من المطبخ إلى المصنع.. محاولات فاشلة للمرأة لإثبات كفاءة لا تملكها!
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين
قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك
دعونا من النفاق الاجتماعي والكلام المنمق الذي لا يُسمن ولا يُغني من جوع؛ الحقيقة الجافة التي تتهرب منها المسترجلات في سوق العمل واضحة كالشمس. هناك صنفان من النساء لا ثالث لهما:الصنف الأول: امرأة عاقلة، لزمت أمر ربها وفطرتها، فكوفئت بأن تعيش ملكة وأميرة مخدومة في بيت أهلها وزوجها. هذه المرأة تزداد كل يوم جمالاً، ونضارة، ودلالاً، وتتزين بالحلي، وهي متقلبة في نعم الراحة والرفاهية، وفوق كل هذا حازت على رضا ربها وجنته. لا تمد يدها لغريب، ولا تذل نفسها من أجل لقمة العيش.
الصنف الثاني: وهي العكس تماماً؛ عينات خالفت أمر ربها، وتمردت على طبيعتها لتنافس الرجال في الورش والصناعات الثقيلة. والنتيجة؟ ذل، وابتذال يومي، وضياع تام. لقد خسرت هذه الفئة رضا الله أولاً، ثم دفنت أنوثتها ودلالها تحت غبار الكدح ومشقة المهن، وتحولت إلى وجوه شاحبة منطفئة الجمال، يملأها التعب والإهانة وهي تتلقى الأوامر من أصحاب العمل.
باختصار: الصنف الأول اختار عرش الملكات والدلال الإلهي، والصنف الثاني اختار رصيف العمال والتبذل ومخالفة الشرع. والواقع أثبت أن محاولة خروج المرأة من مكانها الطبيعي لم تكن سوى استعراض بائس انتهى بفشل مهني، وخسارة فادحة للدين والأنوثة معاً.
تنبيه: إنما العنوان لِجذب الأنظار، ولا أقصد به الإساءة أبداً
ومع ذلك يزعمُ زاعمٌ حالمٌ أن خروجَ النساء للعمل أمرٌ ممتدٌ من عهد الرسول ﷺ؛ ودون هذا الادعاء مَفاوز! ونحنُ هنا لنبينَ بياناً شافياً، بالدليل والبرهان، أن الأصلَ الثابت والراسخ في حقّ المرأة هو القرار.
ثم أورد حديثاً لبرهان ما ادعاه، و جاء في الحديث أنّ امرأة جاءت النبي ﷺ بِبُرْدَةٍ و قالت: "يا رسول الله! إني نسجت هذه بيدي، أكسوكها" ، فأخذها النبي محتاجاً إليها فخرج إلينا، و إنها إزاره.
يرى الزاعم أن النتيجة المنطقية لهذا الحديث هي أن هذه المرأة لا بد أنها كانت صاحبة صناعة، و ربما كانت تملك أو تدير مصنعاً للنسيج، بينما ذكرت المرأة بلسانها السبب الذي جعلها تقوم بنسج هذه البُردة عند قولها: "أكسوكها" ، أي إنها لم تكن تملك مصنعاً للبُرد، و إنما صنعتها بهدف إهدائها لهذا الرسول العظيم الذي كان محتاجاً إليها فحسب. و إن معظم النساء إن لَمْ نَقُلْ كلهن كنّ يمضين فضول أوقاتهن في نسج ما يلزم أهلهن من ثياب، و ليس هذا غريباً حتى في أيامنا هذه، فما بالك في زمن لم تكن تتوافر فيه الملابس الجاهزة؟!
إذا أحبت امرأة مسلمة أن تهدي رسول الله ﷺ شيئاً من عمل يديها، فنسجت له بردة كما تنسج لزوجها أو لابنها، فهل يعدُّ هذا من أدلة اشتراك المرأة في الصناعات اليدوية و المهن؟ و هل نَسْجُ بردة يعني شيئاً في صناعة النسيج؟.
ثم أورد القائل حديثاً آخر يقول:
"أن امرأة من الأنصار قالت لرسول الله ﷺ: يا رسول الله ألا أجعل لك شيئاً تقعد عليه؟ فإن لي غلاماً نجاراً. قال:" إن شئتِ ". فعملت له المنبر" .
ما علمتُ في كل ما قرأت أو سمعت أن أحداً أخطأ في الاستدلال مثل هذا الخطأ! لقد جعل الزاعم من هذه المرأة نجّارة تمارس عمل النجارة بيديها، و ما هي إلا امرأة ملكت فتى، أي: عبداً مملوكاً لها، و شاءت الأقدار أن يكون هذا الفتى يتقن النجارة.
فلم تدَّع المرأة أنها ستقوم بصنع الكرسي بيديها أو أنها ستشارك في صُنْعه، بل بيَّنت بكل بساطة أن العبد الذي عندها يتقن النِّجارة، و هو الذي سيقوم بالعمل، و ما هي إلا سيدة له تملكه فتأمره بما تريد، و لا يملك الفتى إلا الطاعة.
و كلنا يعلم حرفة النجارة، و ما تحتاجه من قوة عضلية حتى في أيامنا هذه، إذ حلّت الآلات و الأزرار مكان العضلات، و رغم هذا لا تزال هذه الحرفة حصراً في الرجال، فمن ذا يصدق أن امرأة كانت تقوم بأعمال النجارة منذ أربعة عشر قرناً! ... و أين؟ في صحراء الجزيرة العربية!!
وإليكم الدليل على ما أقول في هذا الحديث الشريف الذي لا أشك في أن الزاعم قد قرأه أو سمعه مراراً و تكراراً:
عن أبي حازم بن دينار: أن رجالاً أتوا سهل بن سعد الساعدي، وقد امتروا في المنبر مم عوده، فسألوه عن ذلك، فقال: والله إني لأعرف مما هو، ولقد رأيته أول يوم وُضِع، وأول يوم جلس عليه رسول الله ﷺ، أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فلانة، امرأة قد سماها سهل: "مُري غلامك النجار، أن يعمل لي أعوادا، أجلس عليهن إذا كلمت الناس" . فأمرته فعملها من طرفاء الغابة، ثم جاء بها، فأرسلت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر بها فوضعت ها هنا، ثم رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى عليها وكبر وهو عليها، ثم ركع وهو عليها، ثم نزل القهقرى، فسجد في أصل المنبر ثم عاد، فلما فرغ أقبل على الناس فقال: "أيها الناس، إنما صنعت هذا لتأتموا ولتعلموا صلاتي" .
رواه البخاري و مسلم و النسائي و أبو داود و الإمام أحمد و غيرهم
فكما ترون لم يكن لهذه الصحابية (النجّارة!!) من جهد في هذا الأمر سوى أن أمرت غلامها بكلمات، و هذا عمل يمكن لأي إنسان أن يقوم به رجلاً كان أو أنثى، صغيرة أو كبيرة، طالما أنها تستطيع الكلام، و إن الأمر بصنع الأعواد، مثل غيره من الأوامر، و لا يختلف عن قول السيدة لغلامها: اذهب و أحضر الماء من البئر. . و لكن ما قام به الغلام عند عمل الأعواد أو المنبر يختلف كثيراً عما يقوم به عند إحضار الماء من البئر من ناحية الجهد العضلي، و الخبرة في الصنعة.
ثم أورد القائل حديثاً مفاده أن امرأة كان لها زوج و أولاد، و ليس لهم شيء من مال، و كانت المرأة هي التي تعمل لكسب الرزق، و من الحديث نتبين أنه لا معيل لهذه الأسرة، فالزوج لا يعمل و الأولاد كذلك، و كانت المرأة ذات صنعة تبيع منها لتنفق على زوجها و أولادها الذين لا صنعة لهم، فأقرها الرسول ﷺ على ذلك.
و عمل هذه المرأة ليس إلا مما قد أفضنا فيه عند ذكر قصة موسى مع ابنتي شعيب عليهما السلام، و بينا فيها أحكام و شروط الضرورة لعمل المرأة المسلمة، و هي تنطبق تماماً مع ظروف هذه الصحابية(المنشور بعنوان فتنه المحادثات والتعليقات|خروج المرأة والعمل).
كما أن الزاعم لم يبين لنا نوع العمل الذي تقوم به هذه الصحابية، فقد علمنا أنها تعمل لضرورة، و ليس في الحديث جملة أو كلمة أو حرف واحد يدل على أنها اضطرت لأن تعمل بين الرجال أو كالرجال، أو يدل على جواز اختلاط النساء بالرجال و الجمع بينهم في مكان عمل واحد البتة ... و إنْ أحسنّا الظن نقول أنها كانت تصنع ما تحتاجه النساء، و تقومُ ببيعه للنساء في بيتها، و هذا أمر محمودٌ نشجع عليه كل نساء المؤمنين.
و كذلك ما ذكره الزاعم من حديث الربيع بنت معوذ التي كان ابنها يبعث إليها عطراً من اليمن فتبيعه إلى أجل، فأول ما يستنتج من الحديث أن المرأة كانت بلا معيل فابنها في اليمن يبعث إليها بالعطور، و هذا يدرج أيضاً في حكم الضرورة. و ليس في الحديث ما يدل على أن المرأة كان لها متجر للعطور تبيع الرجال و النساء في السوق، بل يحمل الحديث على أنها تبيع النساء في بيتها، و ليس في هذا حرج و الله أعلم.
و كذلك في المثال الآخر الذي ذكره الزاعم، حيث كانت أم شريك تفتح بيتها للضيفان، و لم تكن تعمل خارج بيتها، و لم يكن ما تقوم به ينطوي على أي جهد عضلي أو اختلاط بين الرجال و النساء أو بينها و بين أضيافها، بل ربما لم تكن تعمل أبداً، إذ ليس في الحديث ما يدل على تقاضيها أجراً من الضيفان و غيرهم .. و الله أعلم.
و لكن الذي يعنينا من كل الأحاديث التي أوردها الزاعم؛ هو أن عمل من ذكرهن من النساء كان لضرورة، و كن يقمن به و هن في بيوتهن بعيداً عن الاختلاط، و أن أيَّ واحدة منهن لم تتعدَّ حدود الضرورة التي أباح فيها الإسلام للمرأة أن تعمل. و أسأله بالذي لا إله إلا هو: هل سمع عن متجر الربيع بنت معوذ لبيع العطور في سوق المدينة؟ أو قرأ شيئاً عن مصنع زينب للنسيج؟ فكيف إذاً يبرر استدلاله في غير محله؟!
وبعد أن يُلبِّس هذا الزاعمُ ومرميُّ الشبهات على المرأة دينَها، تراه يبادر بالدفاع الاستباقي لِيَغُضَّ الطرف عن تدليسه، فيقول متباكيًا: 『أتراني فيما قد بينت وأوضحت؛ أحاول السعي إلى ما يسمى اليوم بتحديث الإسلام وتطويره، لحاقاً بما تتشهاه بعض النفوس من اتباع التقاليد الغربية الوافدة؟』.. وما فعل ذلك إلا ليغلق على المرأة منافذ التفكير والنقد، ويوهمها بأن ثوابتها وفريضة قرارها في بيتها ما هي إلا قيود متخلفة، صيانةً لباطلِه من الهدم!
نقول: هل كان الزاعم يتحدث عن الإسلام؟ أم كان يشبع رغبات بعض النفوس في اتباع التقاليد الأوربية الوافدة عن غير قصد منه؟ و هل يشتهي من يكيدون للإسلام أكثر مما قدم لهم من مبررات الاختلاط بين النساء و الرجال؟
إن من أراد أن يبين شرع الله - سبحانه وتعالى -، يبدأ أولاً بالبحث فيما أنزل الله عزَّ و جلَّ فالباحث في أي موضوع في الإسلام يبدأ أولاً بالآيات التي تعالج هذا الموضوع من وحي الله - سبحانه وتعالى -، ثم يدعمها بأدلة من سُنة رسول الله ﷺ. و ما أرى الزاعم إلا قد غفل عن جُلِّ الآيات المتعلقة بموضوع بحثه، تلك الآيات التي حدد فيها الله - سبحانه وتعالى - مهمة كل من الرجل و المرأة و بين فيها شروط عمل المرأة اضطراراً.
و من ثم أغفل الزاعم ذكر كثير من أحاديث رسول الله ﷺ و ما فيها من أمر للنساء بترك الصلاة في المساجد، و التزام بيوتهن، و عدم النظر إلى الرجال، و ما ذلك إلا لأن فيها ما ينقض كل غزله.
و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
دليل من اللغة
إن اللغة العربية من أكمل اللغات على وجه الأرض، و أكثرها حيوية و شمولاً. ... و مع شمول هذه اللغة تجد أن بعض الألفاظ فيها حصرت على التذكير، و لا يصح فيها التأنيث مطلقاً.
و أول هذه الألفاظ هي أسماء أصحاب المهن، ففي اللغة العربية لا تكون أسماء أصحاب المهن إلا مذكرة، فلا نقول "الطيارة فلانة" بل نقول "الطيار فلانة" و لا نقول "المحامية فلانة" بل نقول "المحامي فلانة" .
و كذلك الأمر في أسماء الرتب العسكرية التي لا تكون إلا مذكرة فنقول "الملازم فلان" و "الملازم فلانة" .
و في اللغة العربية يكون جمع المذكر، شاملاً للإناث بينما لا يكون جمع المؤنث شاملاً للذكور، و بهذا يمكن أن تخاطب الرجال و تكون النساء مشمولات في هذا الخطاب، فتقول "يا أيها الذين آمنوا" و تعني المؤمنين و المؤمنات. و لعلك تجد هذا في معظم لغات أهل الأرض.
فاللغة الفطرية كما نرى، أَبَتْ إلا أن تكون المهن مقصورة على الرجال دون النساء، و أن الجندية كذلك، و هذا مما يتوافق مع شرع الله - سبحانه وتعالى - لعباده.
من كتاب الفرق والردود |وقرن في بيوتكن لشيخ عماد الدين سماد مع بعض التعديلات
