ثعلبة بن حاطب - قصة تنقل في كتب التفسير، لكنها محل نظر عند التحقيق

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.


تعد قصة الصحابي ثعلبة بن حاطب من أشهر الروايات التي يستند إليها الطاعنون في عدالة الصحابة، حيث يزعمون أن ثعلبة رضي الله عنه سأل النبي ﷺ أن يدعو له بالمال، فلما وسع الله عليه بخل بالزكاة، فنزلت فيه آيات من سورة التوبة تصفه بالنفاق. غير أن هذه القصة لا أصل صحيح لها، و هي مبنية على أسانيد واهية يدور أكثرها على متروكين ومتهمين بالكذب والتدليس.



نص الرواية


أخرج هذه القصة الطبري في جامع البيان، وذكرها الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاها إلى الطبراني.

كما أوردها السيوطي في الدر المنثور، ونسبها إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ الأصبهاني والعسكري في الأمثال والطبراني وابن منده والبارودي وأبو نعيم الأصبهاني في معرفة الصحابة وابن مردويه والبيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر. 


حدثنا معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال:جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، قال : ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه، ثم رجع إليه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً : قال ويحك يا ثعلبة! تريد أن تكون مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو سألت أن يسيل لي الجبال ذهباً وفضة لسالت، ثم رجع إليه فقال: يا رسول الله ادع الله أن يرزقني مالاً، والله لئن آتاني الله مالاً لأوتين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اللهم ارزق ثعلبة مالاً، فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود حتى ضاقت عنها أزقة المدينة فتنحى بها وكان يشهد الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت عليه مراعي المدينة فتنحى بها، فكان يشهد الجمعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إليها، ثم نمت فتنحى بها فترك الجمعة والجماعات فيتلقى الركبان ويقول ماذا عندكم من الخير وما كان من أمر الناس، فأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها...) قال: فاستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصدقات رجلا من الأنصار ورجلا من بني سليم وكتب لهما سنة الصدقة وأسنانها وأمرهما أن يصدقا الناس وأن يمرا بثعلبة فيأخذا منه صدقة ماله، ففعلا حتى ذهبا إلى ثعلبة فأقرءاه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: صدقا الناس فإذا فرغتما فمرا بي ففعلا، فقال : والله ما هذه إلا أخية الجزية! فانطلقا حتى لحقا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم :(وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ.. إلى قوله يكذبون ) [ التوبة : 75] ، قال : فركب رجل من الأنصار قريب لثعلبة راحلة حتى أتى ثعلبة، فقال: ويحك يا ثعلبة هلكت! أنزل الله عز وجل فيك من القرآن كذا، فأقبل ثعلبة ووضع التراب على رأسه وهو يبكي ويقول : يا رسول الله يا رسول الله، فلم يقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقته حتى قبض الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أتى أبا بكر رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا أبا بكر قد عرفت موقفي من قومي ومكاني من رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل مني، فأبى أن يقبله، ثم أتى عمر رضي الله تعالى عنه فأبى أن يقبل منه، ثم أتى عثمان رضي الله تعالى عنه فأبى أن يقبل منه، ثم مات ثعلبة في خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه.



الرواة المجروحون في السند


معان بن رفاعة السلمي

نقل المزي في تهذيب الكمال عند ترجمته له أقوال العلماء فيه حيث قال:


 "وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ضعيف.

وقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: سئل يحيى بن معين عن عثمان بن عطاء، ومعان بن رفاعة، وسعيد بن بشير، فقال: كل هؤلاء ضعفاء.

وقال إبراهيم بن يعقوب السعدي: ليس بحجة.

وقال يعقوب بن سفيان: لين الحديث.

وقال أبو حاتم بن حبان: منكر الحديث يروي مراسيل كثيرة، ويحدث عن أقوام مجاهيل لا يشبه حديثه حديث الأثبات.فلما صار الغالب في رواياته ما ينكره القلب استحق ترك الاحتجاج به"





علي بن يزيد الألهاني

يقول المزي ناقلا أقوال العلماء فيه:


 "وقال يعقوب: علي بن يزيد: واهي الحديث، كثير المنكرات.

وقال الغلابي عن يحيى بن معين: أحاديث عبيد الله بن زحر وعلي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعة ضعيفة.

وقال أبو زرعة الرازي: ليس بقوي. 

وقال عبد الرحمن بن أبي حاتم: سألت أبي عن علي بن يزيد، فقال: ضعيف الحديث أحاديثه منكرة.

وقال محمد بن إبراهيم الكناني الأصبهاني: قلت لأبي حاتم: ما تقول في أحاديث علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة؛ قال: ليست بالقوية هي ضعاف. 

وقال البخاري: منكر الحديث، ضعيف.

وقال النسائي: ليس بثقة، متروك الحديث.

وقال أبو سعيد يونس: فيه نظر.

وقال أبو الفتح الأزدي، وأبو الحسن الدارقطني، وأبو بكر البرقاني: متروك.

وقال الحاكم أبو أحمد: ذاهب الحديث"



وبهذا العرض لأقوال أهل العلم في شأن بعض رواة القصة يتبين أن هذه القصة باطلة، منكرة يدور أمرها حول راو متروك وهو"علي بن يزيد"، وآخر ضعيف جدا وهو "معان بن رفاعة". 



الطرق الأخرى للسند


هذا وقد ذكر السيوطي للقصة طريقا آخر في "لباب النقول"وعزاه لابن جرير في "جامع البيان "وابن مردويه من طريق العوفي عن ابن عباس. والعوفي هو عطية بن سعد بن جنادة العوفي، وقد أورده ابن حجر في "طبقات المدلسين" في "المرتبة الرابعة"، وقال:"ضعيف الحفظ متهم بالتدليس القبيح".




