طبخ رأس مالك بن نويرة

 واحدة من أشهر الروايات التي يثيرها الرافضة في كتبهم للطعن في الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه، ومن خلاله الطعن في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه الذي لم يقتص من خالد بل اعتذر عنه.


زعم الشيعة ووصفهم للحادثة

يستند الشيعة إلى بعض الروايات التاريخية التي وردت في كتب التاريخ السنية مثل تاريخ الطبري والبداية 

والنهاية لابن كثير كأخبار مرسلة ليقرروا الآتي:

  • اتهام خالد بالغدر والشهوة

يزعمون أن خالد بن الوليد قتل مالك بن نويرة طمعا في زوجته أم تميم، وتزوجها في نفس ليلة مقتله دون استبراء للرحم.

  • التمثيل بالجثة (الطبخ)

يزعمون أن خالد أمر بقطع رأس مالك بن نويرة وجعل رؤساء قومه أثافي للقدور التي طبخ فيها طعام الجيش لتخويف الناس وإرهابهم.

  • موقف أبي بكر

يزعمون أن عمر بن الخطاب طلب من أبي بكر الصديق أن يقتل خالد بمالك، أو يعزله، لكن أبا بكر رفض وقال: "تأوّل فأخطأ، فارفع لسانك عن خالد، فإني لا أشيم سيفاً سله الله على الكفار".


سبب قتل مالك بن نويرة

أجمع محققو أهل السنة على أن خالد بن الوليد لم يقتل مالك بن نويرة إلا بعد أن ثبتت عنده قرائن قوية على ردته ومنعه للزكاة، لما مات النبي ﷺ، حبس مالك بن نويرة الإبل والصدقات عن المدينة وقسمها في قومه وقال شعراً يتبجح بـ منع أمواله، وتضامن مع سجاح الدجالة التي ادعت النبوة.و لمّا جادله خالد بن الوليد في الزكاة، قال مالك: "إني لآتي بالصلاة دون الزكاة"، وقال عن النبي ﷺ: "إن صاحبكم كان يزعم ذلك" (فلم يقل رسول الله، بل قال صاحبكم، فاستشف خالد تنصله من الإسلام).


هناك رواية تفيد بأن خالد قال في ليلة باردة: "أدفئوا أسراكم"، وكانت هذه اللفظة في لغة كنانة تعني "اقتلوهم"، فقتلوهم خطأ. وفي كلتا الحالتين، إما أن خالد قتله لردته عنده، أو قتله الجيش خطأ بسبب تأويل اللفظ.


هل تزوجها في نفس الليلة؟ 

هذا باطل شرعاً وعقلاً، فخالد بن الوليد فقيه وصحابي ويعلم أحكام الإسلام، والعلماء أكدوا أنه لم يدخل بها إلا بعد انقضاء عدتها واستبرائها. كما ان الأمر لم يكن شهوة شخصية كما يصور، بل كان من عادة العرب سبي نساء المرتدين، وتزوجها خالد تشريفا لها وحماية وتأليفا لقلوب قومها بعد انكسارهم، وهو أمر مألوف في مغازي الصحابة.


طبخ رأس مالك

القول بأن الرأس طبخ أو جعل أثفية ونضج الطعام عليه هو أمر مستحيل عقلا، فبشرة الإنسان ولحمه وشعره يترمد ويحترق بسرعة ولا يثبت كالحجر لتوضع عليه القدر لساعات حتى ينضج الطعام!

كما ان الروايات التي ذكرت هذه التفاصيل البشعة في تاريخ الطبري جاءت من طريق أبو مخنف وهو إخباري شيعي محترق، متروك الحديث عند المحدثين. 



أو من طريق سيف بن عمر التميمي وهو ضعيف في الحديث. 




والعلماء كابن كثير وابن تيمية يسوقون هذه الروايات في كتب التاريخ من باب جمع ما قيل، وليس تصحيحا لها.

و الرواية الأقرب للواقع التاريخي هي أن خالد أمر بوضع رؤوس القتلى (وكانوا مرتدين في نظره) مع الحجارة ليلا كعلامة لضبط عدد القتلى أو لترهيب بقية المرتدين في بيئة حرب، وليس لطبخ الطعام عليها كحطب وأثافي.


موقف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما

أنكر عمر على خالد بناء على الأخبار التي وصلته في المدينة ولحرصه الشديد على الدماء، وظن أن خالد استعجل في القتل قبل التثبت التام.

استدعى أبو بكر خالد وحقق معه، فتبين لأبي بكر أن خالد "تأول فأخطأ" (أي اجتهد في ساحة الحرب وظن الرجل مرتدًا فقتله). 

وفي الفقه الإسلامي: القائد أو المجتهد إذا أخطأ في القتل في دار الحرب لا يقاد به (لا يُقتل قصاصاً)، بل تدفع الدية من بيت مال المسلمين، وهذا ما فعله أبو بكر بالضبط، حيث دفع دية مالك بن نويرة ورد السبي.



خلاصة قول الإمام ابن تيمية في "منهاج السنة النبوية":

"ومالك بن نويرة كان ممن منع الزكاة بلا ريب... وخالد بن الوليد كان سيفاً سله الله على المرتدين، وإذا كان قد وقع منه خطأ في القتل -كما وقع من أسامة بن زيد حين قتل من قال لا إله إلا الله- فإن ذلك لا يخرجه عن الإيمان ولا يسقط فضله وجهاده، وأبو بكر الصديق كان أعلم بالله ورسوله وبأحكام الشريعة من أن يقتل مسلماً بقود (قصاص) في مثل هذه الشبهة".