إنكار الإباضية لحجية إرسال الرسل الآحاد

 بسم الله الرحمن الرحيم

و الصلاة و السلام على رسوله الأمين، و على آله و صحبه أجمعين 

احتج أهل السنة على حجية أخبار الآحاد بأدلة كثيرة من القرآن والسنة وعمل الصحابة وإجماع السلف، ومن أعظم تلك الأدلة، إرسال النبي ﷺ للرسل آحاداً إلى البلاد لتبليغ الدين، فلو لم تكن أخبارهم حجة في الاعتقاد والعمل لما اكتفى النبي ﷺ بإرسال الواحد.

وقد حاول بعض الإباضية الاعتراض على هذا الاستدلال، و منهم سعيد بن مبروك القنوبي في كتابه السيف الحاد على من أخذ بحديث الآحاد في مسائل الاعتقاد.



احتجاج أهل السنة بإرسال النبي ﷺ الآحاد إلى البلدان


قال الإباضي:

“وغاية ما يستندون إليه ويعولون عليه، هو أن النبي ﷺ كان يبعث الآحاد إلى الشاسع من البلاد، فدل ذلك على أن خبر الآحاد تقوم به الحجة، وإلا لما اكتفى بذلك، وهذا كما تراه لا دليل فيه، بل ولا شبهة دليل”


و هذا الاستدلال من أقوى أدلة أهل السنة، وقد احتج به كبار أئمة الإسلام.

فقد استدل الإمام الشافعي، والإمام البخاري، والإمام مجاهد بن جبر وغيرهم بإرسال النبي ﷺ الآحاد إلى الأمصار على حجية خبر الواحد.


قال الإمام الشافعي رحمه الله:“لم يبعث رسول الله ﷺ واحداً إلا والحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه.”

وقال الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه:“باب ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق.”

ثم أورد إرسال النبي ﷺ للرسل والعمال إلى البلدان.


وهذا الاستدلال ظاهر جدا، إذ لا يعقل أن يرسل النبي ﷺ رجلا واحدا يبلغ الناس التوحيد والشرائع ثم لا يكون خبره حجة عليهم.


وقد قيل:

وليس يصح في الأذهان شيء        إذا احتاج النهار إلى دليل



دعوى أن النبي ﷺ كان يرسل الآحاد لتعليم الفروع فقط


قال الإباضي:

“أن النبي ﷺ بقي يدعو بمكة ثلاث عشرة سنة، وكان الناس يأتون لزيارة بيت الله الحرام، فيتلقون عنه ﷺ ، ويرجعون إلى أقوامهم فيخبرونهم.وكان كثير منهم، يدخلون في الإسلام، ويطلبون من رسول الله ﷺ أن يبعث معهم من يعلمهم أمور دينهم كما هو مشهور في كتب السير ، وبذلك تبين لك أن أصول الاعتقاد، انتقلت عن طريق التواتر القطعي، وأن أولئك الذين كان يبعثهم صلى اللّه عليه وسلم إلى المناطق، كانوا يعلمون الناس الفروع الفقهية.”


أولاً/ جهل بحقيقة الدعوة المكية

النبي ﷺ مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى التوحيد والعقيدة، ولم تكن غالب الأحكام الشرعية قد نزلت بعد.

فكيف يقال إن الرسل كانوا يعلمون الفروع فقط؟


بل ان أصل دعوة النبي ﷺ كان توحيد الله تعالى.

قال تعالى:﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون﴾.


قال ابن كثير:

“كان أول ما يدعو إليه النبي ﷺ هو توحيد الله ونبذ الشرك، ثم نزلت الفرائض شيئًا فشيئًا.”



ثانياً/ الرسل كانوا يرسلون إلى أقوام كفار

النبي ﷺ لم يكن يرسل الرسل إلى صحابة مؤمنين ليعلموهم الفروع فقط، بل كان يرسلهم إلى أمم لم تدخل الإسلام بعد. فأرسل معاذ بن جبل إلى اليمن، وأرسل الرسل إلى كسرى وقيصر وغيرهما.


وفي الصحيحين أن النبي ﷺ قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:

“إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات…”


فهذا نص صريح في أن معاذ بن جبل رضي الله عنه كان يبلغ العقيدة أولاً، ثم الفرائض بعد ذلك.



ثالثاً/ ترتيب الدعوة يدل على الاحتجاج بخبر الواحد في العقيدة

النبي ﷺ جعل أول ما يدعوهم إليه معاذ هو التوحيد، فلو لم يكن خبر الواحد حجة في الاعتقاد لما أرسله وحده لتقرير أصل الدين.وهذا من أوضح الأدلة وأقواها.



دعوى أن النبي ﷺ لم يكن يرسل أفراداً بل جماعات


قال:

“وهذا كله على تسليم ما ادعوه، من أن الرسول ﷺ ، كان يرسل الافراد إلى المناطق الشاسعة، وإلا فإن من تامل كتب السير والتواريخ، ظهر له جليا، أنه ﷺ لم يكن يكتفي بارسال الأفران إلى الأماكن الشاسعة، وإنما كان يرسل جماعات، و يؤمر على كل جماعة أميرا، فيذكر اسم ذلك الأمير، من دون أن يذكر من كان تحت امرته، كما جرت العادة بذلك”


اولاً/ مخالفة هذا لأقوال أئمة الحديث

احتجاج الأئمة كالبخاري والشافعي وغيرهما بإرسال الآحاد ينقض هذه الدعوى.

فهم أعلم بالسير والحديث من المتأخرين.


