حريز بن عثمان و تهمة النصب

يعد حريز بن عثمان الرحبي الحمصي من كبار رجالات الرواية الشامية، وممن احتج بهم الإمام البخاري في صحيحه. وقد دار حول شخصيته جدل عريض بين علماء الجرح والتعديل بسبب تهمة النصب.والمتأمل في النقولات يجد أن الرمي بالنصب إما أنه لم يثبت أصلاً، وإما أنه حمل على مواقف جبلية أو سياسية تسيدها الإفراط والنقل المبالغ فيه من الخصوم.


براءة حريز بن عثمان


تنقسم الأدلة التي يعتمد عليها في دفع فرية النصب عن حريز بن عثمان إلى ثلاثة أصول:


١. النفي الصريح المنقول بالأسانيد الصحيحة

أقوى ما يدفع به المقال في حريز هو نفيه الصريح وبراءته بنفسه مما نسب إليه، متسلحا بورعه ودينه.


رواية علي بن عياش الألهاني

وهي رواية صحيحة الإسناد، قال فيها: سمعت حريز بن عثمان يقول لرجل:ويحك، أما تتقي الله تزعم أني أشتم علي بن أبي طالب؟ والله ما شتمت عليا قط. وفي لفظ: والله ما سببت عليا قط.




شهادة شبابة بن سوار

وفيه أن رجلا قال لحريز: يا أبا عمر، بلغني أنك لا تترحم على علي 

فقال له حريز: اسكت، ما كنت وهذا

ثم التفت إلى الراوي وقال:رحمه الله مائة مرة. 





تعقيب الحافظ الذهبي

أضفى الحافظ الذهبي على هذا النفي بقوله في "السير": (هذا الشيخ كان أورع من ذلك)، 

والورع الديني مانع لصاحبه من اليمين الفاجرة الكاذبة.





٢. تزييف الحكايات الشاذة والموضوعة عليه

عند إخضاع الروايات التي اتهمته بالشتم واللعن لقواعد مصطلح الحديث، نجدها تسقط إما لجهالة، أو لضعف الرواة، أو لنكارة المتون


رواية عمران بن أبان

 التي جاء فيها: «سمعتُ حريز بن عثمان يقول: لا أُحبّهُ؛ قَتَلَ آبائي، قَتَلَ آبائي. يعني: عليّاً»

والحق أن هذه الرواية، وإن سيقت في معرض إثبات انحرافه، لا تنهض دليلا على النصب العقدي المستوجب للطعن، وذلك لضعف الراوي ونكارته، فعمران بن أبان ضعيف الحديث عند نقاد الرجال، وغير مأمون في النقل لا سيما وأن الإمام أبا داود ذكر عنه أنه «قَذَفَ قوماً»، ومثل هذا يسقط الاحتجاج بتفرده في المسائل العظمى.





تحريف حديث قارون

حكي عنه أنه قال إن حديث "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"إنما هو "مكان قارون من موسى" وعزاها للوليد بن عبد الملك. وقد كشف الخطيب البغدادي زيفها مبينا أن راويها عبد الوهاب بن الضحاك كان معروفا بالكذب في الرواية، فلا يصح الاحتجاج بقوله.







رواية اللعن سبعين مرة (يحيى بن صالح الوحاظي)

نقل عنه أنه ترك الكتابة عن حريز لأنه كان يلعن علياً سبعين مرة إذا خرج من المسجد. وهذه منكرة متنا لعدة أوجه: 

أولاً، حريز حلف أنه ما سبه قط واللعن أخص من السب. 

ثانياً، تفرد الوحاظي بنقل هذه الصفة الظاهرة المستنكرة مع كثرة أصحاب حريز الآخذين عنه من الأئمة الأثبات. ثالثاً، تناقضها مع رواية أخرى تزعم أن الوحاظي ترك حريزاً بسبب حديث أملي عليه، والتناقض يوجب إسقاط الاستدلال بها.


منام يزيد بن هارون وابن خزيمة

وهي رؤى منامية زعم فيها عتاب الله ليزيد بن هارون ولأحمد بن حنبل لكتابتهم عن حريز. 

والرد عليها واضح كما قال الحافظ ابن حجر: (والأحكام لا تتغير بالمنام)، فضلاً عن اضطراب أسانيد هذه الرؤى واختلاف حكاية الرائي لها فمرة تروى عن رجل رأى يزيد، ومرة عن سبط يزيد بن هارون عن أمه، ومرة عن رجلين عند أحمد بن حنبل.واختلاف الرواة في صاحب الرؤيا وطريق نقلها يدل على أنها ليست خبر تاريخي ثابت يعتمد عليه.