وهناك طريق ثالث للقصة أخرجه الطبري من مرسلات الحسن البصري، 

قال أحمد بن حنبل:"وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن البصري"

هذا فضلا عن أن الذي رواه عن الحسن البصري هو عمرو بن عبيد البصري المعتزلي، وقد أورده المزي في تهذيب الكمال-٢٢، ونقل لنا أقوال الجمهور في تضعيفه:

" قال أبو الحسن الميموني عن أحمد بن حنبل: ليس بأهل أن يحدث عنه. 

وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: ليس بشيء.

وقال عمرو بن علي: متروك الحديث، صاحب بدعة.

وقال أبو حاتم: متروك الحديث.

وقال النسائي: ليس بثقة ولا يكتب حديثه"



تعدد الطرق لا يقوي الرواية


قد يحتج بعضهم بأن القصة وردت من عدة طرق، لكن علماء الحديث نصوا على أن الروايات إذا كان مدارها على الكذابين والمتروكين فلا تتقوى بكثرة الطرق.


قال الإمام النووي: "إذا روي الحديث من وجوه ضعيفة لا يلزم أن يحصل من مجموعها حسن، بل ما كان ضعفه لضعف حفظ راويه الصدوق الأمين زال بمجيئه من وجه آخر وصار حسنا، وكذا إذا كان ضعفها إرسال زال بمجيئه من وجه آخر، وأما الضعيف لفسق الراوي و كذبه، فلا يؤثر فيه موافقة غيره له".


و قال الحافظ ابن كثير: "لا يلزم من ورود الحديث من طرق متعددة أن يكون حسنا؛ لأن الضعيف يتفاوت، فمنه ما لا يزول بالمتابعات، يعني لا يؤثر كونه تابعا ومتبوعا، كرواية الكذابين والمتروكين، ومنه ضعف يزول بالمتابعة، كما إذا كان راويه سيء الحفظ، أو روي الحديث مرسلا، فإن المتابعة تنفع حينئذ".


و قال الشيخ أحمد شاكر: "وبذلك يتبين خطأ كثير من العلماء المتأخرين في إطلاقهم أن الحديث الضعيف إذا جاء من طرق متعددة ضعيفة ارتقى إلى درجة الحسن والصحيح، فإنه إذا كان ضعف الحديث لفسق الراوي أو اتهامه بالكذب، ثم جاء من طرق أخرى من هذا النوع ازداد ضعفا إلى ضعف؛ لأن تفرد المتهمين بالكذب، أو المجروحين في عدالتهم بحيث لا يرويه غيرهم يرفع الثقة بحديثهم ويؤيد ضعف روايتهم، وهذا واضح".



أقوال العلماء في تضعيف القصة


هذه القصة لا تصح أبداً وقد ضعفها الأئمة رغم اشتهارها عند المفسرين، 


قال القرطبي في تفسيره : " قلت وثعلبة بدري أنصاري وممن شهد الله له ورسوله بالإيمان حسب ما يأتي بيانه في أول الممتحنة، فما روي عنه غير صحيح. قال أبو عمر: ولعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح " .


وقال ابن حزم في المحلى :" وقد روينا أثراً لا يصح، وفيه أنها نزلت في ثعلبة بن حاطب وهذا باطل لأن ثعلبة بدري معروف " .


وقال المناوي في فيض القدير :" قال البيهقي: في إسناد هذا الحديث نظر وهو مشهور بين أهل التفسير ".


وقال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الأحياء : " أخرجه الطبراني بسند ضعيف " .


وقال محد بن طاهر في تذكرة الموضوعات : " ضعيف ".


وقال الألباني في السلسلة الضعيفة :" ضعيف جداً " .


وقال الحافظ ابن حجر في تخريج أحاديث الكشاف :وهذا إسناد ضعيف جداً، وضعف القصة أيضاً الذهبي في ميزان الاعتدال، والسيوطي في أسباب النزول وغيرهم.


والراجح في تفسير الآية ما ذكره ابن حجر : 

أن ابن وهب قال : قال ابن زيد في قوله ( ومنهم من عاهد الله لئن أتانا من فضله ) الآية : قال هؤلاء صنف من المنافقين فلما آتاهم ذلك بخلوا فاعقبهم بذلك نفاقاً إلى يوم يلقونه ليس لهم منه توبة ولا مغفرة ولا عفو، كما أصاب إبليس حين منعه التوبة ".



متن القصة يدل على بطلانها


إن متن الرواية نفسه شاهد على فسادها إذ كيف يتصور في رجل شهد بدرا أن يختم له بالنفاق؟


وقد ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال في أهل بدر"اعمَلوا ما شِئتُم فقد غَفَرتُ لَكُم"


وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال:"لن يَدخُلَ النَّارَ رَجُلٌ شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبيةَ"


فكيف يقال بعد ذلك إن ثعلبة أعقب نفاقا في قلبه إلى يوم يلقى الله؟

كما قال ابن حجر العسقلاني:“من يكون بهذه المثابة كيف يعقبه الله نفاقا في قلبه؟”



في الختام وبعد النظر في أسانيد القصة ومتونها وأقوال أئمة الحديث، يتبين أن قصة ثعلبة بن حاطب لا تثبت، وأن أسانيدها شديدة الضعف، وفيها رواة متروكون ومتهمون. كما أن متنها يخالف ما ثبت في فضل أهل بدر. ولذلك ضعفها عدد من أهل العلم، ورجح بعض المفسرين أن الآيات نزلت في جماعة من المنافقين لا في ثعلبة بن حاطب. 


هذا والله أعلم.