لماذا يضغط الأهل على الابناء الملتزمين؟؟
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة على خاتم الانبياء والمرسلين محمد وعلى اّله وصحبهِ أجمعين
قال تعالى : ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع ) أي : فرضت طاعته على من أرسله إليهم وقوله : ( بإذن الله ) قال مجاهد : أي لا يطيع أحد إلا بإذني . يعني : لا يطيعهم إلا من وفقه الله لذالك
على المسلم عندما يدعو إلى الله أن يَبْدَأ بأولى الناس به وأقربهم إليه، وهم الأهل والأقارب، ثم يتوسع بعد ذلك؛ فمن وَفَّقَهُ الله لدعوة أهله وأقربائه، فهو أَرْجَى أن يُوَفَّقَ لدعوة سائر الناس,وهذا ما سنبـيـّنه اليوم من طريقة الدعوة والأحاديث.
الراوي : عائشة وابن عباس ومعاوية بن أبي سفيان | المحدث : الألباني | المصدر : صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم : 3314
-البر قبل الدعوة
إن دعوة الأهل إلى الله، أو حثهم على ترك منكر ما، من المسائل الحساسة جداً التي تتطلب عناية فائقة وحكمة بالغة. فمن المعلوم أن المسلم تغلب عليه الغيرة إذا انتُهكت محارم الله، لكن هذه الغيرة يجب أن تُضبط بضوابط الأدب الرفيع، خفض الصوت، ومقابلة الغضب بالكلمة الطيبة والقلب الرحيم.
البر:بر الوالدين واجب على كل مسلم، حتى وإن كانا مشركين بالله، فيجب برهما وقضاء حوائجهما داخل المنزل وخارجه، ومساعدتهما ومرافقتها إلى الطبيب عند المرض. وعلى الابن أن يحمل نصف المسؤولية عن أبيه، كما تحمل البنت مسؤولية التنظيف والطبخ عن أمها، وفي هذا من الأجر ما لا يعد ولا يحصى،وهذا غير ان قلوبهم تلين لك
وعَن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رَضيَ اللهُ عنه: ((أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: أيُّ الأعمالِ أفضَلُ؟ قال: الصَّلاةُ لوَقتِها، وبرُّ الوالدَينِ، ثُمَّ الجِهادُ في سَبيل اللهِ )) .
وعَن عائِشةَ رَضيَ اللهُ عنها، قالت: قال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((نِمتُ فرَأيتُني في الجَنَّةِ، فسَمِعتُ صَوتَ قارِئٍ يَقرَأُ، فقُلتُ: مَن هذا؟ قالوا: هذا حارِثةُ بنُ النُّعمانِ، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: كذاكَ البِرُّ، كذاكَ البِرُّ! وكانَ أبَرَّ النَّاسِ بأُمِّه ))
وكثيراً من الناس من يبر امه وينسى اباه وهذا لا يجوز اطلاقاً بل وجب البر لكُليهِما
الاحسان: إن البر والإحسان متلازمان، لكن كثيراً من الناس يبر أهله من غير إحسان. والبر لا يكتمل إلا بالإحسان، فمن يظن أنه يبر أهله بمجرد قضاء حوائجهم وهو جافٍ معهم، فليس ببارٍّ تمام البر؛ لأن الإحسان هو روح البر وأصله.
حَتَّى قَرَنَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ برَّهما والإحسانَ إليهما بعِبادَتِه، فقال سُبحانَه: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة: 83] ، وقال تعالى: وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [النساء: 36] ، وقال عز وجل: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الأنعام: 151] ، وقال جَلَّ ثناؤه: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [الإسراء: 23] .
احسن اليهم بالكلمة الطيبه وقبلهم واحسن اليهم بتدليك اقدامهم والضحك معهم ومااقصد بجملة لكن كثيراً من الناس يبر أهله من غير إحسان. والبر لا يكتمل إلا بالإحسان، ان هناك من يقضى حوائج اهله وهو غضبان سريع النرفزه بل ان هناك من لا ينظر بوجههم حتى بعدها يقول اللهم اني ابر بهم لانك امرت بهذا اي بر امر به الله هذا؟
من الأخطاء الشائعة في بداية الالتزام: أن تجد الفتاة تنظف البيت وهي غاضبة على أمها لأنها نادتها وهي تطلب العلم أو تقرأ القرآن، وتقول: "يا رب، إنهم يمنعونني من عبادتك!". وتجد الشاب يساعد أباه وهو يضمر في نفسه أن أباه عاصٍ أو فاسق؛ لأنه قال له: "اترك النافلة وساعدني" أو "اترك قيام الليل وأعنّي"، وإن كان أسلوب الأب مستفزاً.
