هل كشف عمرو بن العاص عن عورته ؟

 بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.


قال أبو فراس الحمداني:


هو الموت فاختر ما علا لك ذكره      فلم يمت الإنسان ما حيي الذكر

ولا خير في دفع الردى بمذلة            كما ردها يوما بسوأته عمرو


والمقصود في هذا البيت هو الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه

 أحد دهاة العرب وقادة الإسلام، الملقب بأرطبون العرب.


إلا أن أبا فراس الحمداني المعروف بتشيعه أساء إلى الصحابي رضي الله عنه، فبنى هذا البيت على رواية تذكر في أحداث صفين، تزعم أن عمرو بن العاص كشف عن عورته اتقاء للقتل. ثم جعلها مادة للطعن والانتقاص، مع أن مقام الصحابة رضي الله عنهم أجل وأعظم من أن يتناول بمثل هذا الأسلوب.



الرواية الأولى


جاء هذا الخبر مسندا في كتاب وقعة صفين لنصر بن مزاحم المنقري صـ٤٠٧.






ونصر بن مزاحم من غلاة الشيعة ، وهو واهي الحديث ، حديثه ليس بشيء .





الرواية الثانية


وذكر الخبر أيضا أبو المظفر يوسف بن قزعلي الملقب سبط ابن الجوزي في كتابه

 "مرآة الزمان في تواريخ الأعيان"صـ٢٠٧.






و صاحب الكتاب يوسف بن قزعي سبط ابن الجوزي رافضي ضعيف جدا.





كما أن الراوي متروك عند اهل الحديث، بل متهم بالكذب .





الرواية الثالثة


وجاء الخبر أيضًا في كتاب "المحاسن والمساوئ" لإبراهيم بن محمد البيهقي صـ٥٣.




وهذا أيضا خبر لا يصح، فصاحب الكتاب إبراهيم بن محمد البيهقي مجهول ، كما أنه لم يدرك الشعبي رحمه الله ، فالشعبي ولد عام 19 وتوفي سنة 104 هجري ، وأما إبراهيم هذا فكان في خلافة المقتدر سنة 295 هجري حتى سنة 320 هجري.





خاتمة

وبعد النظر في اسانيد هذه القصة ومصادرها، يتبين انها لا تثبت بحال، وانها من الاخبار التي تداولها اهل الاهواء للطعن في اصحاب رسول الله ﷺ، وإلا فمكانة عمرو بن العاص رضي الله عنه اجل واعظم من ان تنال منها رواية واهية او حكاية ساقطة.


وكيف يطعن في رجل شهد له النبي ﷺ بالايمان والصلاح ؟

يقول صلى الله عليه وسلم:

“اسلم الناس وآمن عمرو بن العاص”


وقال ﷺ:

“ابنا العاص مؤمنان: عمرو وهشام”


وفي هذا منقبة عظيمة لعمرو بن العاص رضي الله عنه إذ شهد له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه مؤمن فإن هذا يستلزم الشهادة له بالجنة لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح المشهور "لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة".


وقال ايضا:

“الا فعلتم كما فعل هذان الرجلان”

يعني: عمرو بن العاص وسالم مولى ابي حذيفة رضي الله عنهما.


ووصفه النبي ﷺ بانه من صالحي قريش، وقال فيه:

“نعم المال الصالح للرجل الصالح”


ثم ان رسول الله ﷺ ولاه قيادة سرية ذات السلاسل، وفي الجيش ابو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وابو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم، وذلك بعد اسلامه باشهر قليلة، 

وما ذاك الا لعلم النبي ﷺ برجاحة عقله وقوة قيادته وثبات ايمانه.


ثم ائتمنه ﷺ على دعوة اهل عمان، فدخل اهلها الاسلام على يديه، ثم كان بعد ذلك من كبار قادة الفتح الاسلامي، ففتح الله على يديه مصر، وكان له اثر عظيم في فتح فلسطين ونشر الاسلام فيهما، فكم في ميزان حسناته من مسلم وحد الله بسبب تلك الفتوح المباركة.


فهذا مقام رجل شهد له النبي ﷺ، وائتمنه وقربه وقدمه واثنى عليه، فكيف يترك كل ذلك لاجل روايات ساقطة يرويها غلاة التشيع واصحاب الاهواء؟


قال الله تعالى:

﴿والسابقون الاولون من المهاجرين والانصار والذين اتبعوهم باحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾


فالواجب حفظ اقدار الصحابة رضي الله عنهم، والامساك عما شجر بينهم، ورد الاخبار الى ميزان اهل الحديث والنقد، لا الى روايات القصاص واهل الاهواء. يقول الإمام عبدالله بن المبارك رحمه الله:

"من استخف بالصحابة فقد استخف بالدين لأنهم حملة الشريعة ونقلة السنة".