هل خدع عمرو بن العاص ابا موسى الاشعري ؟

 تعد حادثة التحكيم بعد معركة صفين من اشهر الحوادث السياسية في التاريخ الاسلامي، وقد تناولتها كتب التاريخ والادب والسير بكثرة، حتى غلبت الرواية المشهورة على اذهان الناس، وهي الرواية التي تصور ابو موسى الاشعري رجلا ساذجا خدعه عمرو بن العاص بدهائه السياسي.ومع كثرة تداول هذه القصة، الا ان اهل التحقيق من العلماء والمحدثين بينوا ضعفها، وانها من الروايات التي دخلها التحريف و المبالغة



نص الرواية المشهورة وسندها


ذكر تاريخ الطبري الرواية فقال:“قال ابو مخنف: حدثني المجالد بن سعيد، عن الشعبي، عن زياد بن النضر الحارثي، ان عليا بعث ابا موسى الاشعري، وبعث معاوية عمرو بن العاص، فاجتمعا بدومة الجندل…”


ثم جاء في الرواية:

“فقال ابو موسى: يا ايها الناس، انا قد نظرنا في امر هذه الامة، فلم نر اصلح لامرها، ولا الم لشعثها، من امر قد اجتمع رأيي ورأي عمرو عليه، وهو ان نخلع عليا ومعاوية، ونستقبل هذا الامر شورى بين المسلمين، وقد خلعت عليا ومعاوية.ثم قام عمرو بن العاص فقال: ان هذا قد قال ما سمعتم، وقد خلع صاحبه، وانا اخلع صاحبه كما خلعه، واثبت صاحبي معاوية، فانه ولي عثمان والطالب بدمه، واحق الناس بمقامه”.



لماذا انكر العلماء هذه الرواية؟


  • سند الرواية

مدار الرواية على ابو مخنف لوط بن يحيى، وهو من اكثر الرواة الذين اعتمد عليهم المؤرخون في اخبار الفتن، لكن اهل الحديث ضعفوه جدا.

قال يحيى بن معين:“ليس بثقة”.

وقال ابو حاتم الرازي:“متروك الحديث”.

وقال الدارقطني:“ضعيف”.

وقال ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان:“اخباري تالف، لا يوثق به”.

وقال الذهبي في ميزان الاعتدال:“شيعي محترق”.




اما المجالد بن سعيد ففيه ضعف ايضا، وقد تكلم فيه الحفاظ.




وبذلك تكون الرواية ضعيفة من جهة السند، لا تقوم بها حجة في قضية خطيرة كهذه.


  • تخالف مكانة ابي موسى الاشعري

تصور الرواية ابا موسى رجلا مخدوعا ساذجا، بينما الثابت تاريخيا انه من كبار الصحابة فقها وعلما وقضاء.

وقد ولاه النبي ﷺ بعض الاعمال، ثم استعمله عمر بن الخطاب على البصرة والكوفة.

وقال فيه النبي ﷺ:“لقد اوتي مزمارا من مزامير آل داود”.

فكيف يكون رجل بهذه المنزلة ساذجا الى هذا الحد؟


ولهذا قال ابن العربي المالكي:

“وزعمت الطائفة التاريخية الركيكة انه كان ابله ضعيف الرأي مخدوعا، وهذا كله كذب صراح”.


  •   معاوية لم يكن خليفة

من اهم اسباب رد الرواية ان معاوية بن ابي سفيان لم يكن يوم التحكيم خليفة للمسلمين اصلا، ولم يبايع بالخلافة بعد.

فكيف يقال ان عمرا “اثبته” خليفة؟


قال الشيخ محب الدين الخطيب:

“اصل المغالطة ان معاوية لم يكن خليفة حتى يحتاج عمرو الى خلعه او اثباته”.

ثم قال:

“فعمرو لم يغالط ابا موسى ولم يخدعه، لانه لم يعط معاوية شيئا جديدا”.


  • الرواية توافق اهواء الفرق

وجدت بعض الفرق كالخوارج والشيعة في هذه الرواية مادة للطعن في الصحابة، فبالغوا في نشرها.

فالخوارج جعلوا التحكيم دليلا على كفر علي ومعاوية، ورفعوا شعار:“لا حكم الا لله”.

وبعض الغلاة استغل الرواية للطعن في دهاء عمرو وعدالة الصحابة.


ولهذا قال ابن تيمية:

“كثير من المنقولات في الفتن كذب، وقد زاد فيها اهل الاهواء ونقصوا”.



الثابت في قضية التحكيم


الثابت تاريخيا ان الفريقين لما كثر القتل بين المسلمين اتفقوا على التحكيم حقنا للدماء.

فاختار اهل العراق ابا موسى، واختار اهل الشام عمرو بن العاص. وكان المقصود من التحكيم النظر في مصلحة المسلمين، والسعي لايقاف القتال، لا تعيين خليفة جديد بالطريقة التي صورتها الروايات المشهورة.


وقد نقل ابن العربي المالكي رواية اقرب للصواب، وفيها:

“قال عمرو لابي موسى: ما ترى في هذا الامر؟

قال: ارى انه في النفر الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض”.


اي ان الامر يرد الى كبار الصحابة واهل الشورى.



في الختام يتبين ان القصة المشهورة القائمة على خداع ابي موسى الاشعري لا تثبت من جهة السند، وان اصلها يدور على رواة ضعفاء متهمين، كما ان متنها مضطرب ويخالف الحقائق التاريخية.وقد انكرها كثير من اهل العلم، وبينوا ان التحكيم كان محاولة لايقاف الفتنة وحقن دماء المسلمين، لا مسرحية سياسية كما صورتها بعض كتب الاخبار.