نقض استدلالات الإباضية في خلق القرآن


استدلّ الخليلي في كتابه (الحق الدامغ) ببعض الآيات لإثبات خلق القرآن، ومنها الآيات التي سيأتي ذكرها.



-قوله تعالى: {خالق كل شيء} [الأنعام 102] و [الرعد 16] و [الزمر 62] و [غافر 62] 


قال: ووجه الاستدلال به أن القرآن إما أن يكون شيئاً أو لا شيء، فإن لم يكن شيئاً فعلام الاختلاف إن كان المختلف عليه معدوماً؟ وما الذي أنزله الله وفصّله وأحكمه إن كان غير واقع على شيء، وإن كان شيئاً فما الذي يخرجه من هذا العموم؟ 


إن الله عز وجل أجرى على كلامه ما أجراه على نفسه إذ كان كلامه من صفاته فلم يَتَسَمَّ بالشيء ولم يجعل الشيء اسماً من أسمائه، ولكنه دل على نفسه أنه شيء وأكبر الأشياء إثباتاً للوجود، ونفياً للعدم.

فقال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم}، فدل على نفسه أنه شيء ليس كالأشياء، و قال عز وجل: {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير} ، فأخرج نفسه وكلامه وصفاته من الأشياء المخلوقة بهذا الخبر تكذيباً لمن ألحد في كتابه وافترى عليه وشبهه بخلقه. ثم قال في موضع آخر: {ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً أو قال أوحي إليَّ ولم يوح إليه شيء}، فدل بهذا الخبر أيضاً على أن الوحي شيء بالمعنى وذم من جحد أن كلام الله شيء، فلما أظهر الله عز وجل اسم كلامه لم يظهره باسم الشيء فيلحد الملحدون في ذلك ويدخلونه في جملة الأشياء المخلوقة، ولكنه أظهره عز وجل باسم الكتاب والنور والهدى ولم يقل: قل من أنزل الشيء الذي جاء به موسى فيجعل الشيء اسماً لكلامه.  


و عموم (كُلِّ) يشمل كل المخلوقات التي خلقها الله بكلامه.قال تعالى:  {إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون}. كما أن عموم كُلّ لا يشمل كل شيء وإنما يكون بحسبه في السياق وقد دل على ذلك القرآن الكريم :

 قال تعالى في وصف الريح التي دمرت قوم عاد: {فلما رأوه عارضاً مستقبل أوديتهم قالوا هذا عارض ممطرنا بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم. تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم ... } فمساكنهم شيء ولم يشملها عموم.وكذلك في قوله تعالى في قصة ملكة سبأ كما حكى الله عز وجل قول الهدهد الذي توعده سليمان عليه السلام بالعذاب قال تعالى: {فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم}.  فقوله: {وأوتيت من كل شيء} ، يعني: يؤتاه الملوك، ولكنها مع ذلك لم تؤت ملك سليمان الذي سخر الله له الطير والجن والريح، وهي أشياء، لم يشملها عموم {كل شيء} كما يدعون، فتبين بهذا أن لا دليل له في هذه الآية الكريمة على خلق القرآن الكريم لا نصاً ولا عموماً، وإنما هي شبهة داحضة كالسراب يحسبه الضمآن ماء.



-قوله تعالى: {إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون} [الزخرف 3] .  


قال: ووجه الاستدلال به من وجهين:  

أولهما: الإخبار عنه أنه مجعول، والمجعول هو المصيّر من حال إلى حال، وهذا لا يكون إلا في المخلوق.  

ثانيهما: تعليل جعله عربياً بقصد عقل المخاطبين له.

وقال فمعنى (جعل) أينما وجد، خلق ودبّر وأحدث، وأنشأ، وكل ذلك بمعنى واحد وإن اختلفت ألفاظه، قال: ومثل هذه الآية سائر الآيات الناصة على أنه مجعول كقوله تعالى: {ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا}.


فمن بنى على ذلك أن (جعل) لا فرق فيها بين الخلق والتصيير وقع في خطأ.

