هل وافق ابن القيم اليهود كما يزعم الخليلي؟
بسم الله، و الحمدلله، و الصلاة والسلام على رسول الله.
و الواضح من خلال النص أن كلام ابن القيم بتر عن سياقه و فهم على غير مراده، وأنه لم يقرر بصحة ما عند اليهود، ولا يدعو إلى اتباعهم، وإنما كان يلزم خصمه إلزامًا جدليًا.فابن القيم كان يرد على الفلاسفة النفاة الذين يزعمون أن إثبات الصفات الإلهية الواردة في النصوص يلزم منه التشبيه، فقال لهم بمعنى الإلزام: إذا كنتم تؤولون نصوص القرآن بزعم التنزيه، فماذا تصنعون بنصوص التوراة والإنجيل التي فيها من صفات اللّٰه أكثر مما تنكرونه؟
فإن قلتم: هي محرفة، فدعوى التحريف الكلي لكتاب منتشر بين أمم كثيرة متباعدة متعذرة عادة.
فالمقصود إلزام الخصم لا تصحيح عقائد اليهود.
بل العجيب أن الخليلي نفسه نقل كلام ابن القيم الذي يقول فيه: «وهب أن الكتاب العبراني…» وهي صيغة تنزل جدلي وافتراض في مقام المناظرة، لا تقرير عقدي.
والأهم هنا أن تتمة كلام ابن القيم بعد النقل مباشرة تهدم استدلال الخليلي، إذ قال:«فتأمل هذا الملحد، بل رأي ملاحدة الملة، ودخوله في الإلحاد من باب نفي الصفات…».فابن القيم لا يقرر كلام ذلك القائل، بل يصفه بالإلحاد ثم يبيّن إلزامه للمعطلة. ولهذا فالسياق كاملا يدل أن ابن القيم ينقل حجة خصمه ثم يرد عليها، لا أنه يتبنى اليهودية أو يدافع عنها.حتى إنه صرح في مواضع كثيرة ببطلان عقائد اليهود والنصارى، وذمهم أشد الذم، وبين تحريفهم وكفرهم، فكيف يتهم بعد ذلك بأنه يسير في ركاب اليهودية؟
ثم إن أهل السنة يفرقون بين وقوع التحريف في بعض ألفاظ الكتب السابقة أو معانيها، وبين القول بزوال جميع ما فيها حتى لا يبقى حق أصلا.فالقرآن نفسه أخبر أن عند أهل الكتاب بقايا من الحق، قال تعالى:
كما ان إثبات الصفات الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق باللّٰه ليس تشبيها، لأن أهل السنة يثبتون الصفات مع نفي المماثلة، كما قال تعالى:﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير﴾.فجمع سبحانه بين التنزيه والإثبات، بخلاف اليهود الذين وقع بعضهم في التشبيه الصريح، وبخلاف الجهمية الذين غلوا في التعطيل.
وفي هذا بيان أن الحق لا يعرف بكثرة المتبعين، ولا بأسماء الرجال، وإنما بالدليل وفهم كلام العلماء على وجهه الصحيح. ومن أعظم الظلم أن ينسب إلى العالم ما لا يعتقده بسبب اقتطاع كلامه أو إغفال سياقه، فإن الأمانة العلمية تقتضي العدل والإنصاف، لا اتباع الهوى والانتصار للنفس.
يقول ابن القيم في النونية:
خالفتم قول الرسول وإنما خالفت من جراه قول فلان



