف إذا سيقت للنيل من عدالة صحابي؟


وروي عن أم عروة عن صفية اخبرنا أبو الفتح يوسف بن عبد الواحد أنا شجاع بن علي أنا محمد بن إسحاق بن مندة أنا إسماعيل بن محمد بن إسماعيل نا أحمد بن خيثمة نا إسحاق بن محمد الفروي قال حدثتنيه أم عروة بنت جعفر بن الزبير عن أبيها عن جدتها صفية بنت عبد المطلب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى أحد جعل نساءه في اطم يقال له فارع وجعل معهن حسان بن ثابت فكان حسان ينظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم إذا اشتد على المشركين شد معه وهو في الحصن فإذا رجع رجع وانه قال فجاء إنسان من اليهود فرقي في الحصن قال حتى اطل علينا فقلت لحسان قم فاقتله فقال ما ذاك في لو كان في ذاك كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم…


علل الإسناد

إسحاق بن محمد الفروي

 قال الحافظ عنه: «صدوق كُفَّ فساء حفظه»، وقد اضطرب في السند والمتن، فتارة يرويه موصولاً وتارة منقطاً، وتارة يجعل القصة في أحد وتارة في الخندق وتارة على الشك، بالإضافة لعلة جهالة جعفر وأم عروة، فالإسناد ساقط لا يصلح للشواهد.


من طريق الزبير بن بكار، حدثني علي بن صالح، عن جدي عبد الله بن مصعب، عن أبيه، قال: كان ابن الزبير يحدث... وساق الحديث بزيادات منكرة.


علل الإسناد 

 ١)مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير لم يدرك جده عبد الله بن الزبير رضي الله عنه المتوفى سنة 73 هـ، ولم يسمع منه،والحديث المنقطع ساقط لا تقوم به حجة.


٢)ضعف مصعب بن ثابت - الذي روى المنقطع




٣)ضعف عبد الله بن مصعب




٤) جهالة
 علي بن صالح المدني

راو لم تثبت عدالته وضبطه بيقين، إذ قال فيه الحافظ ابن حجر العسقلاني في تقريب التهذيب: «مَسْتور». والمستور هو من رويت عنه أحاديث لكن لم يوثقه إمام معتبر، وحديثه يظل في حيز التوقف والضعف حتى ينجبر، وهو هنا لم ينجبر بل انضم إلى سلسلة من الضعفاء والمجاهيل.





أخرج الواقدي في المغازي - جـ٢/صـ٤٦٢ قال: وحدثني شيخ من قريش قال: كان حسان بن ثابت رجلاً جباناً... فذكر الحديث.


علل الإسناد


١) الانقطاع والجهالة (شيخ من قريش مبهم).


٢)ضعف الواقدي (محمد بن عمر)، قال الإمام أحمد بن حنبل: «هو كذاب»، وقال الشافعي: «كتب الواقدي كلها كذب»، وقال النسائي: «الكذابون المعروفون بالكذب عن رسول الله أربعة: الواقدي بالمدينة...».





الطريقين المرسلين ونقدهما


١)مرسل عروة بن الزبير

  • رواه ابن سعد في الطبقات - ١٠/٤١ من طريق أبي أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه (وفيه تخلف حسان يوم أحد).
  • ورواه الطبراني في الكبير - ٢٤/٣١٩ من طريق حجاج بن المنهال عن حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه (وفيه تخلفه يوم الأحزاب).
  • ورواه الحاكم في المستدرك -٤/٥١ من طريق يونس بن بكير عن هشام بن عروة عن أبيه عن صفية.


