الإمام أبو حنيفة: "إيمان إبليس و إيمان أبو بكر واحد"

 يزعم بعض ملاحدة الشيعة أن الإمام أبا حنيفة النعمان جعل إيمان الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه مساوياً لإيمان إبليس اللعين. 


اعتمد مروجو هذه الشبهة على رواية أوردها الخطيب البغدادي في "تاريخ بغداد" بسنده عن أبي إسحاق الفزاري قال: (كان أبو حنيفة يقول: إيمان إبليس وإيمان أبي بكر واحد، قال أبو بكر: يا رب، وقال إبليس: يا رب).


السياق العقدي والتمثيل بالنقيضين
الإمام أبو حنيفة لم يكن في مقام تقييم المقامات الإيمانية، بل كان يناقش مسألة كلامية دقيقة تتعلق بأصل التصديق بوجود الله بربوبيته. فاختار الإمام أعلى مراتب البشر إيماناً بعد الأنبياء وهو أبو بكر الصديق، وأسفل مراتب الخلق كفراً وهو إبليس، ليبين أن كلاهما من حيث المعرفة بوجود الله والربوبية مقر بوجوده سبحانه. فإبليس لم يكن جاحداً لوجود الخالق، بل قال: "قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ"، والصديق مقر بالربوبية في أعلى المقامات. 

فالاتفاق هنا هو في أصل الإقرار بوجود الله، لا في درجة الإيمان والقبول، وهو أسلوب علمي لإقامة الحجة بذكر النقيضين.


رواية آدم وإبليس

إن ذات الرواية وبنفس السند نقلت في مواضع أخرى بلفظ مختلف، حيث ذكر فيها اسم النبي آدم عليه السلام بدلاً من أبي بكر الصديق. وجاء فيها: 

"قال أبو حنيفة: إيمان آدم وإيمان إبليس واحد، قال إبليس: "رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي"وقال: "رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ 
يُبْعَثُونَ" وقال آدم: "رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا"".

وهذا يثبت بطلان الزعم الشيعي بأن القصد هو النيل من أبي بكر الصديق، فالقضية قضية محاجة فقهية حول أصل
 المعرفة، حيث اتفق الجميع في الإقرار بالخالق، واختلفوا بالعمل والطاعة، فآدم والصديق طلبا المغفرة والرحمة، بينما استكبر الشيطان وعتا عن أمر ربه فلعن.


الرد من جهة أصول إرجاء الفقهاء

المسألة برمتها تدور في فلك ما يعرف عند أهل العلم بإرجاء الفقهاء، وهو بحث نظري في تعريف الإيمان،

هل هو التصديق والقول، أم يدخل العمل في مسماه؟


وحين قال العلماء إن أصل معرفة الصديق بالله كأصل معرفة إبليس بوجود الله، فإنهم أرادوا جنس المعرفة لا ثمرة المعرفة ويقينها. وقد فكك علماء الحنفية هذه الشبهة، كما نقل ابن النجار البغدادي عن أبي المظفر عيسى بن أبي بكر بن أيوب الحنفي قوله:

"لو نقل هذا لكان على ما ذكرت لك من الأصل، أن معرفة أبي بكر الصديق بالله كمعرفة إبليس وهذا لا ينكره عالم، لأنا قد أصلنا أن الإيمان هو المعرفة. ولا يشك أن إبليس رأى صنع الله تعالى عياناً، وأبو بكر إنما ثبت هذا عنده بقول النبي ﷺ والنقل. ولا شك أن ثبوت العلم في القلب بالرؤية أكثر من ثبوته بالنقل... فالعلم لما استوى (في أصل ثبوت معرفة وجود الصانع) قلنا إنه مثله".


فالشيطان عاين العرش والملائكة والوحي، فمعرفته بوجود الله يقينية من جهة المشاهدة، والصديق آمن بالغيب تصديقاً للنبي ﷺ. فمن جهة استواء العلم بوجود الخالق، لا ينكر عاقل أن إبليس يعلم وجود الله، لكن شتان بين معرفة أورثت كبراً ولعنة، ومعرفة أورثت رفعة وعملاً صالحاً نافعاً.