فتنةُ المحادثات والتعليقات بين الرجال والنساء|عمل النساء وخروجهن


بِسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحِيم

الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمين، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمُرسَلين، نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِهِ وصحبِهِ أجمعين.

أَمَّا بَعد؛ اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ بأسمائِكَ الحُسنى وصفاتِكَ العُلى أنْ تجعلَ عملي هذا خالصاً لوجهِكَ الكريمِ، مُبتغىً بهِ رِضاكَ، نافعاً لِعبادِكَ، حُجَّةً لي لا عليَّ يومَ ألقاكَ.                                                                                                                                                                                                                                                                                               الفِتْنــــــــــــــــةُ البَاطِنَة                                                                                                                                                                                                                                                  

كل ماكان العمل اخفى كلما كان اعظم وهذا ينطبق في الاعمال الصالحة والاعمال السيئه , والاسوء من هذا الذي يقع في فتنه وهو لايدري , قال  سبحانه وتعالى قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103)الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)

هم الذين لم يكن عملهم الذي عملوه في حياتهم الدنيا على هدى واستقامة، بل كان على جور وضلالة، وذلك أنهم عملوا بغير ما أمرهم الله به بل على كفر منهم به، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا : يقول: وهم يظنون أنهم بفعلهم ذلك لله مطيعون.<الطبري>

وحينَ يتحدثُ النَّاس عن الفتنة، تنصرفُ الأذهان فوراً إلى التبرج الظاهري السَّافر وعُرِيِّ الأجساد؛ لكنَّ ثَمَّةَ فتنةً أشدَّ خفاءً وأعظمَ أثراً تسري اليوم في أوساط النِّساء؛ ألا وهي "فتنةُ المحادثات والتَّعليقات" التي كَسرت كُلَّ حُجُب الهيبة والمروءة بين الجنسين.

لقد أصبحَ التَّساهل في دُخول العامَّة والخاصَّة من النِّساء في حسابات الرِّجال وطلبة العِلم، والتَّعليق عندهم بالأسماء الصَّريحة الواضحة، والإكثار من مُخاطبتهم ومُساجلتهم بِلا حاجة شرعيَّة مُعتبرة، ظاهرةً مألوفةً يُشرعَنُ لها باسم الفوائد الدَّعويَّة والمذاكرة العِلميَّة


إنَّ تواصلَ النِّساءِ مع طلبةِ العِلمِ —والعكسُ صحيحٌ إلَّا أنَّهُ نادرٌ— بغيرِ حاجةٍ، فتسألهُ أسئلةً كثيرةً، ولربَّما سألتْهُ أسئلةً يجيبُ عنها طفلٌ صغيرٌ! وإنْ افترضنا أنَّها أسئلةٌ فعلاً لا تعرفُ جوابَها، فنقولُ —واللهُ الموفِّقُ—:

إنَّ العلماءَ ما تركوا شيئاً إلَّا وأجابوا عليهِ، ولا شُبهةً إلَّا ونسفوها من القرآنِ والسُّنَّةِ، وهذا غيرُ سُهولةِ البحثِ في الكُتُبِ والأحاديثِ؛ ففي زمانِنا هذا كُلُّ شيءٍ مُتاحٌ، فلا حُجَّةَ لكِ أبداً! لَقَد صارَ من العَجيبِ أنَّهُ مع سُهولةِ الوصولِ إلى العِلمِ، سَقطَ الحياءُ والعِلمُ بكلِّ سُهولةٍ! وفي زمنِ رسولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم —مع صعوبةِ بحثِ النِّساءِ عن الأحاديثِ والتَّفاسيرِ، لِبُعدِهِنَّ عن مكانِ النَّبيِّ، وحاجةِ أزواجِهِنَّ إلى التَّجهيزِ والرَّحيلِ ليَسألوا الصَّحابةَ عن حُكمٍ أو تفسيرٍ— مع كُلِّ هذهِ المَشقَّةِ كانتِ النِّساءُ أكثرَ التزاماً وحياءً وطاعةً للهِ ولرسولِهِ، فسبحانَ اللهِ!

لِذا نَقُولُ: إنَّ التواصلَ مع الرِّجالِ محرَّمٌ أيَّما كانتْ صورتُهُ إلَّا ما كان لضرورةٍ، وسنتكلَّمُ عنها إنْ شاءَ اللهُ.

وإنَّ التحدُّثَ مع طُلَّابِ العِلمِ والرِّجالِ عامَّةً فيه فتنةٌ للطرفينِ؛ فإذا كان في حقِّ الرِّجالِ، فقد قالَ أفضلُ الخلقِ وأعلمُهم صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «ما تركتُ بعدي فتنةً أضرَّ على الرِّجالِ من النِّساءِ».

وأمَّا حالُ أمَّهاتِ المؤمنينَ وحياؤُهُنَّ عندَ ضرورةِ التحدُّثِ مع الرِّجالِ، فقد كنَّ في قمَّةِ الحياءِ؛ فأمُّ المؤمنينَ عائشةُ —أعلمُ النِّساءِ وأفضلُهنَّ— كانَ الصَّحابةُ إذا سألوها عن شيءٍ ردَّتْ من وراءِ حِجابٍ! ولنتأمَّلْ هنا قليلاً: مَن هي عائشةُ؟ أليستْ زوجةَ رسولِ الله؟ أليستْ زوجتَهُ في الجنَّة؟ أليستْ أعلمَ النِّساءِ بالقرآنِ والحديثِ؟ ومع ذلك كانتْ شديدةَ الحياءِ والالتزامِ رضيَ اللهُ عنها. ومن الجانبِ الآخرِ: أصحابُ رسولِ اللهِ، أكملُ النَّاسِ إيماناً وعِلماً ومعرفةً بتفسيرِ القرآنِ وحِفظِ الأحاديثِ، ومع كلِّ ذلك رضيَ اللهُ عنها ما تعرَّضتْ للفتنةِ ولا قابلتْها، وكذلك هم رضيَ اللهُ عنهم كانوا أشدَّ غيرةً على نساءِ المسلمينَ، يحفظونَ لهنَّ حياءَهُنَّ ودينَهُنَّ، وقصَّةُ عُمرَ رضيَ اللهُ عنه وحجابِ أمَّهاتِ المؤمنينَ والنِّساءِ أجمعينَ قصَّةٌ لا أظنُّها تخفى على أحدٍ، ولكن مَن الذي يتَّعِظُ ويفكِّرُ إلَّا قلَّةٌ؟!

والقولُ لكِ: إذا كنتِ أحسنَ من أمَّهاتِ المؤمنينَ إيماناً وحياءً، فأنا بنفسي أقولُ لكِ: كلِّمي الرِّجالَ براحتِكِ، وعلِّقي، واضحكي، واكتُبي! هذا الكلامُ في حقِّ مَن تسألُ الأسئلةَ الدِّينيَّةَ، فما بالُكم بحكمِ مَن تضحكُ وتتفاعلُ عندَهم بـ (القلوبِ) وغيرها؟! هذه لها مقالةٌ أُخرى إنْ شاءَ اللهُ.

والآن نطرحُ الأدلَّةَ؛ فليسَ من المنطقِ طرحُ الكلامِ من غيرِ إحضارِ الأدلَّة


1-حالات الاظطرار

اقتضت حكمة الله سبحانه وتعالى أن تكون العلاقة بين دور الذكر و الأنثى مشابهة للعلاقة بين دور الليل و النهار، فكما جعل الله النهار للكدح جعل مقابله الليل للسكن، فليس الليل نقيضاً للنهار و لا النهار نقيضاً لليل، بل وُجِدا في وقت واحد ولا ينفي أحدهما الآخر، كما لا يغني أحدهما عن الآخر، فقال عز و جل:


{ هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ }(يونس:67)

ولولا هذا التكامل بين الليل و النهار لاستحالت الحياة على هذه الأرض، و اقرأ إن شئت قول الحق

:{ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ * قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ }(القصص:71-73)


واقتضت حكمته أن يجعل النوم في الليل و اليقظة في النهار، و هذا حال البشر كلهم، إلا ما كان في جزء ضئيل من كدح البشر الذي لا يكون إلا في الليل كمهمة الحرس و رجال الإسعاف و غيرهم، فجعل الله لهؤلاء رخصة، و شرع لهم أحكاماً و لم يفرط في كتابه من شيء، و تجد مصداق ذلك في قول الحق :
{ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ }(الروم:23)


فالذي اتخذ من الليل مجالاً لسعيه لا يمكن له أن يجعل نهاره سعياً أيضاً، أي أنك إذا أعطيت الليل وظيفة النهار فلا بد أن تعطي النهار وظيفة الليل حتى تستطيع الاستمرار في السعي، فشرع الله العليم الحكيم لهذه الضرورة النوم بالنهار لمن عمل في الليل.
فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الليل و النهار، وهو الذي حدَّد مهمة كل منهما، و عند الضرورة شرع لهذه الضرورة حكماً يناسبها، و هو الذي خلق الذكر و الأنثى و هو الذي يحدد مهمة كل منهما، و عندما تطرأ ضرورة فهو وحده الذي يبين كنه هذه الضرورة، و يشرع لها أحكامها.فعندما تكون الضرورة ملحة، و ينتفي المجتمع الإيماني، فإن الله العليم بعباده، الحكيم في شرعه، الذي يعلم من خلق، و هو اللطيف الخبير الذي لا يضل و لا ينسى يشرع للضرورة حكماًو يبين شرائط هذه الضرورة بتفاصيلها في كتابه الكريمولا يتركها لاجتهاد مجتهد، أو قياس قائس، و لا يدع مجالاً لاستدراك متعالمٍ على حكمه سبحانه، و ما ذلك إلا لعظم الخطر الناجم عن اختلاط و تداخل مهمة الذكر بمهمة الأنثى،فقال تعالى:

{ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ * وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ }(القصص:22-27)


لمْ يقصص الله عزّ وجل على رسوله قصة ابنتي شعيب عليه السلام للتفكه و التسلية، بل ليعلِّم المؤمنين دينهم، و يهديهم إلى ما يصلحهم لعمارة هذه الأرض و خلافتها في أحوال الضرورة، و ليعلِّمهم كيف يتجاوزون هذه الضرورة بسلام.

لقد رأى موسى عليه السلام أنثيين ترعيان الغنم، فهاله هذا المشهد، و أنكر فعلهما بقوله: "ما خطبكما؟" أي: ما الأمر العظيم الذي اضطركما إلى الخروج للعمل الذي يُوكل إلى الذكور دون النساء في شرع الله سبحانه؟.

كانت الأنثيان بنتي نبي الله شعيب عليه السلام، و كانتا تعلمان أن خروجهما من بيتهما إنما كان لضرورة طرأت، و رغم هذه الضرورة أبت فطرتهما الاختلاط بالرجال، أو الركون إلى العمل كالرجال في هذه الفترة الطارئة، فوصف الله عفتهما و هما تقومان بالعمل بقوله: "وجد من دونهم امرأتين تذودان"

أي: أنهما عندما خرجتا مضطرتين
للعمل أخذتا الضرورة بقدرها، فلم تختلطا بالرجال (الرعاء) بل قامتا بذود غنمهما عن الشرب مع غنم الرعا
 وقد فهمت المرأتان مراد موسى عليه السلام بسؤاله: "ما خطبكما؟"
فأجابتاه من فورهما بما يدفع عنهما الشبهة و يبين عذرهما قائلتين: "لا نسقي حتى يصدر الرعاء و أبونا شيخ كبير"

فأما السبب الأول في خروجهما للعمل فهو أن ليس ثمة ذكر يقوم بهذا العمل، و بينتا ذلك لموسى عليه السلام عندما أنكر عليهما فقالتا"و أبونا شيخ كبير"،
فأبوهما ليس شيخاً و حسب بل هو شيخ كبير لا يقوى على العمل و لا أخ و لا زوج لهما، كما انتفى المجتمع الإيماني في تلك القرية، فلم يكن في مجتمعهما من يقوم بالكدح عنهما فخرجتا إلى العمل بإلحاح الضرورة.
فكان لزاماً على موسى عليه السلام الذي يمثل المجتمع الإيماني أن يسقي لهما، لأن الضرورة اضطرتهما لأخذ الرخصة بعد تكامل شروطها دون بغي أو عدوان وكيف لا يفعل؟هو نبي مسؤول عن تنفيذ منهج الحق في الأرض "فسقى لهما".


و يبيِّن الله سبحانه وتعالى لعباده كيف يجب على المضطر ألا يستسلم للضرورة و يركن إليها أو يجعل منها شرعاً جديداً ناسياً الحكم الأصيل، بل عليه أن يُعْمِلَ عقله في اغتنام الفرص؛ التي تخرجه من الظرف الذي ألجأته إليه الضرورة، فلم تتخذ أي من الأنثيين من هذه الحال الطارئة عذراً لكي تخرج من مسكنها و تعمل كالرجال و بين الرجال، و تتخذ من الرعي مهنة لها، فهاهما تتجنبان الاختلاط بالرجال مهما كلفهما ذلك من عناء و وقت و جهد، و كانتا في الوقت ذاته تحنَّان للعودة إلى فطرتهما وإلى المهمة الأصيلة التي خُلقت المرأة من أجلها، والدور الذي رسمه الخالق لها فما كان من إحداهما بعد أن رأتْ من موسى عليه السلام ما رأت إلا أن أبرقت في بالها بارقة الخلاص من هذا الخطب،فقالت لأبيها: "يا أبت استأجره"
 لقد رأت في هذا الرجل القوي الأمين من يعيدها و أختها إلى مكانهما في الالتزام بأمر الله إلى المهمة التي حددها الله لهما، ففعلت، و لم تُفَوِّتِ الفرصة.هكذا يعلمنا الله شروط الضرورة في قيام الأنثى بدور الذكر،


