الإمام النسائي يبغض معاوية
تتلخص الشبهة في دعوى أن الإمام النسائي امتنع عن ذكر فضائل معاوية حين سئل عنه في الشام، واستعماله عبارة "ألا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل؟"، ويرون في اقتصاره على تصنيف كتاب "خصائص علي" دليلا على هذا البغض المزعوم، متخذين من ذلك وسيلة للطعن في دينه وتعديله للرجال.
معتقد الإمام النسائي الصريح في معاوية والصحابة
لم يثبت عن الإمام النسائي أي نص يدل على بغض معاوية، بل الثابت عنه هو العكس تماما.
فقد روى الحافظ ابن عساكر بإسناده عن أبي علي الحسن بن أبي هلال قال: سئل أبو عبد الرحمن النسائي عن معاوية بن أبي سفيان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:
"إنما الإسلام كدار لها باب، فباب الإسلام الصحابة، فمن آذى الصحابة إنما أراد الإسلام، كمن نقر الباب إنما يريد دخول الدار، قال: فمن أراد معاوية فإنما أراد الصحابة".
وهذا نص قاطع يثبت أن النسائي يرى معاوية بابا للإسلام وسورا له، وأن الطعن فيه طعن في الدين نفسه.
توجيه مقولته في دمشق ودلالة روايته عنه
إن عبارة النسائي "ألا يرضى معاوية رأسا برأس حتى يفضل؟" ليس فيها ذم لمعاوية ولا بغض له، وإنما أراد بها الكف عن الخوض في التفضيل والمشاحنات السياسية التي كانت مجتمعة في الشام آنذاك، ممتثلا لقوله تعالى: "تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون".
والدليل العملي القاطع على محبته لمعاوية واعتماده لعدالته وصحبته، هو إخراجه لأحاديثه في سننه والاحتجاج بها في مواضع كثيرة، ومنها:
- روايته عن مجمع بن يحيى الأنصاري في كتاب الأذان، وفيه قوله: "حدثني هكذا معاوية بن أبي سفيان عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم".
- روايته عن معاوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اشفعوا تؤجروا".
- روايته عن سعيد المقبري قال: "رأيت معاوية بن أبي سفيان على المنبر ومعه في يده كبة من شعر... إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أيما امرأة زادت في رأسها شعرا ليس منه فإنه زور تزيد فيه".ولو كان النسائي يبغضه أو يطعن في دالته لما استجاز الرواية عنه والاحتجاج بحديثه في سننه التي تحرى فيها أشد التحري.
سبب تأليف كتاب "خصائص علي" وثبوت فضائل معاوية
أما احتجاجهم بتأليفه كتاب الخصائص لعلي دون معاوية، فقد كفانا النسائي مؤونة الرد وأفصح عن السبب بنفسه حيث قال: "دخلت إلى دمشق والمنحرف عن علي بها كثير، فصنفت كتاب الخصائص رجاء أن يهديهم الله عز وجل بهذا الكتاب". فالكتاب صنف لعلاج عارض ومرض وجده في أهل دمشق وهو الانحراف عن آل البيت، ولم يكن دافعه الغض من غيره، بل صنف النسائي بعد ذلك كتابا في فضائل الصحابة وقرأه على الناس.
أما فضائل معاوية فهي ثابتة ومستقرة في الشريعة، والنسائي من أعلم الناس بها، كشهوده حنين ودخوله فيمن وعدهم الله الحسنى في قوله: "وكلا وعد الله الحسنى"، ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له: "اللهم اجعله هاديا، مهديا، واهد به"، وقوله: "اللهم علم معاوية الكتاب والحساب وقه العذاب".