التخطي إلى المحتوى الرئيسي
صفة المجيء بين الإثبات و التأويل
بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه و أزواجه أمهات المؤمنين.
أما بعد، فإن باب الصفات من أعظم أبواب العقيدة، وأشدها تعرضا لتحريف أهل الكلام وتأويل المتكلمين، إذ ضلت فيه طوائف بين معطل لصفات الرب سبحانه، ومشبه له بخلقه، وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى الصراط المستقيم، فأثبتوا ما أثبته الله لنفسه، وما أثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل. ومن ذلك صفة المجيء الواردة في قوله تعالى:﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (سورة الفجر: 22).و هي من الصفات الفعلية المتعلقة بمشيئة الله تعالى، يفعلها سبحانه متى شاء وكيف شاء، على وجه يليق بجلاله وعظمته.
"قال الإمام الزهري رحمه الله:“من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم
الآيات الواردة في إثبات صفة المجيء
(وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا)
(سورة الفجر: 22)
(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ)
(سورة البقرة: 210)
(هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ)
(سورةالأنعام: 158)
و قد اتجه كثير من المفسرين الذين ينهجون منهج الخلف أن يفسروا “المجيء” المذكور في سورة الفجر بمجيء أمر الله سبحانه.السؤال: من أين يأتي أمر الله؟
سيقولون: يأتي أمر الله من عند الله.
و السؤال الآخر: أين الله الذي يأتي الأمر من عنده؟
سيردون: لا يسأل عن الله بأين. وبذلك يبرهنون على بعدهم عن هدى الرسول ﷺ الذي هو أول من سأل عن الله بأين، يختبر إيمان تلك الجارية التي يريد مولاها أن يعتقها لو كانت مؤمنة.
فإذا كان النفاة لا يثبتون علو الله على خلقه، فلا معنى لقولهم: “جاء أمر ربك”، لأنهم لا يدرون من أين يأتي الأمر، اللهم إلا إذا زعموا أن الأمر يأتي من كل مكان، ولا نعلم أحدًا قال بهذا القول.
و إن قاسوا هذه الآية بآية سورة البقرة بالأسلوب ذاته، فما تفسيرهم في قوله تعالى في سورة الأنعام:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ (سورة الأنعام: 158).
أما من المفسرين الذين اتبعوا منهج السلف،
شيخ المفسرين الإمام ابن جرير الطبري الذي يقول في تفسير الآية :
هل ينتظر هؤلاء الذين يعدلون بربهم الأوثان والأصنام ويكفرون بلقاء الله وجزائه إلا أن تأتيهم الملائكة بالموت فتقبض أرواحهم، أو أن يأتيهم ربك ـ يا محمد ـ يوم القيامة بين خلقه، أو أن يأتيهم بعض آيات ربك، ومن أظهرها طلوع الشمس من مغربها.
وقد نقل الإمام الشوكاني في تفسيره عند الآية المذكورة تفاسير كبار المفسرين مثل مقاتل وابن مسعود، وحديثا موقوفا عن أبي سعيد الخدري في تفسير الآية، في معنى مجيء الملائكة، ومجيء الله تعالى، ومجيء بعض آياته، دون أدنى اختلاف إلا ما كان في العبارة والأسلوب؛ لأنهم يستقون جميعا من معين واحد، وهو الوحي الذي يستوحون منه مراد الله من كلامه سبحانه، ثم يستوضحون ما أشكل عليهم من سنة نبيهم ﷺ، فلا يقولون على الله بغير علم.
فأين جواب النفاة بالنسبة لهذه الآية؟
إذ لم يبق هناك من يضيفون إليه المجيء؛ لأن الآية قطعت عليهم خط الرجعة، حيث ذكرت مجيء الملائكة لقبض الأرواح، ثم ذكرت مجيء الرب سبحانه للحساب والقضاء، ثم ذكرت مجيء بعض آيات الله تعالى.
ولعلهم يقولون: إذا قلتم ينزل الرب ويجيء يوم القيامة، فهل معنى ذلك أن هذا المجيء مجيء بانتقال؟ وهل يخلو منه العرش عندئذ؟
و الجواب أن هذا نوع من الخوض الذي نوقش في صفة النزول، فخرج أهل السنة منه بالقول بأن أسعد الناس بالدليل هم الممسكون عن القول بانتقال أو عدم انتقال، والممسكون عن القول بخلو العرش أو عدم خلوه؛ لأنهم سكتوا عما سكت عنه الكتاب والسنة.
فمحاولة معرفة هذه النقطة فيها محاولة الإحاطة بالله علما، وذلك مستحيل شرعًا وعقلًا، فإن الله هو الذي يحيط خلقه بعلمه، أما هو سبحانه فيعلم ولا يحاط به علما، قال تعالى:﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾(سورة البقرة: 255).ولا يحيطون بذاته ولا بصفاته ولا بأفعاله علمًا، فالنزول والمجيء من أفعال ربنا تعالى، فينتهي علمنا فيهما وفي غيرهما من أفعال ربنا بمعرفة المعنى العام وكفى، وهذا هو مسلك سلفنا الصالح، فيسعنا ما وسعهم.
فكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
مجيء الله يوم القيامة في السنة النبوية
• الحديث القدسي الصحيح الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه، وفيه:
«وإن أتاني يمشي أتيته هرولة»، وفي رواية: «وإن تقرّب إليّ ذراعًا تقرّبت إليه باعًا».
•حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه في رؤية الله تعالى يوم القيامة، وفيه:
«فيأتيهم الجبار في صورة غير صورته التي رأوه فيها أول مرة فيقول: أنا ربكم…».
وقد دارت حول هذه النصوص مناقشات بين أهل السنة وغيرهم، فكان منهج السلف فيها إثبات ما جاء في الكتاب والسنة وإمرارها كما وردت، مع نفي العلم بالكيفية، إذ لا يعلم كيفية صفات الله إلا الله سبحانه.
ومن كلام السلف في هذا الباب،
•ما روي عن حماد بن أبي حنيفة أنه قال في الرد على من نفى صفة المجيء:
إنهم يقرّون بمجيء الملائكة صفًا صفًا، فإذا قيل لهم بمجيء الرب توقفوا، مع أن النص جاء به صريحًا، فقال لهم بمعنى الاحتجاج: لا نكلفكم علم الكيفية، ولكن نكلفكم الإيمان بالمجيء، فمن أنكر ما جاء به النص فهو مكذب به.
•وذكر ابن أبي زيد القيرواني في رسالته أن من عقائد أهل السنة والجماعة الإيمان بأن الله تعالى يجيء يوم القيامة للفصل بين العباد، وأن هذا مما أجمع عليه أئمة المسلمين، من الفقهاء والمحدثين، وأنه قول مالك وغيره من أئمة الهدى.
و في الختام يتبين أن صفة المجيء ثابتة لله تعالى بنصوص القرآن والسنة وإجماع سلف الأمة، وأن الواجب على المسلم هو الإيمان بما جاء عن الله ورسوله على الوجه اللائق بجلال الله، دون تحريف ولا تعطيل، ودون تكييف ولا تمثيل. القائم على التسليم للوحي، وتعظيم النصوص، والإمساك عما لم يأت به الشرع. فالنجاة في الاتباع و الهلاك في الابتداع.قال الإمام أحمد رحمه الله:“لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ، لا يتجاوز القرآن والحديث"