قال الإمام الذهبي في تلخيص المستدرك: «عروة لم يدرك صفية»، [وقد جاء في تهذيب التهذيب ما نصه: "قال خليفة: في آخر خلافة عمر سنة (٢٣) يقال: ولد عروة بن الزبير. وقال مصعب الزبيري: ولد عروة لست خلون من خلافة عثمان، وكان بينه وبين أخيه عبد الله عشرون سنة" فعقب الحافظ ابن حجر على هذا القول بقوله: "قلت: أما ما حكاه عن مصعب من أنه ولد لست خلت من خلافة عثمان، وكان بينه وبين عبد الله عشرون سنة فلا يستقيم؛ لأن عبد الله ولد سنة إحدى من الهجرة، وعثمان ولي الخلافة سنة (٢٣) فيكون بين المولدين على هذا تسع وعشرون سنة فتأمله! فلعله لست سنين خلت من خلافة عمر فيكون بينه وبين أخيه مدة الهجرة عشر سنين، وخلافة أبي بكر سنتين ونصف، وستاً من خلافة عمر، الجملة: ثماني عشرة سنة ونصف، فتجوز في لفظ العشرين".
قلت: وعلى أي من القولين فلا يمكن سماع عروة من صفية، لأنها توفيت في خلافة عمر -رضي الله عنه -كما في الإصابة (٧/ ٧٤٣ - ٧٤٥) -.
فهذا قدرنا أنها توفيت في آخر خلافة عمر فتكون سن عروة على تأويل ابن حجر ثلاث سنين، أو أربعاً -إن كثرت-، ومن في هذه السن لا يقوى على تحمل الرواية، ولعل التصريح بسماع عروة من صفية هنا خطأ من يونس بن بكير فإنه -كما تقدم في الحديث (٥٣٧) -: "صدوق يخطيء"، ولعل هذا من أخطائه]


٢) مرسل عباد بن عبد الله بن الزبير:


قال ابن إسحاق - كما في سيرة ابن هشام ٣/١٥٥

وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه عباد، قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان... وساق القصة وفيه قوله: "يا ابنةعبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا" وفي السلب: "ما لي بسلبه من حاجة".


إسناد ضعيف، لعلة الانقطاع الظاهر بين عباد وبين أحداث القصة.


فالحديث ضعيف بمجموع طرقه، ولو نازع منازع وصحح أصل القصة بشواهده المرسلة، فإنه ليس في هذين الطريقين المرسلين أي ذكر أو تصريح بكلمة الجبن، بل غاية ما فيهما امتناع حسان عن قتل اليهودي وسلبه لسبب غامض لم يذكر، فجاء الأخباريون الكذابون والمجاهيل لاحقاً فزادوا فيها الألفاظ المنكرة ليصموا الصحابي بالجبن. و بناء على هذا، يصح القاعدة: «إنَّ مَن أسْنَدَ فقد أحَال، ومَن أسْنَدَ فقد بَرِئ».


أقوال المؤرخين وأهل السير

إن تتابع بعض المؤرخين وأهل السير على نقل وصف حسان بالجبن إنما كان اعتماداً تقليدياً على تلك الروايات الواهية والمنكرة دون تمحيص أسانيدها:

  • قول الكلبي: "أصابته علة أحدثت فيه الجبن..."
  • قول ابن سعد: "وكان يجبن..."
  • قول ابن قتيبة: "لم يشهد مشهداً لأنه كان جباناً..."

هذا الكلام مردود وساقط بميزان النقد العلمي، لعدم قيامه على أثر صحيح متصل، والتقليد التاريخي لا يبطل عدالة ثبتت بنصوص الشريعة وتأييد الوحي.


الأدلة التي تبرئ حسان 

 
الهجاء ونفي المعايرة - حجة الأصمعي والمبرد
قال الإمام أبو العباس المبرد في كتاب الكامل: «وحُدِّثْتُ أنَّ الأصمعيَّ قال: الدليلُ على أنَّ حَسَّاناً لم يكن جباناً مِن الأصل أنّه كان يُهاجي خَلْقاً فلم يعيره أحدٌ منهم».
ولو كان حسان رضي الله عنه جباناً حقيقة، لكان هذا أثمن وأسهل مطعن يعيره به شعراء المشركين كابن الزبعرى والخطاب وغيرهم الذين هجاهم حسان بلسانه، فلما سكت الأعداء المعاصرون له عن تعييره بالجبن، علمنا أن التهمة مخترعة بعد عصره.

عامل السن
حينما دخل حسان بن ثابت رضي الله عنه في الإسلام عند هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، كان عمره يناهز ستين سنة. وهو سن الشيخوخة والضعف البدني الطبيعي الذي يعجز فيه الرجل عن حمل السيف ومبارزة الفرسان في لظى المعارك، وليس هذا من الجبن المذموم في شيء، بل هو عذر بدني طبيعي بحكم السن.

