شبهات الإباضية في أخبار الآحاد
بسم الله الرحمن الرحيم
و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه.
إن من أعظم ما اختص الله به هذه الأمة حفظ سنة نبيها ﷺ، فلم يتركها نهبا للأهواء والظنون، بل هيأ لها رجالا نقادا، أفنوا أعمارهم في تمحيص الأخبار، وتمييز صحيحها من سقيمها، حتى صار علم الإسناد من مفاخر الإسلام التي لم تعرفها أمة قبل هذه الأمة.وقد كان السلف الصالح رحمهم الله يتلقون أحاديث رسول الله ﷺ بالقبول والتسليم إذا ثبتت عن الثقات العدول، سواء كانت متواترة أو آحاداً، ولم يعرف عن الصحابة التفريق بين العقائد والأحكام في قبول الأخبار.
ثم ظهرت طوائف المتكلمين، فجعلوا عقولهم حاكمة على النصوص، وردوا كثيراً من السنن الصحيحة بحجة أنها أخبار آحاد لا تفيد اليقين، وسلك الإباضية هذا المسلك، ومنهم سعيد بن مبروك القنوبي صاحب كتاب
السيف الحاد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد
وفي هذا البحث بيان فساد تلك الشبه، مع إيراد كلام أئمة الإسلام الذين تصدوا لهذه المقالات وبينوا بطلانها.
الشبهة الأولى: زعمهم أن قبول خبر الواحد يلزم منه تصديق كل خبر
قال الإباضي:(أنه لو أفاد خبر الواحد العلم، لوجب تصديق كل خبر نسمعه، لكنا لا نصدق كل خبر نسمعه)
وهذا من أفسد القياس، فإن أهل السنة لا يقولون بقبول كل خبر، وإنما يقبلون خبر الثقة العدل الضابط، ويردون خبر الكذاب والفاسق والمجهول.ولهذا اعتنى أئمة الإسلام بعلم الجرح والتعديل، وصنفوا الكتب في بيان أحوال الرواة، وميزوا بين الثقة والمتروك، وبين الحافظ والواهم، ولو كانت أخبار الآحاد لا يحتج بها مطلقا، لما كان لهذا العلم العظيم أي معنى.فالمحدثون لم يكونوا سذجا يقبلون كل ما يسمعون، بل كانوا أشد الناس تحريا وتثبتا.
قال شيخ الاسلام ابن تيمية رحمه الله في مختصر الصواعق المرسلة :
" فقياس خبر الصديق رضي الله عنه على خبر آحاد المخبرين، من أفسد قياس في العالم، وكذلك الثقات العدول الذين رووا عنهم، هم أصدق الناس لهجة، وأشدهم تحرياً للصدق والضبط، حتى لا تعرف في جميع طوائف بني آدم، أصدق لهجة ولا أعظم تحرياً للصدق منهم، وإنما المتكلمون أهل ظلم وجهل، يقيسون خبر الصديق والفاروق وأبي بن كعب رضي الله عنهم بأخبار آحاد الناس، مع ظهور الفرق المبين بين المخبرين، فمن أظلم ممن سوى بين خبر الواحد من الصحابة، وخبر الواحد من الناس في عدم إفادة العلم، وهذا بمنزلة من سوى بينهم في العلم والدين والفضل".
ثم بيّن رحمه الله أن العلم لا يختص بالتواتر العام فقط، بل قد يحصل لأهل الاختصاص من العلم ما لا يدركه غيرهم، فقال:
"فكما أنّ العلمَ بالتواتر ينقسم إلى عام وخاص، فيتواتر عند الخاصة ما لا يكون معلوماً لغيرهم، فضلاً أنْ يتواتر عندهم، فأهلُ الحديث لشدة عنايتهم بسنة نبيهم وضبطهم لأقوالهِ وأفعالهِ وأحواله، يعلمون من ذلك علماً، لا يشكون فيه مما لا شعورَ لغيرهم بهَ ألبتة، فخبرُ أبي بكر وعمر بن الخطاب ومعاذٍ بنِ جبل وابنِ مسعود ونحوهم، يفيدُ العلمَ الجازمَ الذي يلتحق عندهم بقسم الضروريات. وعند الجهميةِ والمعتزلةِ وغيرِهم من أهل الكلام، لا يفيدُ علماً، وكذلك يعلمونَ بالضرورةِ، أنّ رسولَ اللهِ ﷺ، أخبرَ أنّ المؤمنينَ يرونَ ربَّهم يومَ القيامة، وعندَ الجهمية، رسولُ اللهِ ﷺ لم يَقُلْ ذلك ويعلمونَ بالضرورةِ، أنّ نبيَّهم، أخبرَ عن خروجِ قومٍ من النارِ بالشفاعةِ، وعند المعتزلةِ، والخوارجِ لم يَقُل ذلك .وبالجملةِ، فهم جازمون بأكثرِ الأحاديث الصحيحة، قاطعون بصحتها عنه، وغيرُهم لا علمَ عندَه بذلك.والمقصودُ: أنّ هذا القسمَ من الأخبار، يُوْجِبُ العلمَ عند جمهورٍ العقلاء".
