موقف السلف من صفة النزول

 بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على اشرف الانبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه وازواجه امهات المؤمنين


    أما بعد، فإن باب الصفات من أهم أبواب التوحيد وأعظمها أثرا في الاعتقاد، اذ به يعرف العبد ربه، وعلى قدر معرفة العبد بربه يكون ايمانه وتعظيمه. وقد ضلت طوائف حين قدمت عقولها على النصوص، فحرفت معاني الصفات، وتأولت ما جاء في الكتاب والسنة فرارا من اوهام ظنوها تنزيها، فوقعوا في التعطيل وهم لا يشعرون.ومن هذه الصفات صفة النزول، التي تلقاها السلف بالايمان والتسليم، وامروها كما جاءت بلا تكييف ولا تمثيل، اذ كانوا اعلم الامة بالله واتقاها له.وذلك لانهم يأخذون النصوص على ما وردت دون ان يفرقوا بين ما جمع الله من الصفات والاسماء والافعال.


واما الخلف فمنهم من ينكر النزول انكارا فيقول: ما ثم نزول اصلا.

ومنهم من يقول: انه ينزل نزولا بحيث يخلو منه العرش، وهذا يعني ان القوم يحاولون ادراك الكيفية والا فالانكار السافر او التشبيه.


قال الامام ابن تيمية:

ان ابا بكر الاسماعيلي كتب الى اهل جيلان:ان الله ينزل الى سماء الدنيا على ما صح به الخبر عن النبي ﷺ وقد قال تعالى:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾

وقال:﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾

نؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف. ولو شاء الله سبحانه ان يعيّن ذلك فعل. فانتهينا الى ما احكمه، وكففنا عن الذي يتشابه، ثم تلا قوله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾.


وقال عبد الرحمن بن منده باسناده عن حرب بن اسماعيل:

سألت اسحاق بن ابراهيم قلت: حديث النبي: ينزل الله الى السماء الدنيا؟

قال: نعم، ينزل الله كل ليلة الى السماء الدنيا، كما شاء، وكيف شاء.


وقال عن حرب:

 لا يجوز الخوض في امر الله تعالى كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين، لقوله تعالى:

﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.


وروى ايضا عن حرب قال:

هذا مذهب ائمة العلم واصحاب الحديث والاثر، واهل السنة المعروفين بها، وهو مذهب احمد بن حنبل، واسحاق بن راهويه، والحميدي وغيرهم، كان قولهم: ان الله ينزل كل ليلة الى السماء الدنيا، كيف شاء، وكما شاء:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.



وقال حماد بن زيد:

ان الله على عرشه، ولكنه يقرب من خلقه كيف شاء.


قال ابراهيم بن الاشعث:

سمعت فضيل بن عياض يقول:(اذا قال الجهمي: انا اكفر برب يزول عن مكانه، فقل: انا اؤمن برب يفعل ما يشاء).


وروي مثل ذلك عن الاوزاعي وغيره من السلف انهم قالوا في حديث النزول:يفعل الله ما يشاء.


قال الامام ابن تيمية رحمه الله:

والاحاديث المتواترة عن النبي ﷺ في اثبات نزول الرب يوم القيامة كثيرة، وكذلك اتيانه لاهل الجنة كيوم الجمعة.وهذه الاحاديث التي يحتج بها السلف جاءت موافقة للقرآن، وهذا ما احتج به الامام اسحاق بن ابراهيم بن راهويه على بعض الجهمية بحضرة الامير عبد الله بن طاهر امير خراسان، وذلك حين سئل اسحاق، سأله رجل في مجلس الامير عن حديث النزول اصحيح هو؟

قال اسحاق: نعم.

قال السائل: كيف ينزل؟

قال اسحاق:اثبته فوق حتى اصف لك النزول.

فقال له الرجل: اثبته فوق.

