" انت مني بمنزلة هارون من موسى "

بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله وصحبه و من والاه.


يعد حديث المنزلة من اكثر الاحاديث التي يحتج بها الرافضة لاثبات امامة علي بن ابي طالب رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي:


“انت مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي”


وقد بالغ القوم في تحميل هذا الحديث ما لا يحتمله لفظ ولا سياق، فجعلوه نصا صريحا على الخلافة والامامة والعصمة، مع ان الحديث ورد في حادثة معينة وسياق خاص، ولا يدل لا لغة ولا بلاغة ولا تاريخا على ما  يزعمونه



سياق الحديث يفسر معناه


ورد الحديث في غزوة تبوك عندما استخلف النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه على المدينة، فوجد علي في نفسه وقال:“اتخلفني مع النساء والصبيان؟”

فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:“اما ترضى ان تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا انه لا نبي بعدي”


فالسياق كله متعلق بالاستخلاف على المدينة اثناء غياب النبي صلى الله عليه وسلم، كما استخلف موسى هارون عندما ذهب إلى الطور، وليس في الكلام اي اشارة الى خلافة بعد الموت. ولو كان المراد الامامة الكبرى بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء الحديث في مقام مواساة لعلي وتطييب لخاطره، بل لكان من اعظم الامور التي تعلن للناس كافة.



التشبيه لا يقتضي المساواة المطلقة


احتجاج الرافضة قائم على ان النبي صلى الله عليه وسلم اثبت لعلي جميع منازل هارون من موسى الا النبوة، وهذا باطل من جهة اللغة والبلاغة.فالعرب تستعمل التشبيه لبيان وجه معين من الشبه، لا للمساواة من كل وجه. فعندما يقال: “فلان كالاسد” لا يعني انه اسد في كل شيء، بل في الشجاعة فقط.


وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: “انت مني بمنزلة هارون من موسى” اي في امر معين دل عليه السياق، وهو الاستخلاف حال الغياب.ولهذا شبه النبي صلى الله عليه وسلم ابا بكر بابراهيم وعيسى، وشبه عمر بنوح وموسى، ولم يقل احد ان ابا بكر صار كابراهيم في كل شيء او ان عمر صار رسولا.



بطلان دعوى العموم في منازل هارون


لو كان الحديث على ظاهره الذي يدعيه الرافضة للزم اثبات امور باطلة لعلي رضي الله عنه.

.فمن منازل هارون انه نبي وانه اخو موسى الشقيق وانه شريك له في الرسالة

وعلي رضي الله عنه ليس نبيا ولا اخا للنبي صلى الله عليه وسلم من النسب، ولا شريكا له في الرسالة.

بل ان الاستثناء في الحديث كان:“الا انه لا نبي بعدي”

فلو كان المقصود جميع المنازل لكان علي نبيا مع النبي صلى الله عليه وسلم، لان المستثنى النبوة بعده لا معه، وهذا باطل بالاجماع.فثبت ان الحديث ليس على عمومه، وانما هو في منزلة مخصوصة.



هارون لم يكن خليفة بعد موسى


من اعظم ما يبطل احتجاج الرافضة ان هارون نفسه لم يتول امر بني اسرائيل بعد موسى، بل مات قبله.

والذي تولى بعد موسى هو يوشع بن نون.فلو كان النبي صلى الله عليه وسلم يريد اثبات الخلافة بعد الوفاة لعلي لكان تشبيهه بيوشع اولى من تشبيهه بهارون.



استخلاف علي ليس خاصا به


النبي صلى الله عليه وسلم استخلف كثيرا من الصحابة على المدينة في غزواته واسفاره، ولم يكن ذلك دليلا على الخلافة بعده.فقد استخلف:

  • عبد الله بن ام مكتوم
  • ابو ذر الغفاري
  • سباع بن عرفطة الغفاري
  • نميلة بن عبد الله الليثي

فلو كان مجرد الاستخلاف دليلا على الامامة للزم القول بامامة كل هؤلاء، وهذا لا يقول به احد.

بل ان استخلاف علي في تبوك كان أضعف من الأخرى، لان المدينة لم يبق فيها الا النساء و الصبيان و اصحاب الأعذار، بينما كانت الاستخلافات السابقة على رجال كثيرين من المؤمنين.



بكاء علي رضي الله عنه ينقض تفسير الرافضة


لو كان علي رضي الله عنه يعلم ان النبي صلى الله عليه وسلم نص له بالخلافة الكبرى لما خرج حزينا يبكي ويقول:

“اتخلفني مع النساء والصبيان؟”


لكن عليا فهم ان المقصود مجرد البقاء في المدينة، ولذلك وجد في نفسه، فطيب النبي صلى الله عليه وسلم خاطره بهذا الكلام.وهذا يدل على ان الحديث لم يكن عند الصحابة نصا في الامامة.



علي نفسه لم يحتج بالحديث على الخلافة


لو كان حديث المنزلة نصا صريحا في الامامة لما سكت عنه علي رضي الله عنه.

فلم يحتج به:يوم السقيفة، ولا في الشورى، ولا عند بيعة ابي بكر، ولا عند خلافة عمر وعثمان. بل بايع الخلفاء الثلاثة وشاركهم في امور الدولة، وصلى خلفهم، وكان يعاونهم ويثني عليهم.

.فلو كان عنده نص الهي بالخلافة لما جاز له السكوت عنه.



الاحاديث الدالة على تقديم ابي بكر اوضح واصرح


النصوص الصحيحة تدل على فضل ابو بكر الصديق ومن اعظم ذلك:

  • امر النبي صلى الله عليه وسلم له ان يصلي بالناس
  • تقديمه في اعظم شعائر الدين
  • قوله صلى الله عليه وسلم:“اقتدوا باللذين من بعدي ابي بكر وعمر”


كما ان عليا رضي الله عنه كان تحت امرة ابي بكر في موسم الحج في السنة التاسعة عندما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم لتبليغ سورة براءة.



خاتمة

يتبين من مجموع النصوص والسياقات والقواعد اللغوية ان حديث المنزلة فضيلة لعلي رضي الله عنه، لكنه لا يدل على الامامة ولا العصمة ولا النص على الخلافة.ولو كان نصا صريحا في الامامة لما خفي على الصحابة جميعا، ولا سكت عنه علي رضي الله عنه، ولا وقع الخلاف بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.