الشبهة الثانية: تقسيم الأخبار والطعن في خبر الواحد
ذكر الإباضي (أن الناس قد قسموا الأخبار إلى خمسة أقسام :
- قسم مقطوع بصدقه .
- قسم مقطوع بكذبه .
- قسم يحتمل الصدق والكذب ، واحتمال الصدق أرجح من احتمال الكذب .
- قسم يحتمل الصدق والكذب ، واحتمال الكذب أرجح من احتمال الصدق .
- قسم يحتمل الصدق والكذب على سواء .
وجعلوا من القسم الثالث خبر الواحد العدل أو الخبر الذي لم يتواتر..)
وهذا التقسيم الكلامي لا وزن له أمام إجماع الصحابة والسلف على قبول أخبار الآحاد والعمل بها في أبواب الدين كلها.فالسلف لم يكونوا يعرفون هذه التقسيمات الفلسفية المعقدة، وإنما كانوا يسألون عن ثبوت الحديث، فإن صح قبلوه وآمنوا به وسلموا له.ولهذا فإن كثيراً من المتكلمين لما عجزوا عن رد الأحاديث الصحيحة صراحة، لجؤوا إلى هذه القاعدة المحدثة: “خبر الواحد لا يفيد العلم”، حتى يتوصلوا إلى رد النصوص التي تخالف أهواءهم.
الشبهة الثالثة: احتمال السهو والخطأ والنسيان
قال الإباضي (وذلك لاحتمال الذهول والسهو والغفلة والخطأ والنسيان، إلى غير ذلك من الاحتمالات. فإذا تبين ذلك فالقطع بالصدق مع ذلك محال...) .
وهذا الاعتراض في ظاهره مقبول، لكن أهل الحديث لم يغفلوا عنه، بل جعلوه أساساً لمنهج النقد الحديثي.فهم لم يكتفوا بمجرد الرواية، وإنما تتبعوا أحوال الرواة، وعرفوا أوهامهم، وضبطوا أغلاطهم، بل أحصوا على بعض الرواة الكلمات التي أخطؤوا فيها.
قال الإمام أبو المظفر السمعاني رحمه الله في كتاب الانتصار:
"فإن قالوا: فقد كثرت الآثار في أيدي الناس واختلطت عليهم. قلنا: ما اختلطت إلا على الجاهلين بها، فأما العلماء بها فإنهم ينتقدونها انتقاد الجهابذة الدراهم والدنانير، فيميزون زيوفها، ويأخذون خيارها…".
ثم قال رحمه الله مبيناً مكانة أهل الحديث ودقتهم:
"حتى أنهم عدوا أغاليط من غلط في الإسناد والمتون، بل يعدون على كل واحد منهم كم في حديث غلط، وفي كل حرف حرف، وماذا صحف…".
وهذا يدل على أن علماء الحديث لم يكونوا يقبلون الروايات قبولاً أعمى، بل كانوا أهل نقد وتمحيص وتحقيق.
ثم اذا كان هذا الاباضي رد اخبار الآحاد في الاصول لاحتمال الخطأ و السهو و النسيان، فليردها في الفروع ايضا لاحتمال الخطأ و السهو و النسيان، ام ان الرواة عصموا في الفروع؟
ثم قال الإباضي:
(فإذا تبين ذلك، فالقطع بالصدق مع ذلك محال، ثم هذا في العدل في علم الله تعالى، ونحن لا نقطع بعدالة واحد، بل يجوز أن يضمر خلاف ما يظهر، ولا يستثنى من ذلك إلا من استثني بقاطع كأنبياء الله ورسله عليهم أفضل الصلاة والسلام).
وهذا القول يهدم الدين كله، لأن الشريعة مبنية على الحكم بالظاهر، والله تعالى لم يكلفنا معرفة السرائر.
