افتراء ابن بطوطة على ابن تيمية
كثيرا ما كانت الخصومات المذهبية سببا في رمي العلماء بالتهم والافتراءات، حتى تتحول الروايات الواهية مع كثرة الترديد الى حقائق عند بعض الناس. ومن اكثر من تعرض لذلك شيخ الاسلام ابن تيمية، حيث استدل خصومه بقصة رواها ابن بطوطة زعم فيها انه شاهد ابن تيمية يشبه نزول الله بنزوله من المنبر
رواية ابن بطوطة ومتن القصة
ذكر ابن بطوطة انه لما قدم دمشق حضر مجلس ابن تيمية، فرآه يعظ الناس على المنبر ويتكلم في حديث النزول، ثم قال: “ينزل ربنا الى السماء الدنيا كنزولي هذا”، ونزل درجة من المنبر.
وهذه الرواية صارت عند البعض دليلا على ان ابن تيمية كان يقول بالتجسيم والتشبيه، مع ان النظر العلمي المجرد يثبت سقوطها من وجوه كثيرة.
استحالة وقوع القصة تاريخيا
من اعظم ما يكشف بطلان هذه الرواية التناقض التاريخي الصريح فيها، فقد اتفق المؤرخون على ان ابن تيمية سجن في قلعة دمشق في اوائل شعبان سنة 726 هـ، وبقي في سجنه حتى توفي سنة 728 هـ.
بينما صرح ابن بطوطة نفسه انه دخل دمشق يوم الخميس التاسع من رمضان سنة 726 هـ، اي بعد سجن ابن تيمية بشهر كامل تقريبا.
فكيف رآه يخطب على منبر الجامع الاموي وهو في السجن؟
وهذا تناقض يهدم الرواية من اساسها، حتى قال المحقق الدكتور علي المنتصر الكتاني:
“هذا محض افتراء على الشيخ رحمه الله، فانه كان قد سجن بقلعة دمشق قبل مجيء ابن بطوطة اليها باكثر من شهر”.
ولو كانت هذه الحادثة صحيحة لنقلها المؤرخون المعاصرون، خصوصا مع كثرة خصوم ابن تيمية وشدة تتبعهم لكلامه، فكيف تنفرد بها رحلة يغلب عليها الطابع القصصي والعجائبي؟
نقد رحلة ابن بطوطة من جهة التوثيق
ليست رحلة ابن بطوطة كتاب حديث او تاريخ يعتمد عليه في نقل العقائد والوقائع الكبرى دون تمحيص، بل تكلم العلماء كثيرا في اخطائها وغرائبها.كما ان الرحلة لم تصلنا بخط ابن بطوطة نفسه، بل كتبها وصاغها ابن جزي الكلبي، وقد صرح في مقدمتها بانه نقل المعاني وصاغ الالفاظ.
وقد نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني ان بعض العلماء كالإمام البلقيني كان يتهم ابن جزي بالكذب والوضع.
فكيف يجعل مثل هذا النقل المضطرب حجة في عقائد المسلمين والطعن في ائمة الاسلام؟
عقيدة ابن تيمية الحقيقية في الصفات
من يقرأ كتب ابن تيمية مباشرة يعلم يقينا ان الرجل من ابعد الناس عن التشبيه والتجسيم.فقد كان يقرر دائما قول الله تعالى:﴿ ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ﴾
ويؤكد ان صفات الله تثبت بلا تمثيل ولا تكييف ولا تشبيه.
قال ابن تيمية:“من قال ان الله مثل بدن الانسان او ان الله يماثل شيئا من المخلوقات فهو مفتر على الله”.
وهذا نص صريح في نفي التجسيم عنه
كما بسط مذهبه في كتاب شرح حديث النزول، وقرر فيه مذهب السلف القائم على اثبات الصفات كما جاءت مع تنزيه الله عن مشابهة المخلوقات.
ولذلك قال العلامة ابراهيم الكوراني:
“ابن تيمية ليس قائلا بالتجسيم… بل هو على مذهب السلف من الايمان بالمتشابهات مع التنزيه”.
و قال الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي قال:
“بحثت طويلا كي اجد الكلمة التي تدل على تجسيده فلم اجد كلاما في هذا قط”.
لماذا انتشرت هذه التهمة؟
لم يكن الخلاف مع ابن تيمية خلافا يسيرا، بل كان رجلا قويا في تقرير مذهبه، شديدا في الرد على خصومه من المتكلمين والفلاسفة والباطنية، فاجتمع عليه طوائف كثيرة. وحين يعجز الخصم عن اسقاط الحجة، يلجأ الى اسقاط صاحبها.
قال الشاعر:
قد تنكر العين ضوء الشمس من رمد وينكر الفم طعم الماء من سقم
فلم يكن ابن تيمية اول عالم اتهم، ولن يكون اخر من ناله الافتراء.