والحقيقة الغائبة عنهم أن بر الوالدين فرض، والفرض مقدم على النافلة. فكلما نويت فعل نافلة واحتاجك أهلك، فبرك بهم مقدم عليها؛ وبذلك تنال أجر النية، وأجر البر، وتكسب قلوبهم. بل إن المسلم لو كان يصلي النافلة وناداه أحد والديه، فإن المشروع في حقه قطع الصلاة لإجابتهم. لأن النافلة تقطع عند الحاجة، بر الوالدة واجب، فإذا دعت الحاجة إلى قطعها قطعها وأجاب الوالدة أو الوالد ثم رجع إلى صلاته من أولها، النافلة أمرها أوسع، والحمد لله اذا كان يغضبهم التاخر تقطعها أما إذا كان يعرف أنهما لا يغضبان ولا يتأثران فإنه يتمها ثم يلبي حاجتهما. نعم(كلام ابن باز رحمه الله فالون الاصفر)
طاعَتُهما في غَيرِ مَعصيةٍ واجتنابُ عُقوقِهما:قال تعالى: وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [لقمان: 14-15]
عَن عَبدِ الرَّحمَنِ بنِ أبي بَكَرةَ، عَن أبيه رَضيَ اللهُ عنه، قال: ((قال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ألا أنبِّئُكم بأكبَرِ الكبائِرِ؟ ثلاثًا. قالوا: بلى يا رسولَ اللهِ. قال: الإشراكُ باللهِ، وعُقوقُ الوالِدَينِ. وجلس وكان متَّكِئًا فقال: ألا وقولُ الزُّورِ. قال: فما زال يكَرِّرُها حتى قُلنا: ليته سكَتَ ))
عَن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ رَضيَ اللهُ عنه، أنَّ رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((لا طاعةَ في مَعصيةِ اللهِ، إنَّما الطَّاعةُ في المَعروفِ ))
إذن، البر والإحسان ملازمان للوالدين حتى لو أمراك بالشرك. فإذا أمراك بـمنكر كتعليق "التميمة" مثلاً، وجب عليك أن تبين لهما بحسم وأدب أن هذا شرك بالله، مستشهداً بالآيات والأحاديث التي تحرّم ذلك، مع استمرار البر والإحسان إليهما.
ويكون هذا البيان مغلفاً بأعلى درجات التودد والكلمات الطيبة، فتقول: "يا أبي يا حبيبي، أنت أبي الذي رباني وكبرني، ولك فضل كبير علي، لكن هذا الفعل كذا وكذا..."؛ لتجمع بين حماية عقيدتك وحفظ أدبك وبرك.
توقيرُهما وإجلالُهما:قال ابنُ كَثيرٍ: (يَقولُ تعالى آمِرًا بعِبادَتِه وحدَه لا شَريكَ له؛ فإنَّ القَضاءَ هاهنا بمَعنى الأمرِ.
قال مُجاهِدٌ: وَقَضَى يَعني: وصَّى... ولهذا قَرَنَ بعِبادَتِه برَّ الوالدَينِ، فقال: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا أي: وأمَر بالوالدَينِ إحسانًا، كَما قال في الآيةِ الأُخرى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ [لقمان: 14] .وقَولُه: إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ أي: لا تُسمِعْهما قَولًا سَيِّئًا، حتَّى ولا التَّأفيفَ الذي هو أدنى مَراتِبِ القَولِ السَّيِّئِ وَلَا تَنْهَرْهُمْا أي: ولا يَصدُرْ مِنك إليهما فِعلٌ قَبيحٌ، كَما قال عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ في قَولِه: وَلَا تَنْهَرْهُمَا أي: لا تَنفُضْ يَدَك على والِدَيك.
ولمَّا نَهاه عنِ القَولِ القَبيحِ والفِعلِ القَبيحِ، أمَره بالقَولِ الحَسَنِ والفِعلِ الحَسَنِ، فقال: وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا أي: ليِّنًا طَيِّبًا حَسَنًا، بتَأدُّبٍ وتَوقيرٍ وتَعظيمٍ) .
