محنة خلق القرآن، فتنة عقدية بوجه سياسي

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه و أزواجه أمهات المؤمنين.


أما بعد، فإن محنة خلق القرآن تعد من أخطر الفتن العقائدية والسياسية في تاريخ الدولة العباسية، إذ لم تكن مجرد خلاف كلامي بين أهل الحديث والمعتزلة، بل تحولت إلى أداة لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والعلماء، ومحاولة نقل المرجعية الدينية من حلقات العلم إلى قصر الخليفة.إذ استخدمت العقيدة كوسيلة لإثبات شرعية السلطة.



الخلفية السياسية للدولة العباسية 

قامت الدولة العباسية على أساس أن بني أمية قد انحرفوا عن النهج الصحيح، وأن العباسيين هم أهل الحق والدين، و أنهم خلفاء الله في ارضه و ستبقى دولتهم إلى ان يسلموا الراية لعيسى ابن مريم.

ولذلك بالغوا في إظهار الرابطة الدينية بين الدولة والخلافة.


بعد انقلاب المأمون على الأمين، ظهرت في بغداد تيارات ذات نزعة دينية حركية سميت لاحقاً بالسلفيين الجهاديين. يغلب عليها أهل الحديث والزهاد والقراء، وكان لها حضور شعبي واسع.ومن أبرز الشخصيات:

  • سهل بن سلامة في الجانب الغربي للعراق
  • أحمد بن نصر الخزاعي في الجانب الشرقي

وكانت هذه الجماعات ترى جواز الخروج على السلطان الجائر.

وقد سبق لهذا الاتجاه جذور قديمة، منها:

  • خروج عبدالرحمن بن الأشعث ومعه ائمة القراء امثال سعيد بن جبير و الشعبي على الحجاج.
  • فتوى الإمام أبو حنيفة النعمان بجواز نصرة زيد بن علي.

ولذلك كانت الدولة العباسية تنظر بعين الريبة إلى أي تيار ديني يمتلك جماهيرية مستقلة.



دور المعتزلة في الصراع الفكري

وجد المأمون في المعتزلة تيارا مناسبا لمواجهة نفوذ أهل الحديث لأن المعتزلة يقدمون تصوراً يجعل الخليفة مرجعا أعلى في الدين والسياسة معاً.وقد تبنى المأمون هذا الاتجاه، لا لمجرد القناعة الفكرية فقط، بل لأنه يحقق للدولة هدف سياسي و هو نزع المرجعية الدينية من العلماء المستقلين وربطها بالخليفة.فإذا صار الخليفة هو الذي يحدد العقيدة الرسمية، فإن معارضته تصبح خروجاً على الدولة والدين معاً.


قال شيخ الإسلام ابن تيمية:

"المعتزلة مخانيث الجهمية"

لان مبادئ المعتزلة أخذت من الجهم ابن صفوان صاحب نفي الصفات و القول بخلق القرآن 

الذي بدوره اخذها من الجعد ابن درهم، أضحية خالد بن عبدالله القسري.

و الجعد أخذها من أبان بن سمعان.

و أبان اخذها من طالوت ابن أخت لبيد بن الأعصم اليهودي.

و لبيد بن الأعصم هو اليهودي الذي ورد في الصحيح انه سحر النبي صلى الله عليه و سلم 

فعلمياً فكرة القول بخلق القرآن اساسها يهودي، كما عبدالله بن سبأ عند الرافضة، و بولس الرسول عند النصرانية.



بداية المحنة

كان المأمون يريد أن تكون له السلطة العليا في الدولة.ولهذا لم يكتف باعتناق القول بخلق القرآن، بل أراد إلزام الناس به.ومن هنا بدأت المحنة سنة ٢١٨هـ حين أمر والي بغداد إسحاق بن إبراهيم بامتحان العلماء والقضاة والمحدثين.أول من امتحنوا كانوا قادة الجيش وهذا يدل على أن القضية لم تكن نظرية محضة، بل كانت اختبار ولاء للدولة.فالسؤال الحقيقي لم يكن ما قولك في القرآن؟

بل لمن تكون المرجعية؟ للخليفة أم للعلماء؟


استدعى لاحقاً أئمة الحديث وهددهم بالضرب وقطع الأرزاق، فأجاب بعضهم مكرهاً مثل ابن المديني شيخ البخاري، ويحيى بن معين. و ثبت على القول بعدم خلق القرآن الإمام أحمد بن حنبل ، ومحمد بن نوح رحمهما الله.فحملا إلى الخليفة في طرطوس، و دعا الإمام أحمد ربه أن يكفيه مؤنته، فمات في آخر تلك الليلة التي دعا فيها أحمد قبل أن يصل إليه.وتولى الخلافة بعده أخوه المعتصم، وقال بقول أخيه من قبل، فأمر بضرب الإمام أحمد وسجنه، وأحضره في مجلسه ليناظر أهل البدع فناظرهم وألجمهم بحججه، ولكن مضى بهم العناد فأصروا على ما هم عليه، واستمرت المحنة إلى أن تولى الخلافة المتوكل.


قال الإمام أبو زرعة رحمه الله ان الإمام أحمد و ان كان ذو علم عظيم إلا انه لم يكن ذو شهرة سابقا، فلما صمد في قضية خلق القرآن انتشر في سائر أمصار العالم الاسلامي.



شخصيات من المحنة


• أحمد بن نصر الخزاعي 

كان أهل الحديث يمثلون تياراً شعبياً ضخماً يصعب احتواؤه، خاصة مع انتشار فكرة مقاومة الظلم والإنكار على الحكام.ولذلك استخدمت المحنة لإضعاف هذا التيار، وسجن رموزه، وإظهار أن الدولة قادرة على فرض معتقدها بالقوة. و من ابرز شخصياته أحمد بن نصر الذي كان من بيت وثيق الصلة بالدولة العباسية؛ فجدّه أحد النقباء الاثني عشر الذين قامت عليهم الدعوة العباسية، ووالده تولى شرطة الرشيد، وأخوه كان واليا على الثغور. غير أن أحمد اتجه إلى العلم والحديث، ثم صار لاحقاً من أبرز المعارضين للواثق، حتى نظم جماعة لقلب نظام الحكم. لكن أمرهم افتضح، فقبض عليهم قبل موعد التحرك بيومين.

ثم استدعي أحمد بن نصر إلى مجلس الخليفة، وكان أحمد بن أبي دؤاد يستجوبه في أمر الانقلاب والخروج، فقال الواثق:دعوا هذا، بل نمتحنه في القرآن، ما تقول في القرآن يا أحمد؟

فقال:هو كلام الله.

فقال الواثق:مخلوق أم غير مخلوق؟

فأعاد قوله:هو كلام الله.

ثم سأله:وهل ترى ربك يوم القيامة؟

فقال أحمد:نحن على الأثر، وقد جاء الحديث: «لا تضامون في رؤيته».

فعندها غضب الواثق، وقال:أحضروا الصمصامةوهو سيف عمرو بن معديكرب

ثم قال:إني أحتسب خطاي إلى قتل هذا الكافر،فلا دينه ديننا، ولا نبيه نبينا، ولا قرآنه قرآننا.


ثم قتله الواثق بيده، ونصب رأسه على جسر بغداد، وبقي معلقا سبع سنين.

و لم يكن المقصود مجرد معاقبة رجل خالف في العقيدة، بل إرسال رسالة سياسية لكل من يفكر بمعارضة الدولة.



• نعيم بن حماد الخزاعي

كان جهمي المذهب ثم سلك طريق السلف و صار من علمائهم .طلب الحديث بالعراق والحجاز، ثم نزل مصر فلم يزل بها حتى أشخص منها في خلافة أبي إسحاق بن هارون، فسئل عن القرآن، فأبى أن يجيب فيه بشيء مما أرادوه عليه، فحبس بسامراء، فلم يزل محبوسًا بها حتى مات في السجن.قال ادفنوني باغلالي فاني مخاصم يوم القيامة.عرف عن نعيم بمعاداته للدولة العباسية.حتى انه الف كتاب الفتن الذي يظهر مساوئ العباسيين.

و من بعض ما جاء في الكتاب :

ملاحظة:معظم أحاديث الكتاب مكذوبة و موضوعة.


"إذا خرجت الرايات السود ،فإن أولها فتنة و أوسطها ضلالة و آخرها كفر"


"روى عن الزهري: بلغني ان الرايات السود تخرج من خراسان فاذا هبطت من عقبة خراسان هبطت من عقبة الإسلام فلا يردها إلا رايات الأعاجم من أهل المغرب "


"عن راشد بن داوود الصنعاني: بعد هلاك بني امية يجيء جالب الوحوش، فيجتمعوا إليه أهل الارض من زوايا اربع فيعذب الله بهم هذه الامة"


"عن حذيفة بن اليمان عن الرسول صلى الله عليه و سلم: يخرج رجل من أهل المشرق يدعو الى آل محمد و هو أبعد الناس منهم، ينصب علامات سوداً أولها نصر و آخرها كفر. تتبعه فشارة العرب و سفلة الموالي و العبيد الاباط و مرّاق الآفاق، سيماهم السواد و دينهم الشرك. و أكثرهم الجدع. قيل ما الجدع؟ قال:القلف"


"عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم: مالي و لبني العباس، شيعوا امتي و سفكوا دمائهم و ألبسوهم ثياب الزوال، ألبسهم الله ثياب النار"


"عن علي بن ابي طلحة: يدخلون دمشق برايات سود عظام فيقتلون بها مقتلة عظيمة، شعارهم بكش بكش ( اي هلمّ هلمّ بالفارسي )" 


**اكرر الاحاديث مكذوبة**


فهل كان حبسه بسبب امتناعه عن القول بخلق القرآن فقط، أم أن معاداته الواضحة للدولة العباسية كان لها دور في ذلك؟



المتوكل وإنهاء المحنة

و ما هي إلا أيام المحنة حتى اظهر الله السنة و اذل البدعة. 

كتب المتوكل إلى الأمصار بوقف الامتحان في القول بخلق القرآن، وأكرم الإمام أحمد وأدناه، فزالت بذلك سياسة الإكراه التي استمرت في عهود سابقة، وانتهت مرحلة شديدة من التضييق على المحدثين وأهل العلم في هذه القضية، ودخلت الدولة في مرحلة جديدة من التهدئة وإعادة التوازن في علاقتها مع العلماء.

بعد المحنة ترسخ عند كثير من أهل السنة مبدأ الصبر على جور السلطان، فصار  جزءاً من البناء السياسي العقدي عند أهل السنة. وظهر ذلك في كتب أحمد بن حنبل و ابن تيمية ابن القيم الجوزية.


وخاتمة القول ان تلك المحنة كانت صفحة شديدة في التاريخ اختلط فيها الاجتهاد بالسلطة وابتلي فيها الناس على اختلاف منازلهم فثبت من ثبت وصبر من صبر وبقيت المواقف العظيمة خالدة تذكر بان الحق لا يقاس بكثرة من يفرضه بل بثبات من يحمله، و كما قيل إن الله حفظ الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم برجلين: بأبي بكر يوم الردة، وبأحمد يوم المحنة. رحم الله من ثبت على الحق وصبر على البلاء، وغفر لهم وجزاهم عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء.