رد على الإباضية في نقض فرية الفرعونية والذب عن الإمام ابن بطة
هذا رد على شبهة أثارها احد الاباضية في كتابه السيف الحاد. ذكر فيه طعن في عقيدة سلف الأمة الصالح بإثبات علو الله و صفاته، و محاولا إسقاط المعتقد عبر الطعن في الإمام ابن بطة العكبري لتوهم انفراده بروايتها ونص الشبهة هو
"هذا وقد رويت هذه العقيدة - عقيدة [التجسيم] - عن جماعة من أئمة السنة رواها ابن بطة المجسم الضال وهو كذاب وضاع كما سيأتي إن شاء الله. على أن إسناد هذه الرواية منقطع وبذلك تبطل نسبة هذه العقيدة اليهودية الفرعونية إلى سلف الأمة وغيرهم من العلماء، والله المستعان."
دحض دعوى انفراد الإمام ابن بطة وبيان تواتر عقيدة السلف
إن الادعاء بأن عقيدة السلف في الصفات والعلو تفرد بروايتها الإمام ابن بطة هو جهل بكتب التراث والآثار، أو تعمد للتعمية، فعقيدة السلف لم ينفرد بها شخص واحد، بل هي مستفيضة ومتواترة رواها جهابذة الحفاظ وأئمة الإسلام في مصنفاتهم المسندة.ومن الأئمة الذين رووا هذه العقيدة وأثبتوها في كتبهم:
أئمة السنة المتقدمون:
- الإمام أحمد بن حنبل في (السنة)
- ابنه عبد الله بن أحمد
- أبو داود السجستاني
- الأثرم
- حنبل بن إسحاق
- الخلال
- ابن أبي عاصم
- ابن شاهين
- الطبراني
أئمة الجرح والتعديل والتفسير:
- البخاري في (صحيحه) و(خلق أفعال العباد)
- الترمذي في (سننه)
- ابن خزيمة في (التوحيد)
- ابن أبي حاتم الرازي في (تفسيره والرد على الجهمية)
- محمد بن جرير الطبري في (تفسيره ومعتقده)
الحفاظ ومصنفو العقائد:
- اللالكائي في (شرح أصول اعتقاد أهل السنة)
- الآجري في (الشريعة)
- أبو عثمان الصابوني في (عقيدة السلف)
- الذهبي في (العلو)
فهذا الإجماع المروي بالأسانيد المتكاثرة يثبت أن المعتقد متواتر عن سفيان ومالك والشافعي وأحمد وابن المبارك، ولا تبطله دعوى انقطاع إسناد هنا أو هناك.
الذبّ عن الإمام ابن بطة وبيان منزلته عند أهل الحديث
إن وصف الإمام ابن بطة بأنه "كذاب وضاع" سقطة علمية، فالرجل إمام من أئمة المسلمين، موصوف بالزهد والعبادة والتمسك بالسنة.لزم بيته أربعين سنة مجاهداً ومستغرقاً في العبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قال عنه الإمام الذهبي في كتاب العلو: "وكان ابن بطة من كبار الأئمة، ذا زهد وفقه، وسنة واتباع. وتكلموا في إتقانه، وهو صدوق في نفسه".
فقصارى ما قيل فيه هو الكلام في حفظه وإتقانه لا في دينه وصدقه، وهناك فرق هائل عند علماء الحديث بين راوٍ يخطئ في الحفظ وهو صدوق وبين من يتهم بالكذب والوضع.
من هو الحقيقي المتبع لـ "مذهب فرعون"؟
أما الزعم بأن عقيدة إثبات العلو لله تعالى هي عقيدة فرعونية، فهو مقلوب على صاحبه من واقع دلالة القرآن الكريم الصريحة.حكى الله تعالى في كتابه عن فرعون قوله:
﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾
[غافر: 36-37]
موسى عليه السلام كان يخبر فرعون بأن الله في السماء (فوق العرش).و فرعون كذّب موسى في هذا الإخبار، وقال: "وإني لأظنه كاذباً" أي أظن موسى كاذباً في دعواه أن إلهه في العلو والسماء، ولهذا أراد فرعون بناء الصرح ليسخر من مقالة موسى.
فرعون كان منكراً للعلو، ومكذباً لموسى فيه.
و عليه فإن من ينفي علو الله الفوقي ويقول إن الله ليس في السماء، هو في الحقيقة يوافق فرعون في تكذيبه لموسى، وليس العكس!
وهذا ما صاغه العلامة ابن القيم في نونيته متهكماً من شبهة المعطلة والجهمية:
و من العجائب قولهم فرعون مذ هبه العلو و ذاك في القرآن
و لذاك قد طلب الصعود إليه بالصر ح الذي قد رام من هامان
بيان أصل مقالة نفي الصفات والعلو
إذا كان أهل السنة قد أخذوا معتقدهم بالتواتر كابراً عن كابر عن الصحابة والتابعين، فإن الكاتب عكس القضية، وحري بنا أن نسأل من أين استقى نفاة الصفات معتقدهم؟
التاريخ العلمي يثبت أن سلسلة سند نفي الصفات والعلو تعود إلى أصول يهودية وفلسفية، أخذ متأخرو النفاة عن الجهم بن صفوان، والجهم أخذ عن الجعد بن درهم.و الجعد بن درهم أخذ مقالته عن طالوت، وطالوت أخذها عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي (الذي سحر النبي ﷺ).
فمذهب نفي علو الله وإبطال صفاته هو المذهب الدخيل المتأثر بالفلسفات وبقايا عقائد أهل الكتاب، بينما مذهب السلف هو ما نطق به الوحي وسار عليه أئمة الهدى.
في الختام، عقيدة علو الله على عرشه وإثبات صفاته كما تليق بجلاله هي عقيدة الأمة المتواترة التي سطرها مئات الأئمة قبل ابن بطة ومعه وبعده، والطعن في الإمام ابن بطة ساقط عند النقد الحديثي.
وأخيراً، فإن واقع الآيات يثبت أن منكري العلو هم الأصيلون في موافقة فرعون الطاغية الذي بنى الصرح لإنكار وجود إله موسى في السماء.
والحمد لله رب العالمين.

