الشيطان يفر من عمر ولا يفر من رسول الله ﷺ

 بسم الله الرحمن الرحيم 

والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، و على آله وصحبه و أمهات المؤمنين.


أما بعد، فإن من عادة أهل الأهواء أنهم إذا عجزوا عن الطعن في أصول الدين، اتجهوا إلى حملة الدين، ولهذا لم يزل الرافضة يشنعون على أصحاب رسول الله ﷺ، وفي مقدمتهم الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، الذي أعز الله به الإسلام، وأذل به الشرك والأوثان.


يقولون كيف تفر الشياطين من عمر رضي الله عنه، ولا تفر من رسول الله ﷺ؟



الحديث وصحته

ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه:

"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ". 

رواه البخاري (٣٢٩٤) ، ومسلم (٢٣٩٦) .



زعم الرافضة أن هذا الحديث يقتضي:

  1. أن عمر رضي الله عنه أقوى من رسول الله ﷺ على الشيطان.
  2. وأن الشيطان كان يدخل بيت النبي ﷺ ولا يفر منه.
  3. وأن أهل السنة يثبتون لعمر مقامًا فوق الأنبياء.


حال النبي ﷺ أكمل وأعظم من حال عمر رضي الله عنه


إن فرار الشيطان من عمر ليس أعظم من تسخير الله الشيطان للنبي ﷺ وإذلاله بين يديه.

فقد ثبت أن النبي ﷺ قال:"إنَّ الشَّيطانَ عَرَضَ لي، فشَدَّ عليَّ لِيَقْطَعَ الصَّلاةَ عليَّ، فأَمْكَنَني اللهُ تعالى منه، فذَعَتُّهُ، ولقد هَمَمْتُ أنْ أُوثِقَهُ إلى ساريةٍ حتَّى تُصبِحوا فتَنظُروا إليه، فذكَرْتُ قولَ سُلَيمانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، فرَدَّهُ اللهُ خاسِئًا".

رواه البخاري (١٢١٠)،و مسلم (٥٤١).


كما أن الله تعالى أمكن نبيه الأمين من شيطانه ، وأقدره عليه ، فأسلم ، وسلم النبي صلى الله عليه وسلم من شره وأذاه .قال ﷺ:"ما مِن أحَدٍ إلَّا وقد وُكِّلَ به قَرينُه مِن الجِنَّ، قالوا: وأنتَ يا رسولَ اللهِ؟ قال: وأنا، إلَّا أنَّ اللهَ أعانَني عليه، فأسلَمَ، فليس يَأمُرُني إلَّا بخيرٍ".

رواه صحيح مسلم (٢٨١٤)، ومسند أحمد (٤٣٩٢)


قال ابن القيم رحمه الله في "طريق الهجرتين" صـ٢٢٨

" ولهذا كان حال النبي صلى الله عليه وسلم في قهره قرينه ، حتى انقاد وأسلم له ، فلم يكن يأْمره إلا بخير : أكمل من حال عمر ؛ حيث كان الشيطان إذا رآه يفر منه ، وكان إذا سلك فجا سلك ، غير فجه.


وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور ، وهو: كيف لا يقف الشيطان لعمر ، بل يفر منه، ومع هذا قد تفلَّت على النبي صلى الله عليه وسلم ، وتعرض له وهو في الصلاة ، وأَراد أن يقطع عليه الصلاة؟ ومعلوم أن حال الرسول أكمل وأقوى ؟

والجواب : ما ذكرناه ؛ أَن شيطان عمر كان يفر منه ، فلا يقدر أحدهما على قهر صاحبه، وأَما الشيطان الذى تعرض للنبي صلى الله عليه وسلم : فقد أخذه وأسره ، وجعله في قبضته كالأَسير.

وأَين من يهرب منه عدوه ، فلا يظفر به ، إلى من يظفر بعدوه ، فيجعله في أَسره وتحت يده وقبضته ؟!"