رواية بغلة النبي ﷺ

التي أوردها أبو الفتح الأزدي وزعم فيها أن حريزاً روى أن علياً حل حزام بغلة النبي ليقع. وهذه الرواية موضوعة، والأزدي نفسه مضعف ومؤاخذ في كتابه، وقد رد المتن أئمة المحققين لأنه لو كان يعتقد هذا لكان يعتقد نفاق علي، والحال أن حريزاً كان يترحم عليه ويستغفر له مائة مرة.



٣. روايته للأحاديث في فضائل آل البيت

من المقاييس النقدية عند المحدثين أن الراوي إذا روى ما يخالف مذهبه البدعي، دل ذلك على إنصافه وعدالته وتحريه الصدق. وحريز بن عثمان من رواة الحديث المشهور عن معاوية في مناقب الحسن بن علي رضي الله عنهما وفيه: (رأيت رسول الله  يمص لسانه أوشفته -يعني الحسنوإنه لن يُعذَّب لسان أو شفتان مصّهما رسول الله ﷺ). فلو كان ناصبياً يتدين ببغض هذه الشجرة المباركة لما روى في مناقبهم ما تضيق به صدور النواصب.


مواقف العلماء النافين عنه النصب


اضطربت أقوال علماء الجرح والتعديل في حريز، إلا أن طائفة من المحققين الأثبات مالت صراحة إلى نفي ثبوت التهمة عليه، ومن أبرزهم:


أبو حاتم الرازي




الخطيب البغدادي


ابن حزم الأندلسي 





أصل التهمة


إذا تضافرت الأدلة على براءته ونفيه الشتم، فمن أين نشأت هذه التهمة التي ذكرها الإمام أحمد والعجلي والفلاس؟


البغض الجبلي 

كان حريز حمصياً، وقتل آباؤه وأجداده في معركة صفين في جيش معاوية ضد جيش علي رضي الله عنه. فنشأ لديه نوع من الجفاء النفسي والوجداني تبريراً لدم آبائه. وهذا بغض جبليي بشري يعسر الانفكاك منه، وليس نصب عقدي مبني على التدين بالبغض أو الطعن في الدين.


الموقف السياسي من الإمامة

لم يكن حريز يرى صحة إمامة علي بن أبي طالب على أهل الشام، بل كان يرى أن إمامهم هو معاوية، كما صرح ليزيد بن هارون: (لنا أمير ولكم أمير). وهذا نزوع سياسي وافق فيه عامة أهل الشام وقتها، وليس ببدعة مخرجة من الدين.


قاعدة في تضخيم التهم العرفية

لما كان حريز بن عثمان من أنبه أهل الشام علماً، ومن كبار ثقات الحديث الذين يرحل إليهم، كان خروجه عن العرف السائد في الكوفة وبغداد من موالاة علي المطلقة محطاً لأنظار العراقيين، فزادوا في النقل عنه، واختلقوا الحكايات تزييداً في النيل منه بناء على أصل موقفه الجبلي والسياسي، ومصداق ذلك مقولة "من أحوج الناس إلى ذمه، ذموه بالحق وبالباطل".


دعوى الرجوع والتوبة


على فرض ثبوت شيء من الانتقاص والوقوع في علي رضي الله عنه في أول أمره، فإن التحقيق يثبت رجوعه عن ذلك وتوبته في ختام حياته.


شهادة أبي اليمان (تلميذه الأقرب)

قال: (كان حريز بن عثمان يتناول من رجل -يعني علياًثم ترك ذاك).





سبب احتجاج البخاري به


ناقش الحفاظ كابن حجر والذهبي كيف يحتج البخاري بحريز وهو يرمى بالنصب؟

فكان الجواب أن البخاري بنى احتجاجه على أمرين:


ثبوت تيقظه وإتقانه

فلم يؤثر عن حريز حديث واحد خطأ أو منكر في الشريعة.


رواية تراجعه

اعتمد البخاري على رواية أبي اليمان (وهو شيخ البخاري الذي يروي عنه أحاديث حريز) بأن حريزاً «ترك ذاك وتراجع عنه» في آخره. وبناء عليه، فإن البخاري أخرج له بصفته مأمونا تائبا متيقظاً في الرواية.




هذا و الله أعلم،