 قال عز و جل: {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم}، فهل معنى ذلك لا تخلقوا الله عرضة لأيمانكم؟

وقوله تعالى: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} فهل هذا يدل أن بني آدم يخلقون لله البنات و العياذ بالله؟


بيّن أهل العلم أن حمل (جعل) في جميع المواضع على معنى الخلق يؤدي إلى فساد في الفهم،ف(جعل) تأتي بمعنى التصيير الذي هو غير الخلق فإن  الله عز وجل أنزله من القول الموصل الذي لا يدري المخاطب به حتى تصل الكلمة بالكلمة التي بعدها فيعلم ما أراد بها. فمن ذلك قول الله عز وجل: {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض} ، فلو قال: {إنا جعلناك} ، ولم يصلها بما بعدها لم يعقل داود عليه السلام ولا أحد سمع هذا الخطاب ما أراد الله به، ولا ما عنى بقوله، لأنه خاطبه بهذا القول وهو مخلوق فلما وصلها بـ {خليفة في الأرض} عقل داود وكل من سمع هذا الخطاب ما أراد بقوله وما عنى به. 


و عليه فإن قول الله عز وجل: {إنا جعلناه قرآناً عربياً} ، إن الله جعله قرآناً عربياً بأن صيّره عربياً، أي: أنزله بلغة العرب ولسانها ولم يصيره أعجمياً فينزله بلغة العجم.



-قال تعالى: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون} [الأنبياء 2] ،

وقوله تعالى: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} [الشعراء 5] .  


قال: ووجه الاستدلال وصف الذكر فيهما بالإحداث وهو الخلق.


وقد بين علماء السنة أن المقصود بالمحدث في الآية الكريمة هو ما ينزل منه جديداً بعد نزول غيره قديماً. كما قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير الآية من سورة الأنبياء: {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} ، أي: جديد إنزاله كما قال ابن عباس (ما لكم تسألون أهل الكتاب عما بأيديهم وقد حرفوه وبدلوه وزادوا فيه ونقصوا منه، وكتابكم أحدث الكتب بالله تقرؤونه محضاً لم يشب). 


ولكن الخليلي يجعل الإحداث بمعنى الخلق؛ لأنه ينفي صفة الكلام عن الله، وأهل السنة يثبتون أن الله يتكلم متى شاء وكيف شاء، كما قال تعالى: {وكلمه ربه}. فتكليم موسى كان حقيقة سمعه موسى من الله عز وجل، ولذلك طلب الرؤية بعد سماع الكلام.أما القائلون بخلق القرآن فيزعمون أن الله خلق الكلام في شجر أو حجر أو هواء، فيكون ذلك المخلوق هو الذي قال لموسى: {إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني}، وهذا من أعظم الضلال والانحراف عن ظاهر القرآن ودلالته الواضحة.



-قوله تعالى: {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير} [هود: 1]، 

وقوله تعالى: {ولقد جئناهم بكتاب فصلناه على علم} [الأعراف: 52].


قال: إن الله وصفه بالإحكام والتفصيل، وكل منهما أثر صادر عن مؤثر، ولا يجوز أن يكون الأثر قديماً أزلياً.



-قوله تعالى: {ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها} [البقرة: 106].


قال: إن الله أخبر عن نسخ بعض آياته، والنسخ هو المحو والإزالة، وهو مستحيل على القديم، واستحالته فيما إذا كان لفظياً أشد، وقد أثبته جمهور العلماء وفيهم القائلون بقدم القرآن.



-قوله تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} [البقرة: 185]، 

وقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} [النحل: 44]، 

وقوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليلة مباركة} [الدخان: 3]، 

وقوله تعالى: {نزّل عليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل من قبل

 [آل عمران: 3-4]، 

وقوله تعالى: {وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه} [المائدة: 48].


قال: إن وصفه بالإنزال والتنزيل يدل على حدوثه؛ لأن الإنزال نقل من مكان إلى آخر، وهو مستحيل على القديم، ولأن القرآن نزل منجماً فهو منقسم، والانقسام مستحيل على القديم.



-قوله تعالى: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} [آل عمران: 7].


قال: إن آياته منقسمة إلى محكمات ومتشابهات، والمحكمات أصل للمتشابهات يرجع إليها في التأويل، وهذا مستحيل فيما كان قديماً.



-قوله تعالى: {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: 49].


قال: إن صدور العلماء حادثة، والحادث لا يكون وعاءً للقديم.



-قوله تعالى: {بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ} [البروج: 21-22].

وقوله تعالى: {وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً} [الإسراء: 106].


قال: إن الله أخبر عنه بأنه مفروق، والمفروق مصنوع، والمصنوع لا يكون إلا حادثاً.




فإن الآيات القرآنية التي يدعي أنها تدل على خلق القرآن لا دليل فيها على دعواه لا منطوقاً ولا مفهوماً. وإنما هو تحريف لها عن مواضعها . و هو كما يقال كالباحث عن ضوء الشمس بسراج .ومن رجع لكتب التفسير التي ألّفها علماء السلف يجد شرح تلك الآيات واضحاً ببيان ما دلت عليه من أحكام. 


و لكنه استدل بتحريفها عن مواضعها، فهو يركز في بيان وجه استدلاله بها على أمرين:  

الأول: القول بقدم القرآن.  

الثاني: حدوث القرآن وهو يعني بالحدوث الخلق.  


أما القول بقدم القرآن فإن أهل السنة والجماعة سلف هذه الأمة ومن تبعهم بإحسان لم يقل أحد منهم بقدم القرآن ، ومن الظلم أن ينسب أحد إلى آخر قولاً هو بريء منه براءة الذئب من دم يوسف.

وأما دعواه أن المراد بحدوث القرآن كونه مخلوقًا، فغير لازم، لأن الحدوث في لسان العرب والشرع يُستعمل بمعنى التجدد بعد التقدير أو النزول شيئًا بعد شيء، لا بمعنى الإيجاد من العدم. فالقرآن يُوصف بأنه محدث باعتبار إنزاله وتفريقه وكونه ينزل شيئًا بعد شيء، لا باعتبار أنه مخلوق. 

ولو كان كل محدث مخلوقًا للزم أن يكون كل ما يتجدد في علم الله أو في فعله مخلوقًا على هذا الإطلاق، وهو باطل.





افتراء الخليلي واستشهاده بكلام ابن تيمية


قال الخليلي في (ص 148):

«وما أعجب التناقض والاضطراب في قول ابن تيمية: ( إن كلام الله غير مخلوق وإنه منه بدأ ليس بمخلوق ابتداء من غيره )، حيث نفى الخلق عن الكلام وأثبت له البداية وهل البداية إلا خلق».

ثم نقل من كلام شيخ الإسلام قوله:(من قال: إن حرفاً من حروف المعجم مخلوق فهو جهمي لأنه سلك طريقاً إلى البدعة، ومن قال: إن ذلك مخلوق فقد قال إن القرآن مخلوق)


والحقيقة أن هذا النص جزء من سطر واحد اقتطعه من كلام شيخ الإسلام، وقوله: «منه بدأ» ليس المراد به الخلق، وإنما الرد على الجهمية القائلين إن الله خلق القرآن في غيره، كالشجر أو الحجر أو الهواء، وأن ذلك المخلوق هو الذي تكلم به.فبيّن ابن تيمية أن القرآن ابتداؤه من الله حقيقة، وأن الله تكلم به وسمعه جبريل ثم بلغه محمداً ﷺ، وليس ابتداء الكلام من شيء مخلوق منفصل عن الله.




كلام ابن تيمية الأصلي


قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

«وأحمد أنكر قول القائل: إن الله لما خلق الحروف …، وروي عنه أنه قال: من قال: إن حرفاً من حروف المعجم مخلوق فهو جهمي لأنه سلك طريقاً إلى البدعة، ومن قال: إن ذلك مخلوق فقد قال إن القرآن مخلوق».

ثم قال بعده مباشرة:

«وأحمد قد صرح هو وغيره من الأئمة أن الله لم يزل متكلماً إذا شاء، وصرح أن الله يتكلم بمشيئته».

وقال:«وصرح أحمد وغيره من السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، ولم يقل أحد من السلف إن الله تكلم بغير مشيئته وقدرته، ولا قال أحد منهم إن نفس الكلام المعين كالقرآن أو ندائه لموسى عليه السلام أو غير ذلك من كلامه المعين أنه قديم أزلي لم يزل ولا يزال».

وقال:«بل كلام أحمد وغيره من الأئمة صريح في نقيض هذا وأن الله يتكلم بمشيئته وقدرته، وأنه لم يزل يتكلم إذا شاء مع قولهم: (إن كلام الله غير مخلوق، وأنه منه بدأ ليس بمخلوق ابتداء من غيره)».

«وكما لم يقل أحد من السلف إنه مخلوق فلم يقل أحد منهم إنه قديم».



  فنسب إلى ابن تيمية أقوالاً هو يرد عليها ويبيّن بطلانها، مع أن ابن تيمية يكرر أن السلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة لم يقل أحد منهم: «القرآن قديم»، بل كانوا يقولون: «القرآن كلام الله غير مخلوق».