الشيطان لا يطمع في النبي ﷺ أصلا


الشيطان كان يعلم أنه لا سبيل له على النبي ﷺ، ولا مطمع له فيه، فلم يكن يشتغل بمحاولة فتنته أصلا.أما عمر رضي الله عنه، فكان شديدا على الشيطان، قويا في مجاهدته، فكان الشيطان يفر من طريقه خوفا من بأسه وقوة إيمانه.فالنبي أعلى مقاما من أن يكون الشيطان ندا له أو خصما يقف أمامه، بل كان ﷺ لا يبالي به أصلا.


قال أبو بكر الكلابذي في "بحر الفوائد" صـ٢١٣  

" ويجوز أن يكون الشيطان كان يخاف عمر ، ولا يخاف النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لو خاف النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل خوفه منه وهيبته إياه من أحد وجهين : إما خوف إجلال وتعظيم ، وهو فضيله ، والشيطان أبعد شيء من الفضائل ، أو يكون خوف عقوبة يحلها به ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعاجل بالعقوبة استخفافا به ، وقلة مبالاة ، إذ لم يكن صلى الله عليه وسلم يخاف فتنته ، ولا يهاب وسوسته ، وقد أيس الشيطان من ذلك ، فلا يوسوس إليه ، ولا يقرب منه ، وأمن عقوبته ، فلم يهبه اغترارا به ، وأمنًا من مكر الله ، وهما من صفاته ، أعني الاغترار بالله ، وأمن مكره .

وأما عمر رضي الله عنه فإنه كان يخاف الشيطانَ أن يفتنه ، ويوسوس إليه ، فكان يناصبه ، ويستعد له ، ويُنصر عليه ،فكان الشيطان يخافه لاستعداده له ، ومناصبته إياه ، فكان يترك فجه ، وسبيله حذرا منه .

وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يبالي به ، ولا يتفكر فيه ، استخفافا به ، واستصغارا له ، كأنه ليس بشيء...

ألا ترى إلى ما روي في الحديث : ( إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصاص ) ، هذا فيمن لم يقصد ، فكيف بمن يقصد له ، ذاكرا لله ، مستعيذا به منه .


غير أن الأنبياء عليهم السلام ، والأكابر ممن دونهم لا يبالونه ، ولا يتفكرون فيه ، فهو يأمنهم اغترارا بالله ، فيدنو منهم يروم منهم ما يروم من غيرهم فلا يضرهم ، يضر نفسه ، كمثل الفراش يأمن النار فيدنو منها فيحرق نفسه ".



تناقض الرافضة في هذه الشبهة


العجيب أن الرافضة ينكرون هذا الحديث بزعم أنه يرفع عمر فوق مقام البشر، بينما تمتلئ كتبهم بروايات أغرب وأشنع، تجعل إبليس نفسه محبا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه.









ينكرون فرار الشيطان من عمر، ثم يروون محبة الشيطان لعلي، ويعدون ذلك فضيلة!

فأي الروايتين أولى بالإنكار؟

أن يهرب الشيطان من رجل صالح هيبة له، أم أن يدعي إبليس مودة إمام معصوم بزعمهم؟



بلاغة المفارقة في موقف الرافضة


الرافضة هنا كمن يطعن في ضوء الشمس لأنه أبهر عينيه، ثم يرضى بظلام السرداب لأنه وافق هواه.

فهم يستكثرون على الفاروق أن يفر الشيطان منه، مع أن القرآن نفسه أثبت أن الشيطان يضعف أمام عباد الله المخلصين، قال تعالى:﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾.

فإذا كان المؤمن الصادق تدفع عنه وسوسة الشيطان، فما الظن بعمر الذي قال فيه النبي ﷺ:"لو كان من بعدي نبيٌّ لكان عمرُ بنُ الخطاب".


وقد قال فيه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر".


فإذا كان أهل الباطل يفرون من صولته في الدنيا، فما المانع أن يفر الشيطان من طريقه؟