دعوى الإباضية أن معاوية سنَّ سبَّ علي
زعم مفتي الإباضية أحمد الخليلي في كتابه الإستبداد مظاهره و مواجهته، أن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه جعل سب علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة على المنابر، حتى “نشأ عليها الصغير ومات عليها الكبير”، وهي دعوى عظيمة بحق صحابي من كتبة الوحي وملوك الإسلام.
رواية سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه
الرواية المشهورة في صحيح مسلم:“أمر معاوية سعدًا فقال: ما منعك أن تسب أبا تراب؟”
فاستدلوا بلفظة “أمر” على أن معاوية رضي الله عنه كان يأمر بسب علي رضي الله عنه.
لكن لفظة “أمر” ليست من كلام سعد نفسه
لو كان سعد رضي الله عنه ينقل الأمر بصيغته المباشرة لقال: “أمرني معاوية”، لكنه قال: “أمر معاوية سعدًا”، وهذا من تصرف بعض الرواة في التعبير، لا من نص كلام سعد نفسه.
اختلاف الرواية نفسها عند الراوي
جاءت الرواية من طريق حاتم بن إسماعيل، عن بكير بن مسمار
وقد رواها الإمام الدورقي في مسند سعد بن أبي وقاص بدون لفظة “أمر”، فجاءت بلفظ“ما يمنعك”
وكذلك جاءت عند النسائي في السنن الكبرى بدون صيغة الأمر.
فهذا يدل على أن لفظة “أمر” ليست محفوظة على وجه الجزم، بل وقع فيها اختلاف.
ثم إن ابن حجر العسقلاني قال في تقريب التهذيب عن حاتم بن إسماعيل:“صدوق يهم”
أي أنه يقع في الوهم والخطأ أحيانا، فإذا تردد الراوي بين لفظتين، إحداهما توهم الإلزام والأخرى لا تدل عليه، لم يجز حمل الرواية على أشد المعاني وأغلظها.
قوله “ما منعك” ليس أمرًا بالسب
قول معاوية رضي الله عنه:“ما منعك أن تسب أبا تراب؟”
ليس فيه صيغة إلزام أصلًا.فـ “ما” هنا استفهامية، والاستفهام لا يساوي الأمر.
وقد يكون المقصود السؤال عن سبب امتناعه عن الدخول في النزاع السياسي، أو عن موقفه من الفتنة، لا الأمر بالسب الصريح.
ولهذا ذكر النووي في شرحه أن سعدًا امتنع لأنه تذكر فضائل علي رضي الله عنه، ولم يفهم النووي من الحديث أن معاوية ألزم الناس بلعنه.
هل سعد هو جميع الصحابة؟
حتى لو سلم جدلًا أن معاوية أراد من سعد أن يذكر شيئا في علي رضي الله عنه، فهل هذا يعني أن جميع الصحابة صاروا يلعنون عليا كما ذكر الخليلي؟
أين عبد الله بن عمر و عبد الله بن عباس و أبو هريرة و أنس بن مالك؟!
بل أين أهل الشام أنفسهم الذين يحبون معاوية رضي الله عنه؟
الرواية الأخرى التي ذكرها الخليلي
ذكر الخليلي رواية أخرى مبتورة ليوهم القارئ أن المقصود السب والشتم القبيح.
بينما الرواية الكاملة تدل على أن الأمير أراد أن يقال لعلي:“أبو تراب”
وهذه ليست شتيمة أصلا. بل هو لقب محبوب لعلي رضي الله عنه سماه به النبي ﷺ بنفسه.
فكيف يجعل لقب سماه به رسول الله ﷺ سبا وطعنا ؟!
وخلاصة الأمر أن دعوى جعل معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه سب علي بن أبي طالب رضي الله عنه سنة عامة دعوى لا يثبتها نقل صريح صحيح، وإنما قامت على روايات مختلف في ألفاظها.و كما قال الإمام الشافعي رحمه الله:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكن عين السخط تبدي المساويا
فمن دخل التاريخ بعين الهوى رأى الخصومات، ومن دخله بعين الإنصاف رأى فضل الصحابة ومكانتهم رضي الله عنهم أجمعين.