فقال اسحاق:قال الله تعالى:﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾

فقال الامير عبد الله:يا ابا يعقوب، أهذا يوم القيامة؟

قال اسحاق:اعز الله الامير، ومن يأتي يوم القيامة فمن يمنعه اليوم؟




واما السؤال:فهل اذا نزل يخلو عنه العرش ام لا؟


من المفترض عدم ورود هذا السؤال، وهي مسألة قد خاض فيها الناس بل حتى بعض السلفيين المعاصرين، وقد كان الواجب الامساك عن الخوض في هذه النقطة التي سكت عنها السلف


يقول الامام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة:

ان الصواب المأثور عن سلف الامة ان الله سبحانه لا يزال فوق العرش، ولا يخلو منه العرش مع دنوه ونزوله الى السماء الدنيا، ولا يكون العرش فوقه، وكذلك يوم القيامة كما جاء في الكتاب والسنة، وليس نزوله كنزول اجسام بني آدم من السطح الى الارض بحيث يبقى السقف فوقهم.بل الله منزه عن ذلك، فالله سبحانه وتعالى قريب في علوه وعلي في قربه، وهو مع جميع مخلوقاته بعلمه واطلاعه على تفاصيل احوالهم، وهو مع الصابرين والمحسنين والمتقين من عباده بالكلأ والحفظ والنصر، قال تعالى:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾.


اذا فان السلف انطلاقا من ايمانهم بتلك الاحاديث فانهم يثبتون نزول الرب سبحانه الى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر كما يليق بجلاله وعظمته، ويثبتون المعنى العام للنزول دون الخوض والتنقيب عن الكيفية، ايمانا منهم بأن معرفة كيفية الصفة متوقفة على معرفة كيفية الموصوف.فحيث آمنا بالله ايمانا سليما دون بحث عن كنه ذاته سبحانه، فيجب الايمان بجميع الصفات التي اثبتها لنفسه، او اثبتها له رسوله الامين محمد ﷺ.وصفة النزول الى سماء الدنيا من الصفات التي اخبر عنها الرسول، ويشهد له القرآن حيث اخبر الرب سبحانه عن مجيئه يوم القيامة.

فنستطيع ان نقول:ان النزول ثابت بالكتاب والسنة، ولولا هذه النقول لكففنا عن اثباتها.هذا هو الذي نعني بأنها خبرية محضة، الا ان العقل الصريح والفطرة السليمة لا يرفضان كل ما ثبت بالنقل الصحيح، ولا يعدانه مستحيلا، كما يزعم بعض الزاعمين، لان العقل يشهد ان الذي يفعل ما يشاء اذا شاء ان يفعل مثل النزول والاستواء والمجيء مثلا، والقادر على كل شيء اكمل من الذي لا يفعل كل ما يريد فعله، لانه:﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.



الاحاديث في السنة النبوية


• حديث ابي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام:(ينزل ربنا عز وجل كل ليلة اذا مضى ثلث الليل الاول).

وفي رواية:(حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول:انا الملك، من ذا الذي يسألني فأعطيه؟من ذا الذي يدعوني فأستجيب له؟من ذا الذي يستغفرني فأغفر له؟فلا يزال كذلك).


• وحديث ابي هريرة ان رسول الله ﷺ قال:(ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة الى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل، فيقول:من يدعوني فأستجيب له؟من يسألني فأعطيه؟من يستغفرني فأغفر له؟).


قال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله:

واما قوله عليه الصلاة والسلام:(ينزل ربنا تبارك وتعالى الى سماء الدنيا) فقد اكثر الناس التنازع فيه.والذي عليه جمهور ائمة اهل السنة انهم يقولون:ينزل كما قال رسول الله ﷺ، ويصدقون بهذا الحديث، ولا يكيفون القول في كيفية النزول، كالقول في كيفية الاستواء والمجيء، والحجة في ذلك واحدة.


وقد قال قوم من اهل الاثر ايضا:انه ينزل امره وتنزل رحمته.وروي ذلك عن حبيب كاتب مالك وغيره.وانكره منهم آخرون، وقالوا:هذا ليس بشيء، لان امره ورحمته لا يزالان ينزلان ابدا في الليل والنهار، وتعالى الملك الجبار الذي اذا اراد امرا قال له كن فيكون في اي وقت شاء.


وهذا التأويل الذي يتوارثه النفاة فيما بينهم في معنى النزول قد ناقشه الامام ابن تيمية في كتابه (شرح حديث النزول) وأبطله من عدة وجوه.ومن ذلك ان سياق الحديث يأبى ذلك التأويل، فان قوله:(انا الملك) الى آخر الحديث صريح في ان الله هو الذي ينزل كيف يشاء.