قال تعالى:
﴿وَما يَتَّبِعُ أَكثَرُهُم إِلّا ظَنًّا ۚ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغني مِنَ الحَقِّ شَيئًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَليمٌ بِما يَفعَلونَ﴾
[سورة يونس،٣٦]
وقال تعالى:
﴿وَما لَهُم بِهِ مِن عِلمٍ ۖ إِن يَتَّبِعونَ إِلَّا الظَّنَّ ۖ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغني مِنَ الحَقِّ شَيئًا﴾
[النجم، ٢٨].
و قوله ( و نحن لا نقطع بعدالة واحد بل يجوز ان يضمر خلاف ما يظهر )
فهو مخالف للكتاب و السنة و الاجماع.
اما الكتاب ففي قوله تعالى:﴿وَأَشهِدوا ذَوَي عَدلٍ مِنكُم﴾، و قوله عز وجل:﴿وَاستَشهِدوا شَهيدَينِ مِن رِجالِكُم ۖ فَإِن لَم يَكونا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامرَأَتانِ مِمَّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾
فلو كانت العدالة لا تعرف إلا بمعرفة الباطن، لكان هذا تكليفا بما لا يطاق.
ولهذا كان الصحابة يحكمون على الناس بظواهرهم.
وقد روى البخاري في صحيحه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال:
"إنَّ أناسًا كانوا يُؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ، وإنَّ الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرًا أمِنَّاه وقرَّبناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءًا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة"
وهذا أصل عظيم في الشريعة، أن الناس يعاملون بالظاهر، وأما السرائر فإلى الله.
ثم إن علماء الحديث قد صنفوا الكتب الضخمة في معرفة العدول من المجروحين، فلو كانت العدالة لا تعرف، لما كان لهذا العلم أي معنى.
وقال الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله:
"ونحن نشهدُ بالله، أنّ هؤلاء كانوا إذا أخبروا عن رسول الله ﷺ بخبرٍ جُزِمَ بصدقهم، ونشهدُ بالله أنّهم كانوا إذا أخبروا سواهم من الصحابة والتابعين جُزِمَ بصدقهم.بل نشهدُ بالله أنّ سالمًا ونافعًا وسعيدَ بنَ المسيب وأمثالَهم بهذه المنزلة.بل مالكٌ والأوزاعي والليث ونحوهم كذلك فلا يقع عندنا ولا عند من عرف القومَ الاحتمالُ فيما يقول فيه مالك: سمعتُ نافعًا يقول: سمعتُ ابن عمر يقول: سمعتُ النبي ﷺ يقول، ونحن قاطعون بخطأ منازعينا في ذلك".
وقد صنف المحدثون كتبَ الرجال، فعدّلوا الثقات وجرحوا غيرهم، كما بيّن الفقهاء في أبواب الشهادات من تقبل شهادته ومن ترد، مما يدل على بطلان نفي الوثوق بعدول الأمة مطلقًا
الشبهة الرابعة: دعوى اضطراب العلماء في تصحيح أحاديث الآحاد وتضعيفه
فقال: (إن العلماء كثيرًا ما يحكمون على بعض الأحاديث بالصحة، ثم تظهر لهم علل تقدح فيها فيضعفونها، وقد يضعفون بعض الأحاديث ثم يجدون ما يقويها فيصححونها، وهذا يدل دلالة قاطعة على أن خبر الآحاد لا يفيد القطع، وإلا للزم أن يقطع الإنسان اليوم بشيء ثم يقطع غدًا بضده، ويعتقد اليوم شيئًا ثم يعتقد غدًا نقيضه)
والجواب أن هذا الكلام باطل، فإن أهل السنة المتمسكين باعتقاد السلف لا يضطربون في أصول معتقدهم، بل عقيدتهم واحدة شرقًا وغربًا، مع اتفاقهم على الاحتجاج بأحاديث الآحاد الصحيحة في العقيدة.
قال أبو المظفر السمعاني:
"ومما يدل أن أهل الحديث على الحق، أنك لو اطلعت على جميع كتبهم المصنفة من أولها إلى آخرها، قديمها وحديثها، مع اختلاف بلدانهم وزمانهم وتباعد ما بينهم في الديار، وسكون كل واحد منهم قطرًا من الأقطار، لوجدتهم في باب الاعتقاد على وتيرة واحدة، ونمط واحد، يجرون فيه على طريقة لا يحيدون عنها ولا يميلون عنها، قلوبهم في ذلك على قلب واحد، ونقلهم لا ترى فيه اختلافًا ولا تفرقًا في شيء ما، وإن قلّ، بل لو جمعت جميع ما جرى على ألسنتهم ونقلوه عن سلفهم وجدته كأنه جاء عن قلب واحد، وجرى على لسان واحد، وهل على الحق دليل أبين من هذا؟"
ثم استدل بقوله تعالى:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
وقوله تعالى:
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾
وأما الأحاديث التي اختلف أئمة الحديث في تصحيحها وتضعيفها، ولم تتلقها الأمة بالقبول، فهذه لا يبنى عليها باب الاعتقاد، بخلاف ما صح وثبت وتلقته الأمة بالقبول، ففيه الكفاية والغنية، وهو الذي جرى عليه السلف الصالح رحمهم الله.
الشبهة الخامسة: اختلاف العلماء في التصحيح والتضعيف
قال الإباضي (أنه لو أفاد خبر الواحد العلم، لما تعارض خبران، لأن العلمين لا يتعارضان، كما لا تتعارض أخبار التواتر، لكنا رأينا التعارض كثيرا في أخبار الاحاد، وذلك يدل على أنها لا تفيد القطع).
والجواب أن هذا الخلاف إنما يقع في بعض الروايات الجزئية التي لم تتلقها الأمة بالقبول، أما أصول السنة والعقائد التي نقلها الأئمة جيلا بعد جيل، فلم يقع فيها اضطراب.ولهذا تجد أهل الحديث مع اختلاف بلدانهم وأزمانهم متفقين في أبواب الاعتقاد.
وهذا من أعظم دلائل الحق، فإن أهل البدع متفرقون مضطربون، وأما أهل السنة فأصولهم واحدة.
الشبهة السادسة: دعوى تعارض أخبار الآحاد
قال الإباضي:(أنه لو أفاد خبر الواحد العلم، لاستوى العدل والفاسق في الإخبار، لاستوائهما في حصول العلم بخبرهما، كما استوى خبر التواتر في كون عدد المخبرين به عدولاً أو فساقاً، مسلمين أو كفاراً، إذ لا مطلوب بعد حصول العلم، وإذا حصل بخبر الفاسق، لم يكن بينه وبين العدل فرق من جهة الإخبار، لكن الفاسق والعدل لا يستويان بالإجماع والضرورة، وما ذاك إلا لأن المستفاد من خبر الواحد إنما هو الظن، وهو حاصل من خبر الواحد العدل دون الفاسق)
وجوابه أن يقال إن خبر الواحد يقبل إذا كان عدلًا ثقة، أما إذا كان فاسقًا فلا يقبل إلا بعد التثبت، كما قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، فدلّ على أن خبر العدل يقبل، وخبر الفاسق يتوقف فيه حتى يتبين.
فلو كان خبر العدل والفاسق سواء، لما أمر الله بالتبين من خبر الفاسق.بل الحقيقة أن الإباضي هو الذي سوى بين الثقة والفاسق، لأنه جعل أخبار الثقات كلها لا تفيد إلا الظن.
فإن كانت اخبار الثقات تفيد الظن عندك، فماذا تفيدك اخبار الفساق؟
إن قلت: الكذب. فهذا مردود، فقد يصدقون وهذا الشيطان وهو كافر قد صدق أباهريرة رضي الله عنه وهو كذوب، والله قد أمرنا بالتثبت في خبر الفاسق وعدم رده مباشرة.
وإن قلت: الظن. فقد وقعت فيما رميتنا به، و سويت بين أخبارهم وأخبار العدول، وهما لا يستويان بالإجماع والضرورة.
الشبهة السابعة: زعمهم أن قبول خبر الواحد يسوي بين العدل والفاسق
قال:(أنه لو أفاد خبر الواحد العلم، لجاز الحكم بشاهد واحد و لم يحتج معه إلى شاهد ثان ولا يمين عند عدمه على مذهب من أجاز الحكم بشهادة الواحد مع اليمين، ولا إلى زيادة على الواحد في الشهادة بالزنى واللواط، لأن العلم بشهادة الواحد حاصل، وليس بعد حصول العلم مطلوب، لكن الحكم بشهادة الواحد بمجرده لا يجوز بإتفاقهم، وذلك يدل على أنه لا يفيد العلم).
الإخبار يقبل فيه خبر الواحد إذا كان عدلا ثقة، كما في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: تراءى الناس الهلال فأخبرت النبي ﷺ أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه، وكذلك ما جاء في قصة الأعرابي الذي أخبر النبي ﷺ برؤية الهلال فقبله وأمر بلالًا أن ينادي في الناس بالصيام، مما يدل على اعتبار خبر الواحد في مثل هذه المواطن.
أما الشهادة فقد جعل لها الشرع ضوابط وعددًا محددًا لا تقبل إلا به، وهو أمر تعبدي توقيفي.ومن هنا فإن اختلاف عدد الشهود لا يخرج الخبر عن كونه من باب الآحاد، لأن العبرة بوصف الخبر لا بعدد ناقليه فقط.وعليه فإن قبول بعض صور الآحاد في الشهادة يدل على أصل الاحتجاج به، وإلا لزم التناقض مع النصوص الدالة على قبول خبر الثقة.كما أن تحديد العدد في الشهادة توقيفي مرده إلى الشرع، فقد يُكتفى باثنين في مواضع، ولا يُكتفى بأربعة في مواضع أخرى، بحسب ما ورد به الدليل.
الشبهة الثامنة: الاستدلال بحديث ذي اليدين
احتج الإباضي بحديث ذي اليدين، لما قال للنبي ﷺ: «أنسيت أم قصرت الصلاة؟».
وزعم أن النبي ﷺ لم يقبل خبر الواحد حتى سأل غيره.فقال (هذا يدل دلالة واضحة على أن أخبار الآحاد لا تفيد القطع، وإلا لاكتفى ﷺ بخبر ذي اليدين، ولم يحتج إلى سؤال غيره، إذ ليس بعد القطع مطلوب، وهذا ظاهر لا يخفى)
وهذا الاستدلال ساقط من وجوه:
أولها: أن الحديث نفسه خبر آحاد فلم يروه الا ابو هريرة و عمران بن حصين رضي الله عنهما، فكيف يحتج به من يرد أخبار الآحاد؟
وثانيها: أن النبي ﷺ استثبت لأن الخبر خالف ما استقر في نفسه، لا لأنه يرد خبر الواحد مطلقاً.
وقد قال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله:
"واحتج من رد خبر الواحد بتوقفه ﷺ في قبول خبر ذي اليدين، ولا حجة فيه، لأنه عارض علمه، وكل خبر واحد إذا عارض العلم لم يقبل".
وثالثها: أن النبي ﷺ قبل أخبار آحاد كثيرة، كخبر تميم الداري رضي الله عنه في حديث الجساسة وغيره.
و الرابع : ان خبر ذي اليدين من قبيل الشهادة لا من قبيل الاخبار.
الشبهة التاسعة: احتجاجهم برد بعض الصحابة لبعض الأخبار
قال (ثبت عن جماعة من صحابة رسول الله ﷺ، أنهم قد ردُّوا بعض الأحاديث الآحادية بمجرد معارضتها لبعض الظواهر القرآنية أو لبعض الروايات الأخرى، فلو كانت أخبار الآحاد تفيد القطع لما ردوها.
(ذكر عدة احاديث -اكتفيت بواحد-)
رد عمر رضي الله عنه خبر فاطمة بنت قيس عندما روت أن النبي ﷺ لم يجعل لها نفقة ولا سكنى فقال رضي الله عنه (لا نترك كتاب الله وسنة نبينا ﷺ لقول امرأة لا ندري لعلها حفظت أو نسيت) الحديث رواه مسلم وغيره).
وهذا أيضاً ليس فيه حجة، لأن عمر رضي الله عنه لم يرد خبرها لكونه خبر آحاد، وإنما ظن أنه خالف ما عنده من النصوص.ثم إن خبر رد عمر نفسه خبر آحاد، فكيف يحتج به من يطعن في أخبار الآحاد؟
ومع ذلك، فإن عمر رضي الله عنه كان يعمل بأخبار الآحاد في مواضع كثيرة، بل الصحابة كلهم كانوا يحتجون بها، ولم يعرف عن أحد منهم رد خبر الثقة لمجرد كونه آحادا.
في الختام وبعد هذا البيان يتضح أن شبهات الإباضية في رد أخبار الآحاد مبنية على أصول المتكلمين المخالفة لمنهج السلف، إذ كان الصحابة والتابعون يقبلون خبر الثقة في العقائد والأحكام. كما أن أئمة الحديث ضبطوا الروايات ونقدوها بأدق المناهج، فبطل القول بأن السنة مبنية على الظنون.ولو فتح باب رد أخبار الآحاد لتعطل كثير من الدين، وصار كل أحد يرد ما شاء من النصوص. قال العلامة ابن القيم في نونيته :
و على شفا جرف بنيتم أنتم فأتت سيول الوحي و الإيمان
قلعت أساس بنائكم فتهدمت تلك السقوف و خرّ للأركان