وقال الغزاليُّ: (فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا [الإسراء: 23] الآية سيقَت لقَصدٍ مَعلومٍ، وهو: الحَثُّ على تَوقيرِ الوالدَينِ وإعظامِهما واحتِرامِهما، والبرِّ والإحسانِ إليهما. والتَّأفيفُ إيذاءٌ، والإيذاءُ يُناقِضُ الإعظامَ الواجِبَ)
1- عَن أبي هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه قال: ((جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، مَن أحَقُّ النَّاسِ بحُسنِ صَحابَتي؟ قال: أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أمُّك، قال: ثُمَّ مَن؟ قال: ثُمَّ أبوك )) .
2- عَن أسماءَ بنتِ أبي بَكرٍ رَضيَ اللهُ عنهما، قالت: ((قدِمَت أُمِّي وهيَ مُشرِكةٌ، في عَهدِ قُرَيشٍ ومُدَّتِهم إذ عاهَدوا النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، مَعَ ابنِها، فاستَفتَيتُ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقُلتُ: إنَّ أُمِّي قدِمَت وهيَ راغِبةٌ، أفأَصِلُها؟ قال: نَعَم، صِلي أُمَّك )
عَن عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضيَ اللهُ عنهما، قال: (إنِّي لا أعلَمُ عَمَلًا أقرَبَ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ مِن بِرِّ الوالِدةِ )
الدَّليلُ على ذلك مِن الكتابِ والسُّنَّةِ:
أ- مِنَ الكِتابِ
قال تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا [الإسراء: 23] .
قال الزَّجَّاجُ: (مَعنى الآيةِ: لا تَقُلْ لَهما ما فيه أذًى بتَبَرُّمٍ، أي: إذا كَبِرا أو أسَنَّا فيَنبَغي أن تَتَولَّى مِن خِدمَتِهما مِثلَ الذي تَولَّيا مِنَ القيامِ بشَأنِك وبخِدمَتِك، وَلَا تَنْهَرْهُمَا، بمَعنى: لا تَنتَهِرْهما، أي: لا تُكَلِّمْهما ضَجَرًا صائِحًا في أوجُهِهما)
عَن مُعاويةَ بنِ جاهِمةَ السُّلَميِّ، ((أنَّ جاهمةَ جاءَ إلى النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقال: يا رَسولَ اللهِ، أرَدتُ أن أغزوَ وقد جِئتُ أستَشيرُك، فقال: هَل لَك مِن أُمٍّ؟ قال: نَعَم، قال: فالزَمْها؛ فإنَّ الجَنَّةَ تَحتَ رِجلَيها )) .
قَولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: ((فالزَمْها)) أي: التَزِمْ خِدمَتَها، ومُراعاةَ أمرِها
وهذا الصنيع سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يكرم ويحسن لصويحبات خديجة رضي الله عنها وفاءً لها؛ لأن الرَّجل إذا برَّ أهل وُدِّ أبيه وأمه، فقد بلغ ذروة الإحسان.
الدعاء لهم: من اسباب التوفيق والهدايه هي الدعاء فدعوا لأهلك بالهدايه وان يشرح الله صدورهم
والآن عرفنا لماذا يشتد الأهل على الابن أو الابنة الملتزمة أكثر من بقية الأبناء؛ فالسبب يعود إلى أسلوب الملتزم نفسه. فكثير ممن هداهم الله للالتزام والسنة، بينما أهله على غير دينه أو غير ملتزمين، تجده يهجرهم ولا يحسن إليهم، ويظن أن هذا من باب "الولاء والبراء"، والله المستعان! فكيف يستجيبون لك إذن؟ الخلل في هذه الحالة راجع إليك.
أما من زعم أنه طبق كل هذه النقاط ولم يجد استجابة، فلا بد أنه أغفل نقطة منها، وغالباً ما تكون "الدعاء". فعليكم بالدعاء ثم الدعاء؛ أن ييسر الله أمركم ويشرح صدورهم.
وختاماً، من كان لأهله مطيعاً وباراً ومحسناً وقائماً على شؤونهم، فهو أولى أن يكون خيراً لزوجته. ومن كانت بارة بأهلها ومحسنة إليهم، فهي أولى أن تكون أكثر طاعة لزوجها وإحساناً إليه.