ثانياً/ قلة عدد الصحابة

كان عدد الصحابة قليلا بالنسبة لاتساع رقعة الدعوة، وكان النبي ﷺ محتاجا إليهم في المدينة لمواجهة الأعداء.

فكيف يقال إنه كان يرسل جماعات يحصل بخبرهم التواتر إلى كل جهة؟

هذا متعذر عقلاً وواقعاً.


ثالثاً/ العبرة بالعالم المبلغ

حتى لو خرج مع الرسول جماعة، فإن الحجة إنما تقوم بالعالم المبلغ الذي ينقل الدين، والبقية أتباع له.

فلا يخرج الخبر بذلك عن كونه خبر آحاد.



الاستدلال بقصة عمال اليمن


ثم ذكر :

" ما ذكره الطبري (٢٤٧/٢) وغيره عن عبيد بن صخر بن لوذان الأنصاري السلمي، وكان فيمن بعث النبي ﷺ مع عمال اليمن في سنة عشر بعد ما حج حجة التمام. وقد مات باذام، فلذلك فرق عملها بين شهر بن باذام، وعامر بن شهر الهمداني، و عبدالله بن قيس أبي موسى الأشعري، وخالد بن سعيد بن العاص، والطاهر بن أبي هالة، ويعلى بن أمية، وعمرو بن حزم .وعلى بلاد حضرموت، زياد بن لبين البياضي، وعكاشة بن ثور بن اصغر الغوثي، معاوية بن كندة، وبعث معاذ بن جبل معلما لاهل البلدين: اليمن وحضرموت"


أولاً/ الرواية لا تصح

مدارها على سيف بن عمر التميمي، وهو من الرواة الذين شدد أئمة الحديث في تضعيفهم، واتهم بالكذب والوضع. وقد اشتهر بكثرة رواياته في الفتوح وأخبار القبائل، وانفرد بذكر شخصيات وأحداث لا تعرف إلا من طريقه، من أشهرها القعقاع بن عمرو التميمي، لتمجيد قبيلته تميم وإبراز بطولاتها في التاريخ.


فقال العلماء فيه:

قال يحيى بن معين:“ضعيف.”

وقال أبو حاتم الرازي:“متروك الحديث.”

وقال النسائي:“ضعيف.”

وقال ابن حبان:“يروي الموضوعات.”

بل اتُّهم بالزندقة ووضع الحديث.


فكيف يحتج برواية هذا حالها؟



ثانياً/ الرواية مخالفة لما في الصحيحين

الثابت في الصحيحين أن النبي ﷺ أرسل معاذا وحده، وأمره أن يدعو الناس إلى الشهادتين أولاً.

وهذا يبطل دعوى أنهم كانوا مجرد معلمين لفروع الفقه.


ثالثاً/ تناقض الإباضي

هذه الرواية نفسها خبر آحاد، بل خبر ضعيف جداً.

فكيف يرد أخبار الآحاد الصحيحة ثم يحتج بخبر متروك؟

وهذا من التناقض الظاهر.



احتجاج أهل قباء بخبر الواحد في تحويل القبلة


ثم قال:

“إن المسألة التي اكتفوا فيها بخبر الواحد هي مسألة فرعية ظنية.”


تحويل القبلة ليس مجرد مسألة فرعية، بل فيه جانب عقدي ظاهر.

فإن الصحابة اعتقدوا أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ بتحويل القبلة، فقبلوا ذلك من مخبر واحد، وتحولوا أثناء الصلاة.

وهذا يدل على قبول خبر الواحد في الأمور الاعتقادية والعملية معاً.



دعوى أن المخبر كان جماعة لا رجلاً واحداً


قال الإباضي:

“جاء في رواية المستملي والحموي لصحيح البخاري لفظ (رجال) بدل (رجل) و مع هذا الاختلاف، لا يصح الجزم بأن الذي أتاهم شخص واحد، و بذلك ينهدم ما عولوا عليه.”


الإمام البخاري رحمه الله أورد الحديث في “كتاب أخبار الآحاد”، وهذا يدل على أن الرواية المعتمدة عنده أن المخبر واحد. ولو كان المخبر جماعة يخرج خبرهم عن الآحاد لما صح إيراد الحديث في هذا الباب.كما أن روايات كثيرة جاءت بلفظ “رجل”.



إجماع السلف على قبول أخبار الآحاد


أهل السنة متفقون على قبول خبر الواحد الثقة في العقائد والأحكام.


قال الإمام مالك:

“إذا جاءك الحديث عن الثقات فاعمل به ولا تلتفت إلى غيره.”


وقال ابن القيم:

“الأمة مجمعة على قبول خبر الواحد في الدين والعمل.”


وقال الآمدي:

“خبر الواحد إذا احتفت به القرائن أفاد العلم والعمل.”


و قال الإمام أبو المظفر السمعاني:

“إن خبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول يوجب العلم والعمل جميعاً.”


وقال الإمام أحمد بن حنبل:

“من رد حديث رسول الله ﷺ فهو على شفا هلكة.”


وقال الإمام إسحاق بن راهويه:

“من بلغه عن رسول الله ﷺ خبر يقر بصحته ثم رده بغير تقية فهو كافر.”



في الختام يتبين ان الاعتراضات المثارة حول خبر الآحاد عند الإباضية لا تقوم على دليل قوي، بل يغلب عليها التأويل المخالف للسيرة ولعمل الصحابة. كما أن الاستدلالات التي ساقها أهل السنة قائمة على نصوص صحيحة وعمل متسفيض من الصحابة والتابعين.

و عليه فإن خبر الآحاد إذا صح سنده فهو حجة في الدين، وأن محاولة إسقاطه تؤدي إلى تعطيل جزء كبير من السنة النبوية.