" أبرأ إلى الله منهم "
شهدت صفحات التاريخ بعدة فرق حاولت الاحتماء بأسماء كبار السلف، طلبا للقبول و اكتساب الشرعية. مثل فرقة الإباضية التي تنسب مذهبها الى التابعي جابر بن زيد رحمه الله.لكن النصوص الثابتة، وأقوال الأئمة، بل وتصريح جابر بنفسه تدل على عكس ذلك، حيث تثبت براءته من مذهبهم. و كما قيل:
و كلٌ يدعي وصلاً بليلى و ليلى لا تقر لهم بذاكا
التعريف بالإمام جابر بن زيد ومكانته عند السلف
هو الإمام الحافظ الفقيه أبو الشعثاء جابر بن زيد الأزدي اليحمدي البصري، من كبار التابعين، ومن أعلام أهل العلم في عصره. كان من أخص تلاميذ عبد الله بن عباس، حتى قيل إنه من أعلم الناس بفتاويه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما:
"لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ نَزَلُوا عِنْدَ قَوْلِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، لأَوْسَعَهُمْ عِلْمًا عَنْ كِتَابِ اللَّهِ عز وجل. وَرُبَّمَا قَالَ عَمَّا فِي كِتَابِ الله عز وجل."
" الجرح والتعديل" (2 / 494 – 495).
وقال عبد الله بن عمر:
"يا جَابِر إنك من فقهاء أهل البصرة، وستستفتى ؛ فلا تفتين إلا بكتاب ناطق ، أو سنة ماضية "
"التاريخ الكبير" (2 / 205).
فهذه المنزلة العظيمة هي التي جعلتهم يطمعون في الانتساب إليه.
لكن الحقائق لا تتغير بالدعاوى، والانتساب المجرد لا يثبت شيئا.
كيف نشأت دعوى انتساب الإباضية إلى جابر بن زيد؟
إن المتتبع لكتب الإباضية القديمة يجد بوضوح أن اسم الفرقة منسوب إلى عبد الله بن إباض، وأنه هو الذي كانت تدور عليه الدعوة في بدايتها.
قال بعض مؤرخيهم:
"رأس القوم و إمامهم".
“عبد الله بن إباض رأس العقد وإمام القوم”.
“هو إمام الطريق وجامع الكلمة”.
و لهذا عرفت الفرقة منذ نشأتها بالإباضية و ليس الجابرية.
فالمتقدمون منهم لم يتحرجوا من نسبة المذهب إلى ابن إباض، ولم يزعموا أن جابر هو المؤسس الحقيقي.لكن لما أدرك المتأخرون أن عبد الله بن إباض ليس له تلك المنزلة العلمية الكبرى عند أهل السنة، وأن عامة المسلمين يعظمون جابر بن زيد ويعرفونه إماما من أئمة التابعين بدأوا يحاولون تحويل مركز التأسيس من ابن إباض إلى جابر.
شهادة علماء عصره ببرائته من الإباضية
قال علاء الدين مغلطاي رحمه الله :
" وقال أبو عمر بن عبد البر(عن جابر بن زيد) : كان أحد الفقهاء العلماء الفضلاء، أثنى عليه ابن عباس بالعلم، وحسبك بذلك،انتحلته الإباضية، وادعته وأسندت مذهبها إليه .
قال ابن سيرين: قد برأه الله تعالى منهم."
"إكمال تهذيب الكمال" (3 / 122 – 123).
وقال الإمام البخاري رحمه الله:
" وَقَالَ لنا علي حَدَّثَنَا سُفْيَانُ: قلت لعمرو: سمعت من أَبِي الشعثاء من أمر الإباضية ، أو شيئا مما يَقُولُون؟
فَقَالَ: ما سمعت منه شيئا قط، وما أدركت أحدا أعلم بالفتيا من جَابِر بْن زيد "
" التاريخ الكبير" (2 / 204)
وقال يعقوب بن سفيان الفسوي:
" حَدَّثَنَا أبو بكر الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قَالَ: مَا عَلِمْتُ مِنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ رَأْيَ الْإِبَاضِيَّةِ قَطُّ، وَلَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ "
" المعرفة والتاريخ" (2 / 13).
فهؤلاء أئمة الحديث والآثار، وهم أعلم الناس بأقوال الرجال ومذاهبهم، وقد نفوا عنه مذهب الإباضية نفيا صريحا.
تصريح جابر بن زيد نفسه بالبراءة من الإباضية
روى ابن أبي حاتم بسند حسن،:
قال" أخبرنا أحمد بن سنان عن عبد الرحمن بن مهدي عن أبي هلال عن داود عن عزرة قال: دخلت على جابر بن زيد، فقلت: إن هؤلاء القوم ينتحلونك - يعني الإباضية - ؟
قال: أبرأ إلى الله عز وجل من ذلك "
"الجرح والتعديل" (2 / 495)
رواه ابن سعد في الطبقات الكبرى:
" قال: أخبرنا سعيد بن عامر، وعفان بن مسلم قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن عزرة قال: قلت لجابر بن زيد: إن الإباضية يزعمون أنك منهم.
قال: أبرأ إلى الله منهم .
قال سعيد في حديثه: ( قلت له ذلك وهو يموت ) "
"الطبقات الكبرى" (7 / 181)
وهذا غاية ما يكون من البيان، فإن الرجل لا يتبرأ من شيء إلا وهو مخالف له.
ولو لم يكن في المسألة إلا هذا الأثر لكفى في إبطال دعوى الإباضية.
الفرق بين منهج جابر بن زيد ومنهج الإباضية
ومن أعظم ما يبين بطلان هذه النسبة اختلاف الأصول و المعتقدات. فالإباضية لهم أصول مشهورة، كالقول بتخليد مرتكب الكبيرة في النار، و الطعن في جماعة من الصحابة، و نفي بعض صفات الله أو تأويلها.
فأين ثبت شيء من ذلك عن جابر؟
بل المعروف عنه تعظيمه للصحابة، وأخذه العلم عنهم، وإكثاره الرواية عنهم.
ولو كان حاملا لعقيدة الخوارج لاشتهر ذلك كما اشتهر عن نافع بن الأزرق وغيره من رؤوس الخوارج.
ثم إن كتب التراجم والحديث نقلت فقه جابر ومسائله، ولم تنقل عنه أصول الإباضية العقدية.وهذا من أقوى الأدلة، لأن العقائد لا تخفى، خاصة إذا كان صاحبها إماما مشهورا.
هل مجرد جلوس بعض الإباضية إلى جابر يجعله منهم؟
قد يحتج بعضهم بأن جابر عاش في البصرة، وأن بعض الإباضية كانوا يجالسونه أو يأخذون عنه.وهذا لا حجة فيه.فكم من مبتدع جلس إلى عالم من أهل السنة ثم خالفه؟
فالخوارج جلسوا إلى علي بن أبي طالب، والروافض أخذوا عن جعفر الصادق، والمعتزلة حضروا مجالس علماء الحديث، ولم يجعلهم ذلك من أهل السنة.فالعبرة ليست بالمجالسة، وإنما بالموافقة في الأصول والمعتقد.وقد صرح جابر نفسه بالبراءة منهم، فسقط الاحتجاج بكل ما سواه.
الخاتمة
إذا جاء نهر الله بطل نهر معقل. فإذا ظهرت النصوص، و ثبتت الآثار، و نطق الإمام جابر بالبراءة من الاباضية، لم يبق لدعوى أي منتسب وزن ولا اعتبار.