أضحية ١٢٤ هـ

 أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما

هذه الكلمات الصارمة التي خطب بها الأمير خالد بن عبد الله القسري الناس يوم عيد الأضحى سنة ١٢٤ هـ، كانت و ما زالت ذريعة حاول أهل البدع والتشنيع استغلالها للطعن في أهل الحق، حيث ألبسوا الحادثة ثوب الوحشية و التصفيات السياسية، مغيبين الحقيقة الشرعية والتاريخية.



دعوى الوحشية والتمثيل بالبشر في يوم العيد

يزعم أصحاب هذه الشبهة أن ذبح الجعد بن درهم أسفل المنبر يوم عيد الأضحى يمثل مشهدا وحشيا، وتجردا من الإنسانية، وتحويلا للإنسان إلى "أضحية" يتقرب بها كبهيمة الأنعام.


إن إطلاق لفظ "الأضحية" أو التضحية بالجعد هنا ليس حقيقة شرعية، فالأضحية في الفقه الإسلامي عبادة مخصوصة ببهيمة الأنعام كالإبل والبقر والغنم، يؤكل لحمها ويتصدق به. 


وما فعله الأمير خالد القسري لم يكن نسكا تعبديا بذات الجعد، بل هو من باب المشاكلة اللفظية في البلاغة العربية، وهي ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته. فلما كان الناس يتقربون إلى الله في ذلك اليوم بذبح الأضاحي المشروعة، بين الأمير أنه يتقرب إلى الله بامتثال أمره في إقامة الحد الشرعي (حد الردة) على من أفسد عقائد المسلمين.ومن أصح الشواهد على ذلك، قول شاعر الرسول ﷺ حسان بن ثابت رضي الله عنه، واصفا مقتل الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه برصاص البغي والتطرف في أيام التشريق:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به    يقطع الليل تسبيحا وقرآنا

فهل فهم أحد من الصحابة أو التابعين أن قتلة عثمان اعتبروه "أضحية" شرعية؟ 
قطعا لا، وإنما هو تعبير بلاغي عن وقت وقوع الحادثة في أيام النحر


دعوى أن القتل كان تصفية سياسية لمعارضي بني أمية

يزعم البعض أن الجعد بن درهم كان مفكرا أو معارضا سياسيا، وأن الدولة الأموية تخلصت منه تحت غطاء ديني.


لم يكن الخلاف بين الجعد والدولة الأموية خلافا على خراج، أو بيعة، أو سياسة. بل كان خلافا في أصل الإسلام. 

الجعد هو أول من أظهر التعطيل ونفي صفات الله، وهذه البدعة لم تكن رأيا عابرا، بل امتدادا لفكر يهودي. فقد تتبع العلماء سند بدعته فوجدوا أن الجعد أخذها عن بيان بن سمعان، عن طالوت، عن خاله لبيد بن الأعصم اليهودي (وهو من مجتمع اليهود الذين حاربوا النبي ﷺ وسحروه). فجذر هذه البدعة يعود تاريخيا إلى كيد اليهود لطمس حقائق الوحي وتكذيب القرآن الذي يقول {واتخذ الله إبراهيم خليلا} و {وكلم الله موسى تكليما}. فمن كذب نص القرآن صراحة واعتبره مجازا أو لغوا، فقد انخلع من الإسلام بإجماع المسلمين.


ثم إن الجعد لم يؤخذ على حين غرة، بل ناظره ووعظه علماء عصره كالإمام ميمون بن مهران. وهرب إلى الكوفة، وقبض عليه بأمر مباشر من الخليفة هشام بن عبد الملك بعد أن ثبتت زندقته واستتيب فأبى الرجوع، كما أنه لم يقتل غيلة ولا غدرا، بل قتل صبرا. وهو حكم المرتد والزنديق في الإسلام إذا رفض التوبة وأصر على نشر بدعته الكفرية. وكان ذلك بيد السلطان ، وليس فوضى من آحاد الناس، فكان قتله حماية لجناب الدين لا حماية لكرسي الخلافة. 


و لو سلمنا أن القتل كان سياسيا لوجدت علماء التابعين ينكرون على خالد القسري أو يعتزلونه كما أنكروا على الحجاج بعض مظالمه السياسية. لكن الذي حدث هو العكس تماما فقد سطر أئمة السلف شكرهم ودعاءهم لخالد القسري في كتب العقائد والتواريخ. وقد صاغ الإمام ابن القيم هذا الثناء التاريخي في كافيته، قائلا:
ولأجل ذا ضحى بجعد خالد الـ     قسري يوم ذبائح القربان
شكر الضحية كل صاحب سنة      لله درك من أخي قربان


دعوى الانفراد بالقرار وغياب العدالة الشرعية

يقال إن خالد القسري تصرف بمفرده ودون استناد إلى مرجعية شرعية واضحة في ذلك الوقت.


الحادثة وقعت في مجمع من الناس وفي زمن كان يعج بعلماء التابعين وأئمة الإسلام كالحسن البصري، وميمون بن مهران، وخالد بن معدان، وغيرهم. ولم يؤثر عن عالم واحد منهم إنكار هذا الفعل أو تخطئته، بل اعتبروه من مناقب خالد القسري التي ذكرت في ترجمته في كتب الجرح والتعديل والتاريخ، كـ البداية والنهاية لابن كثير، وخلق أفعال العباد للإمام البخاري.



وختاما، يتضح جليا أن قصة مقتل الجعد بن درهم لم تكن يوما جريمة سياسية أو تصرفا همجيا، بل كانت حدا شرعيا أقيم بحق وبإجماع علماء الأمة لحماية عقيدة المسلمين من التحريف والزندقة المستوردة. فالحمد لله الذي قيض لهذا الدين حماة يذودون عن حياضه، ويثبتون أركان توحيده أمام عواصف البدع والضلالات.