ويعلمنا كيف يجب على المرأة إن اضطرت أن تأخذ الضرورة بقدرها دون تفريط أو طغيان، و يعلمها أن تبحث عن السبل و الفرص المتاحة للتخلص من إِصْرِ هذه الضرورة و العودة إلى جادة الصواب، و يُعلّم المؤمنين في المجتمع كيف يَهبُّون لنجدتها مما يهدد فطرتها و نقاء المجتمع.فهل من مؤمن بعد هذا يجادل في مهمة كل من الذكر و الأنثى؟ و هل يجادل مؤمن بعد هذا في مسألة عمل المرأة؟ولو شرع الله سبحانه وتعالى للمرأة التشبه بالرجال في الكدح لطلب الرزق في ظرف من الظروف القاهرة؛لشرع ذلك للأرملة التي مات زوجها فلم يبقَ لها معيل من بعده

ولكن هيهات.. و إليك حُكْم الله سبحانه في هذا الظرف الطارئ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ ﷺ:

"كَافِلُ الْيَتِيمِ، لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ فِي الْجَنّةِ" وَأَشَارَ مَالِكٌ بِالسّبّابَةِ وَالْوُسْطَىَ".رواه مسلم و مالك


فمن هو اليتيم ؟ أليس اليتيم من مات أبوه و هو دون سن الرشد و لم يبلغ مبلغ الرجال؟ و إن كانت أمه لا تزال على قيد الحياة. و من هو كافل اليتيم؟ أليس الكافل هو الذي يُعوِّض اليتيم عن فقد أبيه، و يتحمل عبء رزقه و الإشراف عليه، أي: يقوم مقام أبيه بالنسبة له؟ و لنسأل أنفسنا: لماذا يكون لليتيم كافل يقوم بكفالته و أمه على قيد الحياة؟أليس هذا لأن الإسلام نَزَّه الأنثى عن الخوض في غمار العمل و طلب الرزق؟.

ولئن كان الإسلام قد سمح للمرأة بالعمل، فلن توجد ضرورة أكبر من وفاة الرجل المعيل للأسرة ليسمح الشرع لها بالخروج للعمل عوضاً عنه، و لكن هيهات...

فقد أقصى الله سبحانه وتعالى المرأة عن هذه المهمة، و برأها منها حتى في هذا الظرف القاهر و كلَّف المجتمع الإيماني كله بكفالتها و ابنها اليتيم فقال جل في علاه في كتابه العزيز:


{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً * وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً * وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا * وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً * وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً }
(النساء:1-6)


فالله أمر المجتمع الإيماني بكفالة اليتيم، و الإشراف عليه، و تعويضه عن فقدان أبيه. و إن كان له مال فعلى من يكفله أن يشرف على مالهأيضاً،ويستثمره له و يرزقه فيه، حتى إذا آنس منه رشداً، و بلغ اليتيم مبلغ الرجال، أعاد كافلُه إليه ماله.
ونلاحظ من الآيات الكريمات أن الله  جعل استثمار مال اليتيم على كافله، ولم يكلف أمَّ اليتيم باستثمار مال زوجها و ابنها، هذا في حال وجود مجتمع إيماني فيه من يقوم بهذا العمل.

ولم يكتف الإسلام بتكليف المجتمع الإيماني بالسعي على اليتيم فحسب، بل تعداه إلى تكليف المؤمنين بالسعي على الأرملة. فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
‏"‏الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله أو القائم الليل الصائم النهار ". رواه البخاري و مسلم


الأرملةُ: هي المرأة التي مات عنها زوجها الذي كان يقوم بأمرها، و بعد وفاته لم يبق لهذه المرأة من يأتيها بالرزق، فإما أن تخرج هي للكدح بين الرجال، و إما أن يكفيها ذلك أحد المؤمنين. و كان الشرعُ الإسلامي واضحاً في هذه المسألة إذ اختار لها أن تقر في بيتها، و كفل لها من يقوم بأمرها.

إن من يقوم بالسعي على رزق الأرملة، و يكفيها شَرَّ الخروج لطلب الرزق، له عند الله سبحانه وتعالى من الثواب ما للمجاهد في سبيل الله، و ما للقائم الصائم، و لا يطمع مسلم بثواب أكبر من هذا.

و ما عظَّم الله سبحانه  أجر كافل اليتيم و الأرملة، إلا لعظم الدور الذي يؤديه في الحفاظ على طهر المجتمع الإيماني، و في الحفاظ على فطرة الأنثى، حتى لا تضطر لنسيان أنوثتها، فتتشبه بالرجال، و تسلك مسالكهم.



الكلام كثير والاحاديث في موضوع حياء النساء والفطره كثيره, لكن نكتفي بهذا القدر والسلام عليكم


مصادر الاحاديث: مالك,مسلم,البخاري+تم التاكد من صحه كل حديث
مصادر التفسير:الطبري
الايات التي ذُكرت: (يونس:67), (القصص:71-73)  (الروم:23) (القصص:22-27)(النساء:1-6)
الكتب المستفاد منها:كِتَابُ «وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ» لِلشَّيْخِ عِمَادِ الدِّينِ السَّمَّانِ