ومما ذكره شيخ الاسلام حول هذا المعنى انه قال:

وقد سئل بعض نفاة العلو عن النزول 

فقال: ينزل امره

فقال له السائل: فممن ينزل؟

 ان عندك فوق العالم شيء، فممن ينزل الامر؟ من العدم المحض؟

ويكون معنى الكلام:اذا كنت لا تؤمن بأن الله في العلو، فكيف تزعم بأن الامر ينزل؟

فممن ينزل الامر، فان الله ليس فوق العالم في زعمك؟

وهو سؤال مفحم، ولذلك بهت الذي نفى العلو ثم زعم نزول الامر، لان النزول لا يكون في اللغة الا من فوق.



وقال الحافظ ابن القيم:

ان نزول الرب تبارك وتعالى الى سماء الدنيا قد تواترت الاخبار به عن رسول الله ﷺ، رواها عنه نحو ثمانية وعشرين نفسا من الصحابة، وهذا يدل على انه ﷺ كان يبلغه في كل موطن ومجمع.


وقال محمد بن جرير الطبري:

واهل العلم بالكتاب والآثار من السلف والخلف يثبتون جميع ذلك، ويؤمنون به بلا كيف ولا توهم، ويمرون الاحاديث الصحيحة كما جاءت من رسول الله ﷺ


قال الحافظ ابن القيم:

اختلف اهل السنة في نزول الرب تعالى على ثلاثة اقوال:

١- احدها: انه ينزل بذاته، وهذا قول طوائف من اهل الحديث والسنة والصوفية والمتكلمين.

٢- وقالت طائفة منهم:لا ينزل بذاته.

٣- وقالت طائفة اخرى:نقول ينزل، ولا نقول بذاته ولا بغير ذاته، بل نطلق اللفظ كما اطلقه الرسول ﷺ ونسكت عما سكت عنه.


وقد سئل الامام أحمد بن حنبل 

فقال السائل:يا ابا عبد الله، أينزل الى السماء الدنيا؟

قال:نعم.

ثم قال السائل:نزوله علمه ام ماذا؟

فقال الامام:اسكت عن هذا

فغضب غضبا شديدا ثم قال:امض الحديث على ما روي


وموقف الامام احمد هنا شبيه بموقف الامام مالك بن انس في مسألة الاستواء، وهو موقف معروف رحمهما الله تعالى، بل هذا موقف ائمة السلف قاطبة في جميع صفات الله تعالى، لان المعروف عنهم انهم لا يتجاوزون الكتاب والسنة في جميع المطالب الالهية.


ومما يشهد لما ذكرنا ما قاله الحافظ ابن القيم:

واما الذين امسكوا عن الامرين فقالوا:لا نقول يتحرك وينتقل ولا ننفي ذلك عنه، فهم اسعد بالصواب والاتباع، فانهم نطقوا بما نطق به النص، وسكتوا عما سكت عنه.ثم قال رحمه الله:تظهر صحة هذه الطريقة ظهورا تاما فيما اذا كانت الالفاظ التي سكت عنها مجملة محتملة لمعنيين: صحيح وفاسد، مثل لفظ الجسم والحيز والاعراض، ونحو ذلك من الالفاظ التي تحتها حق وباطل قبل التفصيل.فهذه لا تقبل مطلقا ولا ترد مطلقا، لانها لم يرد اثباتها ولا نفيها.والذي يظهر لي ان لفظ الحركة والانتقال من الالفاظ التي يجب عدم اطلاقها لا نفيا ولا اثباتا، فيسعنا ما وسع السلف فيها وفي غيرها، وذلك اسلم والله اعلم.



ومن اقوال هؤلاء الائمة ومواقفهم يتضح جليا موقف السلف الصالح من هذه الصفة وغيرها من جميع الصفات الالهية، وهو الاكتفاء بفهم المعاني العامة للصفات، والامساك عن الخوض فيما وراء ذلك.فهم لا يبالغون في الاثبات الى حد التشبيه والتجسيم، كما لا يبالغون في النفي الى حد التعطيل، بل يقفون مع ظاهر النصوص ولا يتجاوزونها.وختاما نذكر قول الامام مالك في صفة الاستواء:(النزول معلوم، والكيف مجهول، والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة).