حكم تواصل المرأة مع أهل العلم عبر وسائل التواصل الاجتماعي
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين
قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك
الخلوة المحرمة بين الرجل والمرأة الأجنبية ومدى تحققها إلكترونيًا
إن المعنى في تحريم الخلوة بالأجنبية هو أنها قد تكون ذريعة للوقوع في الفتنة أو الفاحشة، لا أنها تقوم مقام الوطء؛ ولذلك فلا تترتب عليها الآثار التي تترتب على الخلوة الصحيحة بين الزوجين، ولا تنطبق عليها الاحترازات التي ذكرها الفقهاء في تعريف الخلوة الصحيحة.
وقد جاءت نصوص الفقهاء تصرح بأن الخلوة بالأجنبية ممنوعة مطلقًا، دون اشتراط انتفاء أي مانع من الموانع الشرعية أو الحسية، وفي بعض النصوص هي محرمة حتى مع وجود مانع طبيعي كأن يكون معها غيرها من النساء. فقد نص الحنفية على أن الخلوة بالأجنبية ليست من قسم الخلوة الصحيحة ولا الفاسدة:
«ولهذا تحرم الخلوة بالأجنبية وإن كان معها غيرها من النساء».
ونص المالكية على أن:
«الخلوة بالأجنبية ممنوعة مطلقًا؛ لأن النفس مجبولة على الميل إليها».
كما حرموا كل ما يجر إلى الخلوة المحرمة، فاعتبروا اتحاد المرافق في السكن بين رجل وامرأة من قبيل الخلوة المحرمة، إلا إذا كان مع المرأة محرم، أو كان مع الرجل في الدار زوجته أو واحدة من محارمه. ونص الحنابلة على أنه:
«لا تجوز خلوة رجل بأجنبية ولو في إقراء القرآن، سدًا لذريعة ما يحاذر من الفتنة وغلبات الطباع».
فالخلوة بالأجنبية حرام؛ لأنها مظنة الفتنة، وكل ما كان سببًا للفتنة فإنه لا يجوز؛ لأن الذريعة إلى الفساد يجب سدها إذا لم يعارضها مصلحة راجحة.
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:وقد أجابت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن سؤال: «هل الخلوة هي فقط أن يخلو الرجل بامرأة في بيت ما، بعيدًا عن أعين الناس؟ أو هي كل خلوة رجل بامرأة ولو كان أمام أعين الناس؟» فكان الجواب في الفتوى رقم (7584) ونصّه:
«ليس المراد بالخلوة المحرمة شرعًا انفراد الرجل بامرأة أجنبية منه في بيت بعيدًا عن أعين الناس فقط، بل تشمل انفراده بها في مكان تناجيه ويناجيها وتدور بينهما الأحاديث ولو على مرأى من الناس دون سماع حديثهما، سواء كان ذلك في فضاء أم سيارة أو سطح بيت أو نحو ذلك؛ لأن الخلوة منعت لكونها بريد الزنا وذريعة إليه، فكل ما وُجد فيه هذا المعنى ولو بأخذ وعد بالتنفيذ بعد، فهو في حكم الخلوة الحسية بعيدًا عن أعين الناس».
ويُفهم من ذلك أن الخلوة المحرمة شرعًا قد تكون حسية في مكان بعيدًا عن أعين الناس، وقد تكون معنوية لها حكم الحسية؛ كأن تدور بينهما الأحاديث التي قد تكون ذريعة إلى الفاحشة ولو بأخذ وعد بالتنفيذ بعد.
تعريف الخلوة المحرمة (الحسية والمعنوية)
وعلى هذا يمكن للباحث تعريف الخلوة المحرمة بأنها: «انفراد رجل وامرأة كل منهما أجنبي عن الآخر في تواصل بينهما لغير ضرورة، مع أمنهما من اطلاع أحد عليهما أثناء لقائهما، أو أمنهما من الاطلاع على ما يجري بينهما من محادثات بالصوت أو الكتابة أو النظر أو نحو ذلك».
وقد ذُكر اللقاء ثم أنواع المحادثة في التعريف؛ لبيان أن أي شيء من ذلك يكفي لحصول الخلوة المحرمة شرعًا. فقد تكون الخلوة المحرمة حسية بانفرادهما وتلاقيهما في مكان واحد، كما أنها قد تكون معنوية؛ وذلك كانفرادهما في محادثات إلكترونية صوتية أو كتابية أو مرئية.
وبهذا يظهر أن الخلوة المحرمة بين الرجل والمرأة الأجنبية لا علاقة لها بضابط القيام مقام الدخول، فهي بذلك تختلف عن الخلوة بين الزوجين؛ لأن الخلوة بالزوجة بعد العقد الصحيح حكمها الإباحة، وضابطها إمكان الدلالة على الوطء، وقد تبين أنها لا يمكن أن تتحقق إلكترونيًا، بل هي خلوة حسية توصف بالصحيحة إذا أمكن قيامها مقام الدخول، وبالفاسدة إذا وُجد ما يمنع من قيامها مقام الدخول. أما الخلوة بالأجنبية فلا توصف بالصحيحة ولا الفاسدة؛ فهي محرمة ولا تباح إلا في حالة الضرورة، كأن تنقطع امرأة من الرفقة ويجدها رجل مأمون، فإنه يجوز له أن يصحبها حتى يبلغها الرفقة.
كما أن المسائل الفقهية التي رتبها الشارع على الخلوة بين الزوجين لا تترتب على الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية؛ فالخلوة بالأجنبية لا توجب عدة، ولا تنشر تحريمًا، ولا تثبت نسبًا، ولا تؤكد مهرًا. فلا تعلق للخلوة المحرمة بمثل هذه المسائل الفقهية، وإنما يُلاحظ تعلقها بأبواب الأخلاق والقيم، وبالتالي لا يذكرها الفقهاء لبيان ما يترتب عليها من حقوق وأحوال شخصية، بل يرد ذكرها للتحذير منها، ولبيان خطرها، وللتأكيد على منعها.
الأدلة الشرعية على التحريم
ولذلك فقد استدل الفقهاء على تحريم الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية بمجموعة من الأحاديث النبوية، منها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«لا يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله، امرأتي خرجت حاجة، وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال: ارجع فحج مع امرأتك».
وقوله عليه الصلاة والسلام:
«لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان».
وعندما قال صلى الله عليه وسلم:
«إياكم والدخول على النساء، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أفرأيت الحمو، فقال عليه الصلاة والسلام: الحمو الموت».
وفي صحيح مسلم عن الليث بن سعد قال: «الحمو أخ الزوج وما أشبهه من أقارب الزوج، ابن العم ونحوه».
ومعلوم أن منع دخولهم على المرأة يتضمن منع الخلوة بها بطريق الأولى، ففي هذه الأحاديث دلالة واضحة على تحريم خلوة الرجل بالمراة الأجنبية.
المحذور في الخلوة الإلكترونية ومقاصد الشريعة
والخلوة بالأجنبية فيها محذور حضور الشيطان كثالث لهما، يثير غرائزهما، ويزين لهما فعل الفاحشة، ويمهد الطريق لذلك ولو بأخذ وعد بالتنفيذ بعد. فالسلامة الحقيقية من هذا المحذور تكمن في منع هذه الخلوة بكل صورها الحسية والمعنوية؛ لأن النهي عن الخلوة مؤسس على طبيعة الرجل والمرأة، إذ قد يستجيبان لوسوسة الشيطان عندما يكون ثالثهما أثناء انفرادهما في محادثات إلكترونية أيضًا.
فلا بد من حسم أسباب الشر وسد منافذه، وإحكام إغلاق تلك المنافذ، حتى لا يلج الشيطان ويستغل شعورهما بما في تلك المحادثات الإلكترونية من أنس واطمئنان، ليصل بهما إلى تعلق القلوب ببعضها، ثم يقودهما مع مرور الوقت وتكرر المحادثات إلى الخلوة الحسية والوقوع فيما لا يرضي الله عز وجل.
على أن مواقع المحادثة الفورية التي يكون فيها الرجل على جهازه يخاطب المرأة مباشرة، وترد عليه في نفس اللحظات من جهازها، هي أشبه ما تكون بمجالس الخلوة المحرمة من حيث أنسهما واطمئنانهما وإحساسهما أنه لا أحد يطلع على الكلام سواهما. بل إن برامج المحادثة تُطلق عليها مصطلح (غرفة)؛ لأنها تعطي شعورًا معينًا بانفراد المتحادثين وتواجدهما فيها وأنها تخصهما دون غيرهما، حيث يتم التواصل بينهما داخل تلك الغرفة المغلقة، ويشعر كل منهما بوجود الآخر، ويُلاحظ تفاعله ويراقب رد فعله، ويقرأ كلامه أو يسمع صوته أو يرى صورته، ويحس فعليًا أنه يعيش معه، فيضحك إذا أفرحه، ويبكي إذا أحزنه، وبعد إنهاء المحادثة يكون كل منهما وكأنه خرج من لقاء حقيقي على أرض الواقع.
كما يوجد في غرف المحادثة الشخصية أشكال ووجوه معبرة، كالوجوه الضاحكة والحزينة ورسمة القلب والوردة والابتسامة وغير ذلك. فحتى لو كانت المحادثة بالكتابة فقط، وأرسل الرجل إلى المرأة الأجنبية كلامًا وختمه برسمة ابتسامة مثلاً، فسوف تبتسم المرأة وقد يقع في نفسها سعادة نسبية، وإذا ردت على الرجل ووضعت وجهًا ضاحكًا مثلاً، فسوف يقع في قلبه أنها ضحكت لدعابته، وهذا من الفساد والافتتان الذي يتدرج بهما من حرام إلى حرام، وقد يقودهما مع مرور الوقت إلى الالتقاء وفعل الفاحشة.
وبذلك تكون الخلوة المعنوية محرمة؛ لأن الشريعة الإسلامية تمنع كل وسيلة توصل إلى الفاحشة، ولأن استقراء الشريعة في تصرفاتها يدل على أنها تسد كل أبواب افتتان الرجل والمرأة ببعضهما، حيث يجد الناظر جملة كثيرة من النصوص الشرعية التي تُحرم التبرج، وإظهار الزينة، وتعمد النظر إلى الأجنبية، وخضوع المرأة بصوتها، وغير ذلك من التشريعات الكثيرة التي يُفهم منها بوضوح أن سد أبواب الفتنة بين الرجل والمرأة هو أمر مقصود شرعًا. وهذا يعني أن إباحة الخلوة الإلكترونية لا يتناسب مع تلك المجموعة من التشريعات التي تُنظم العلاقة بين الرجل والمرأة، بل يُعلم قطعًا أن الحكم الصحيح المتناسب مع مقاصد الشريعة الإسلامية هو اعتبار الخلوة الإلكترونية بين الرجل والمرأة الأجنبية من أنواع الخلوة المحرمة التي منعتها الشريعة الإسلامية.
ضوابط تواصل المرأة مع العلماء وطلاب العلم في الفضاء الرقمي
كما تبيّن سابقًا، فإن كلام المرأة مع العالم أو المفتي جائزٌ عند الحاجة والضرورة، إلا أن هذه الضرورة قد تلاشت في زماننا الحاضر أو كادت؛ نظرًا لتوفر العلوم والكتب، وانتشار المقاطع المرئية والصوتية على منصات مثل "يوتيوب" وغيرها من المواقع التعليمية. فكل ما تحتاجه المرأة من أحكام وتفصيلات بات متوفرًا ومتاحًا دون تواصل مباشر.
وإذا دعت الحاجة الملحّة لسؤال أهل العلم عما أشكل ولم تجد له جوابًا من قبل، فينبغي أن يكون ذلك بوجود مَحرمٍ لها، ويُستثنى من ذلك (المرأة حديثة العهد بالإسلام التي قد يسبب لها وجود المحرم حرجًا أو ضررًا في دينها)، ففي هذه الحالة تسأل بنفسها مع اتخاذ أعلى درجات الاحتياط، والالتزام بالضوابط الآتية:
ستر الهوية الرقمية: ألا يُظهر حسابها الشخصي اسمًا أو صورة تدل على أنها أنثى، بل تكتفي بوضع صورة مبهمة أو سوداء، واسم مستعار لا يشي بجنسها.
التخلص من التطبيقات: الأفضل للمرأة بعد الفراغ من سؤالها وعلمها بالحكم، أن تحذف التطبيق الذي سألت من خلاله (كالإنستغرام، والفيسبوك، والتيك توك)؛ فوالله إن هذه المواقع بلاءٌ مستطير ومضيعة للوقت والجهد بلا فائدة حقيقية تُذكر.
الحجاب الرقمي: لقد أمر الله جل وعلا أمهات المؤمنين وزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهنّ الطاهرات المطهرات- إذا سألن الصحابة متاعًا أو علمًا أن يكون ذلك من وراء حجاب، دون خضوع بالقول، ودون إظهار للوجه أو البدن. وبما أن إخفاء الهوية اليوم خلف الشاشات أمرٌ ممكن ومتاح، فالأولى بالمرأة المسلمة أن تخفي حسابها تمامًا، وتجعله خاصًا ومبهمًا لا يدل على صاحبه.
نصيحة : أوجه نصيحة صادقة وأخيرة بالابتعاد أشد البعد عن سؤال طلاب العلم الشباب؛ فهم أقرب للفتنة وأسرع إليها، والمرأة بطبيعتها تغلب عليها العاطفة، والشيطان حريص على حبك حبائله بينهما. والواجب على الأخت المسلمة أن تبحث بنفسها أولاً في مظان العلم، أو تقصد النساء العالمات وطبيبات الدين والفقيهات إن وُجدن، فذلك أبرأ للذمة وأحوط للدين.
![]() |
