نقد معتقد الإباضية في خلود أصحاب الكبائر في النار

بسم الله، و الحمدلله، و الصلاة والسلام على رسول الله.

وبعد، فإن من المسائل العقدية التي وقع فيها الخلاف مسألة الخلود في النار لأصحاب الكبائر من أهل التوحيد، وقد استدل بعضهم ببعض آيات الوعيد على إثبات الخلود الأبدي لهم، ومن أبرز من قرر هذا الاتجاه الخليلي الإباضي، حيث بنى في كتابه «الحق الدامغ»جملة من الاستدلالات على آيات قرآنية في الوعيد، وحملها على عصاة الموحدين، فجعلها دليلاً على خلودهم في النار.


  • ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ۚ قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة البقرة-80)

الآيتان وردتا في سياق الحديث عن اليهود حين قالوا: (لن تمسنا النار إلا أيامًا معدودة)، فأنكر الله عليهم هذا الادعاء، وبيّن أنهم إنما يقولون على الله بغير علم، إذ لم يأخذوا عهدًا منه بذلك. ثم بيّن سبحانه أن من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فهو من أصحاب النار الخالدين فيها. فالمقام كله ردّ على دعوى اليهود، لا تقرير حكم عصاة الموحّدين من أمة محمد ﷺ.ومن القواعد المقررة عند أهل العلم أن فهم السياق يُعدّ من أعظم ما يُعين على فهم النص، ومن الخطأ اقتطاع جملة من سياقها ثم تنزيلها على غير محلها.


الخليلي بنى استدلاله على أن لفظ (سيئة) يشمل الكبائر، وبالتالي من ارتكب كبيرة ولم يتب فهو داخل في الوعيد بالخلود. لكن هذا الفهم مخالف لما عليه جمهور المفسرين من السلف.

فقد نقل محمد بن جرير الطبري في تفسيره عن عدد كبير من التابعين وأئمة التفسير كـمجاهد وقتادة وعطاء وغيرهم أن المراد بالسيئة هنا هو الشرك بالله. وكذلك نُقل هذا التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما.

وهذا التفسير هو الذي ينسجم مع الحكم المذكور في الآية، وهو الخلود في النار؛ لأن الخلود الأبدي لا يكون إلا للكفار، أما المؤمن فلا يخلد.


(وأحاطت به خطيئته)

هذه العبارة هي مفتاح فهم الآية. فالإحاطة في اللغة تدل على الإحداق بالشيء من جميع جوانبه حتى لا يخرج عنه. فإذا قيل: أحاطت به خطيئته، فالمعنى أن الخطيئة استولت عليه استيلاءً تامًا.وهذا لا يتحقق في حق المؤمن؛ لأن معه أصل الإيمان، وهو مانع من الإحاطة التامة. ولذلك قال أهل التفسير: إن الإحاطة هنا تعني الموت على الكفر دون توبة، أو أن الذنوب اجتمعت عليه مع كفره حتى غلبت عليه.أما من كان موحّدًا، فمهما عظم ذنبه، فإن معه نور التوحيد، فلا تحيط به الخطيئة إحاطةً تامة.

ذهب الخليلي إلى أن من لم يتب من الكبيرة فإنها تحيط به، فيدخل في حكم الآية. وهذه الدعوى غير مسلّمة؛ لأن الإحاطة المذكورة في الآية ليست مجرد كثرة الذنوب أو الإصرار عليها، بل هي إحاطة تامة تقتضي زوال الإيمان.

ولو قيل إن كل مصرٍّ على الكبيرة قد أحاطت به خطيئته، للزم تكفير جميع أصحاب الكبائر، وهذا هو مذهب الخوارج.

كما أن النصوص الشرعية دلت على بقاء الإيمان مع وجود المعصية، وإن كان ناقصًا، ولم تدل على زواله بالكلية إلا بالشرك.


من أعظم ما يرد به هذا القول أنه يعارض نصوصًا قطعية من الكتاب والسنة، منها:

-قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)وهذا نص صريح في أن ما دون الشرك داخل تحت المشيئة. 

-الأحاديث المتواترة في الشفاعة، وفيها إخراج من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان من النار.

    فهذه النصوص لا يمكن الجمع بينها وبين القول بخلود أصحاب الكبائر إلا بردّ بعضها أو تأويلها تأويلًا متكلّفًا، وهذا غير جائز.


  • ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(سورة البقرة – 275 )

بيّن محمد بن جرير الطبري أن الخلود يكون لمن عاد مستحلًا للربا أو مكذبًا للتحريم، وهذا كفر. وكذلك قال البغوي وابن عطية والقرطبي: إن الآية في الكفار، أو أن الخلود فيها على وجه المبالغة لا التأبيد في حق المسلم العاصي.

كما قرر العلماء أن من عاد إلى الربا مع اعتقاد تحريمه فهو عاصٍ تحت المشيئة، لا يخلد في النار، بخلاف من استحله فإنه يكفر.


  • ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾(سورة آل عمران-24) 

حيث استُدل بها على ذم من يعتقد عدم الخلود في النار، بزعم أن هذا الاعتقاد كان سببًا في جرأة اليهود على المعاصي. و هذا غير صحيح؛ لأن الآية واردة في سياق ذم عقيدة اليهود الخاصة، التي تقوم على تحريف الدين والافتراء على الله، وليس في سياق بيان حكم عصاة الموحّدين. ويؤكد ذلك ما جاء في نظيرها في قوله تعالى: {وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً…} إلى قوله: {بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ} [البقرة: 80-81]، حيث بيّن المفسرون من السلف، كابن عباس وعطاء ومجاهد وغيرهم، أن المراد بـ”السيئة التي تحيط بصاحبها” هو الشرك والكفر، لا مطلق المعصية، وبذلك يكون الخلود مخصوصًا بالكافر.


  • ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾(سورة النساء – 14)

بيّن الإمام ابن جرير الطبري، ناقلًا عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن هذه الآية نزلت في قوم استنكروا حكم الله في المواريث، وردّوه، فكانت معصيتهم معارضةً وتشكيكًا في حكم الله، وهذا كفر مخرج من الملة، يوجب الخلود في النار. وعليه فالمعصية هنا ليست مجرد فعل الذنب، بل هي معصية مقرونة بالاستكبار وردّ التشريع، وهو معنى الكفر. وقد قرر هذا المعنى أيضًا ابن عطية، مبينًا أن الآية جاءت في سياق تأكيد الالتزام بحدود الله، وأن الوعيد فيها متعلق بمن جحد الحكم أو رده. وكذلك أشار غير واحد من أهل التفسير إلى أن هذا النوع من العصيان يقتضي الخروج من الإسلام، لقوله تعالى ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)


  • ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ (النساء: 93)

حيث جعل هذا النص دليلاً على تخليد مرتكب الكبيرة. والجواب عن ذلك من وجوه متعددة نقلها أهل العلم: فأولها ما قرره ابن جرير الطبري من أن الآية على تقدير المشيئة، أي: إن جازاه الله، وإلا فقد يعفو عنه أو يدخله النار ثم يخرجه منها، جمعًا بينها وبين النصوص الدالة على خروج الموحّدين من النار. وثانيها أن الآية قد نزلت في قاتل كافر، كما ذكر البغوي في قصة مقيس بن صبابة، فلا تكون دليلاً على عموم العصاة. وثالثها أن الخلود هنا محمول على التغليظ والمبالغة في الوعيد، لا على التأبيد الحقيقي، وهو أسلوب معروف في لسان العرب. ورابعها أن هذا الوعيد قد قُيّد بنصوص أخرى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (النساء: 48) مما يدل على أن ما دون الشرك داخل تحت المشيئة.

وقد بسط ابن القيم رحمه الله هذا الأصل في كتابه «مدارج السالكين»، حيث قرر أن نصوص الوعيد إنما تدل على وجود مقتضي العقوبة، لا على وقوعها حتمًا، إذ يشترط لوقوعها انتفاء الموانع، ومن أعظم هذه الموانع: التوبة، والتوحيد، والحسنات المكفّرة، والمصائب، والشفاعة، وغيرها. وبذلك يتحقق الجمع بين النصوص، فلا يُلغى وعيد، ولا يُعطّل وعد.


  • ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىٰ وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ۝ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ۖ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ ۖ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا ۚ أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (يونس: 26-27) 

دلت على عموم الخلود لكل صاحب سيئة، وهذا أيضًا مردود بتفسير السلف، حيث فسّروا “السيئات” هنا بالكفر والشرك، بدليل السياق الذي يذكر بعده: {ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا}، فدلّ على أن الخطاب في الكفار، لا في عصاة المؤمنين. وقد نص على ذلك ابن عطية وأبو السعود وغيرهما، مؤكدين أن الخلود إنما هو للكفار.


  • ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ ۖ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ [الفرقان: 65]

    قال إن وصف العذاب بالغرام يدل على لزومه الدائم الذي لا ينقطع، فحمله على الخلود لكل من دخل النار.والصحيح أن الآية في سياق الدعاء وبيان شدة العذاب، لا في تقرير خلود جميع من دخله، وكونه (غرامًا) يدل على شدة اللزوم حال وجوده، لا على التأبيد لكل أحد. وتقيّده النصوص الأخرى بأن الخلود الأبدي خاص بالكفار، أما عصاة الموحدين فلا يخلدون.

    • ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ۚ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ۝ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ (الفرقان: 68-69) 

حيث جُعل دليلاً على التسوية بين الشرك والقتل والزنا في الخلود، والجواب أن الآية وردت فيمن جمع بين هذه الجرائم الثلاث، وعلى رأسها الشرك، فكان الخلود بسبب الشرك، لا لمجرد ارتكاب الكبيرة. وقد بيّن ذلك السعدي وغيره، مؤكدين أن القتل والزنا من الكبائر التي توجب الوعيد، لكنها لا تستلزم الخلود.


  • ﴿وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ (الجن: 23)
استدل بهذه الآية على أن مرتكب الكبيرة من الموحدين يخلد في النار خلودًا أبديًا، لأن الآية جاءت بصيغة عامة تشمل كل من عصى الله ورسوله، واعتبر أن تخصيصها بالكفار أو الشرك دون دليل مخالفة لظاهر النص، فبنى على ذلك دخول عصاة الموحدين في هذا الوعيد. والجواب أن هذه الآية من آيات الوعيد التي لا يجوز فهمها بمعزل عن بقية النصوص المحكمة، فالقرآن والسنة على أن الشرك وحده هو الموجب للخلود الأبدي

  •  ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ * يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ [الانفطار: 13-16]

    قال إن الناس منقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما: أبرار في نعيم، وفجّار في جحيم، وأن الفجّار – عنده – يدخل فيهم عصاة الموحّدين، وبذلك يلزم من هذا التقسيم عنده أن كل من دخل في وصف الفجور فإنه يخلد في النار، مستدلًا بقوله: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ على عدم الخروج منها.والصحيح أن هذا الفهم مخالف لتفسير السلف وأئمة التفسير؛ فقد بيّن الإمام الطبري أن المراد بالأبرار أهل الطاعة، وأن المراد بالفجّار هم الكفار، وأن قوله: ﴿وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ﴾ أي لا يخرجون منها أبدًا، وهذا وصف مختص بالكفار. وكذلك قرر ابن كثير أن الفجّار في هذه الآية هم الكفار الذين كذبوا بيوم الدين، وأن خلودهم في النار لا إشكال فيه، أما المؤمن العاصي فليس داخلًا في هذا الوصف، لأنه لا يخلد في النار. وصرّح الشوكاني أيضًا بأن الفجّار هم الكفار، وأن الآية لا تشمل عصاة الموحّدين، بل هي فيمن استحق الخلود الأبدي



ويظهر من خلال تتبع هذه الأدلة أن الخطأ المنهجي في هذا الاستدلال يتمثل في تعميم الآيات التي نزلت في الكفار على عصاة المؤمنين، وهو ما أنكره الصحابي عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بقوله: “إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها في المؤمنين”. وهذا يدل على أن هذا النوع من الاستدلال قديم، وقد رُدّ عليه من أوائل العصور. 

كما أن هذا المسلك يهمل قاعدة الجمع بين النصوص، فيأخذ بآيات الوعيد ويترك نصوص الوعد الصريحة، كالأحاديث المتواترة في خروج الموحّدين من النار.




فيما يلي بعض النصوص الواردة في كتاب الله الكريم، والأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم الدالة بمنطوقها على أن من ارتكب ذنبًا دون الشرك بالله فإنه لا يخلد في النار وهي من أصول أهل السنة والجماعة في باب الوعيد والشفاعة.



 ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]، 

وهو نص صريح في أن كل الذنوب دون الشرك داخلة تحت المشيئة الإلهية، فمنها ما يُغفر ابتداءً، ومنها ما يعذب الله به عبده ثم يخرجه برحمته، ولا يدل بأي حال على الخلود الأبدي. "عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا نشك في قاتل النفس، وآكل مال اليتيم، وشاهد الزور، وقاطع الرحم، (أي: لا نشك أن هؤلاء في النار) حتى نزلت هذه الآية: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} فأمسكنا عن الشهادة. وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركا بالله"


 ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد: 6]، 

فدلّ على سعة المغفرة وعمومها لمن لم يأت بالشرك، وأن الذنوب وإن عظمت فهي تحت سعة العفو الإلهي.


﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 53]، وهذا عموم في مغفرة الذنوب كلها لمن تاب، وفيه دلالة على أن الذنوب لا تستلزم الخلود في النار، إذ لو كانت موجبة للخلود لما صح هذا النداء العام بالمغفرة.


 ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 116]، وهو تأكيد أن ما دون الشرك ليس موجبًا للخلود، بل هو داخل في مشيئة الله تعالى.


﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى ۖ الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنثَىٰ بِالْأُنثَىٰ ۚ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾(سورة البقرة: 178)

ووجه الدلالة من هذه الآية على أن فاعل الكبيرة لا يكفر لأن الله سمى المقتول أخا للقاتل، مع أن قتل المؤمن كبيرة من أشد وأعظم الكبائر، قال السعدي في تفسيره: "وفي قوله: {فمن عفي له من أخيه} ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو. وفي قوله: {أخيه} دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر، لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه.



و من السنة النبوية، 


فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أتاني جبريل فبشّرني أنه من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة»، فقلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال: «وإن زنى وإن سرق»

وهذا نص صريح في دخول أصحاب الكبائر الجنة، ولو بعد تعذيب، مما يدل على عدم خلودهم في النار.


وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أيضًا في الحديث القدسي أن الله تعالى يقول: «من لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئًا لقيته بمثلها مغفرة»

وهو دليل واضح على أن الذنوب مهما عظمت لا توجب الخلود إذا لم تقترن بالشرك.


وفي الصحيحين أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم: «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من إيمان»، وفي رواية: «مثقال ذرة»

وهذا من أوضح الأدلة على أن عصاة الموحدين يخرجون من النار، ولو دخلوها.


وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الشفاعة: «فيخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن ذرة»

 وهذا نص متواتر المعنى في بقاء الإيمان مع المعصية وعدم الخلود.


كما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»

وهذا نص صريح في ثبوت الشفاعة لأصحاب الكبائر، ولو كانوا مخلدين في النار لما صحت الشفاعة في حقهم. قال ابن تيمية: "قد ثبت بالسنة المستفيضة المتواترة باتفاق الأمة أن النبي صلى الله عليه وسلم الشافع المشفع، وأنه يشفع في الخلائق يوم القيامة، وأن الناس يستشفعون به، ويطلبون منه أن يشفع لهم، ثم اتفق أهل السنة والجماعة أنه يشفع في أهل الكبائر، وأنه لا يخلد في النار من أهل التوحيد أحد"




وفي الختام: فإن الحق أبلج والباطل لجلج، وما ورد من الخلود في النار إنما هو في حق الكفار والمشركين. وأما عصاة الموحّدين فهم تحت مشيئة الله، إن شاء عذّبهم بعدله، وإن شاء غفر لهم بفضله، وإن عُذّبوا فإنهم لا يخلدون في النار. وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، الموافق للنصوص المحكمة، ولأقوال السلف الصالح، القائم على الجمع بين أدلة الوعد والوعيد دون إهدار شيء منها