مسند الربيع الغائب عن دواوين الحديث
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين
كتب هذا البحث بقصد بيان الإشكالات التاريخية المتعلقة بمسند الربيع،
اعتمادا على كلام أهل العلم، لا بهدف الطعن أو إثارة الفتن.
يعد مسند الربيع بن حبيب عند الإباضية من أعظم كتب الحديث وأجلها، حتى جعلوه في منزلة تقارب منزلة الصحيحين عند أهل السنة، بل يصفه بعضهم بأنه أصح كتاب بعد القرآن الكريم.
غير أن من أهم ما تعرف به صحة الكتب والروايات اشتهار رجالها، وثبوت أسانيدها، وتداولها بين أهل العلم جيلا بعد جيل. فإذا فقد ذلك، وظهرت الفراغات التاريخية، والاضطرابات الزمنية، والدعاوى التي لا يشهد لها النقل المعروف، فإن باب النقد والتحقيق يبقى مفتوحا.
من هو الربيع بن حبيب؟
يزعم الإباضية أن اسمه الربيع بن حبيب بن عمرو الفراهيدي الأزدي البصري، ويجعلونه من طبقة كبار التابعين.
لكن الإشكال أن هذا الرجل لا يكاد يعرف عند أئمة الجرح والتعديل، ولا يوجد له حضور معتبر في دواوين الرجال التي استوعبت آلاف الرواة.
فلم يذكره:
- شمس الدين الذهبي في:
- سير أعلام النبلاء
- ميزان الاعتدال
- تاريخ الإسلام
- ولا جمال الدين المزي في تهذيب الكمال
- ولا ابن حجر العسقلاني في لسان الميزان
مع أن هذه الكتب ترجمت لكثير من الخوارج والمبتدعة والمجاهيل، بل حتى من هو أقل منه شأنا قد ذكر و وصف و حكم عليه.فكيف يختفي رجل يزعمون أنه صاحب أعلى الأسانيد عن أعين المحدثين والنقاد؟
أقوال بعض العلماء المعاصرين
"سلسلة الأحاديث الضعيفة" (6/304) .
• و قال الشيخ سعد الحميد:
“الربيع بن حبيب الفراهيدي شخصية لا وجود لها في التاريخ.”
انعدام الشهرة القديمة
لو كان هذا المسند موجودا منذ القرن الثاني لتناقله المحدثون، ولنقلوا عنه كما نقلوا عن كتب الخوارج والشيعة.فأهل الحديث كانوا يروون عن المبتدع إذا كان صدوقا ضابطا، مع عدم قبول بدعته ولا الاحتجاج بها.
و من اشهر الأمثلة عمران بن حطان، الذي قال في مدح قاتل علي رضي الله عنه:
يا ضربة من تقي ما أراد بها إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
و مع ذلك فقد أخرج له البخاري في صحيحه ، ولو كان الربيع يروي هذه الأحاديث وهو ثقة، و له هذه الروايات و الأسانيد لكان معروفا عند أهل الحديث، حتى وإن خالفوه في الاعتقاد.
ظهور الكتاب المتأخر
لم يشتهر المسند إلا في الأوساط الإباضية المتأخرة، ولم يكن له تداول معروف بين علماء الحديث.والذي قام بترتيبه ونشره بحسب دعواهم يوسف بن إبراهيم الوارجلاني في القرن السادس الهجري.
وهنا تظهر مشكلة أخرى، وهي أن الوارجلاني نفسه مجهول عند جمهور أصحاب التراجم، ولا يعرف له أثر معتبر خارج المصادر الإباضية.بل إنهم ذكروا ما يطعن في دينه و اشتغاله ببعض علوم النجوم والتنجيم.
اضطراب الأسانيد
أكثر روايات المسند تدور على أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة عن جابر بن زيد عن الصحابة. وتسمى هذه السلسلة عند الإباضية: “السلسلة الذهبية”.
لكن أبا عبيدة مسلم بن أبي كريمة مختلف في ثبوت شخصيته تاريخيا، ولا يعرفه أئمة الحديث معرفة واضحة، ولم يعتمدوه في الرواية.
أما الذي ورد ذكره في بعض كتب أهل السنة، مثل:
- التاريخ الكبير لـ محمد بن إسماعيل البخاري:
“مسلم بن أبي كريمة يذكر عن علي.”
- والجرح والتعديل لـ ابن أبي حاتم الرازي:
“مسلم بن أبي كريمة روى عن علي رضي الله عنه.”
فهذا يختلف عن الشخصية الموجودة في المسند،
لأن روايات المسند لا تذكر له رواية عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بهذا الوجه.
الخلط بين الربيعين
بعض الإباضية يستدل بكلام الإمام أحمد بن حنبل عندما قال:“ما أرى به بأسا.”
ويظنون أن المقصود هو الربيع بن حبيب صاحب المسند.
لكن المقصود عند أهل الحديث هو الربيع بن حبيب الحنفي أبو سلمة البصري، وهو راو آخر معروف في كتب الرجال، وقد وثقه:
- أحمد بن حنبل
- يحيى بن معين
- علي بن المديني
وقد جاء في تاريخ ابن معين رواية الدوري:
١٧١١ - سَمِعت يحيى يَقُول الرّبيع بن حبيب أَيْضا بصرى يروي عَن الْحسن وَابْن سِيرِين وَهُوَ ثِقَة.
أما الربيع الموجود في المسند، فإنه يروي عن الحسن وابن سيرين بواسطتين، مما يدل على أنه شخص آخر.
الإشكال الزمني في الرواية عن بشر المريسي
ومن الإشكالات كذلك ما يتعلق بروايته عن بشر المريسي.
فبشر ولد تقريبا سنة 134هـ، وتوفي سنة 218هـ، بينما يزعم الإباضية أن الربيع توفي نحو سنة 170هـ.
وبناء على ذلك، فإن بشرا عند وفاة الربيع كان في مقتبل عمره، مما يجعل دعاوى اللقاء أو الرواية بينهما محل إشكال زمني، خصوصا مع عدم وجود ذكر معتبر لهذه اللقاءات في كتب الطبقات والتراجم المعروفة.
في الختام/
إن مسند الربيع بن حبيب تحيط به إشكالات علمية وتاريخية عديدة، تبدأ من شخصية مؤلفه، وتمر برجاله وأسانيده، وتنتهي بتأخر ظهوره وانعدام شهرته عند أئمة الحديث.ولهذا لم يقبله أهل السنة ضمن دواوين الحديث المعتمدة، ولم يعدوه من الكتب المحتج بها في الرواية، بخلاف ما عليه حال الصحيحين والسنن والمسانيد المشهورة المتداولة بين أهل العلم.