السلامة من العقوبة الشرعية و القرآنية
لو كان تخلف حسان بن ثابت عن المشاهد ناتجاً عن جبن ونفاق وتخاذل، لجرى له ما جرى مع الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك وهجروا، أو لنزل فيه قرآن يفضح تخاذله، لكنه حاز منزلة معاكسة، إذ دعا له النبي ﷺ بالتأييد بجبريل عليه السلام.

عظمة جهاد الكلمة
لم تكن المعارك عسكرية محضة، بل كانت حرباً إعلامية تهتك المعنويات. وقد قام حسان رضي الله عنه بمقام جيش كامل في دك حصون قريش النفسية، وثبت في صحيح مسلم أن النبي ﷺ قال له: «اهْجُ قُرَيْشًا، فَإِنَّهُ أَشَدُّ عَلَيْهَا مِنْ رَشْقِ النَّبْلِ». فهل يقال عن جيش إعلامي كهذا إنه جبان؟

الاضطراب القادح في الروايات
إن المرويات المطعونة تعاني من اضطراب واه، فتارة تجعل الواقعة يوم أحد، وتارة يوم الخندق، وتارة ترويها بالشك، وهذا الاضطراب في صلب المتن علة قادحة تسقط الاحتجاج بالقصة عند صيارفة الحديث.


فرية تخلفه عن بيعة علي بن أبي طالب

يزعم الفكر الشيعي أن حسان بن ثابت رضي الله عنه كان من عثمانية المدينة، وأنه تخلف عن بيعة علي بن أبي طالب.


حسان بن ثابت رضي الله عنه، كغيره من كبار الصحابة الأجلاء مثل سعد بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وابن عمر رضي الله عنهم جميعاً، آثروا اعتزال الفتنة والقتال بين المسلمين بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه، امتثالا للأحاديث النبوية الآمرة باعتزال الفتن الصامتة. واعتزال القتال لا يعني أبداً شق عصا الطاعة أو نزع اليد من البيعة، بل هو اجتهاد شرعي سائغ، وعدالتهم وصحبتهم ثابتة بنصوص الوحيين لا تزعزعها خلافات الفتن السياسية.


التناقض في الاستدلال بقصيدة الغدير

يستشهد الرافضة بقصيدة حسان بن ثابت رضي الله عنه في يوم غدير خم، والتي يقول فيها: 

فقال له قم يا علي فإنني... رضيتك من بعدي إماماً وهادياً

لإثبات النص على الإمامة.


 لا يستقيم في ميزان العقل أو العلم أن يقوم المستدل بإسقاط عدالة حسان بن ثابت ووصفه بالجبن والنفاق في حادثة الإفك والخندق، ثم يرفعه ليجعله حجة وركيزة عقدية في إثبات أصل الإمامة، فإن هذا التناقض يسقط الاستدلال من أساسه.


كما ان الأبيات بفرض صحتها التاريخية (وعند محققي أهل السنة في إسنادها مقال )لا تحمل المفهوم الشيعي للإمامة كالعصمة والولاية التكوينية، بل كلمة إماماً وهادياً في لغة العرب والشعر تعني القدوة والدليل في الدين والمنزلة الرفيعة، وهو ما يقر به أهل السنة والجماعة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه كإمام راشد مهدي.


و ختاماً، مما يردّ كل مطعن أو شبهة حيكت حول الصحابي الجليل حسان بن ثابت رضي الله عنه، هو مكانته السامقة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد كان شاعر الرسول والمنافح الأول عن دين الإسلام بلسانه وبيانه. ولم يكن شعره مجرد موهبة، بل كان جهادا مؤيدا بالوحي، ودعا له ﷺ بقوله: «اللهم أيده بروح القدس». فهذا يؤكد أن موقفه في الدفاع عن الدعوة كان ركيزة من ركائز النصر الإعلامي والبياني للإسلام، مما يجعل الطعن فيه طعنا فيمن زكاه وقربه صلى الله عليه وسلم، فضلا عما ثبت من حسن إسلامه وتوبته وبراءته مما أشيع حوله في حادثة الإفك بقرآن يتلى، ليبقى حسان رمزا للولاء والنصرة بالكلمة الصادقة.