إثبات رؤية الرحمن في الآخرة
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياء والمرسلين، محمد و على آله و صحبه أجمعين.
أما بعد، تُعَدّ مسألةُ رؤيةِ الله تعالى يومَ القيامة من أعظم مسائل العقيدة، بل هي أجلُّ نعمةٍ أعدّها اللهُ تبارك وتعالى إكرامًا لخواصِّ عباده في دار كرامته؛ حيث يتفضّل بها على عباده المؤمنين الذين آمنوا بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله، من غير تحريفٍ ولا تعطيل.
فهؤلاء سلِموا من مسالك الانحراف التي سلكتها بعض الفرق، كالجهمية والباطنية وسائر الطوائف التي خالفت في أصول الاعتقاد وفروعه، فأنكروا ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له رسوله ﷺ، وقدّموا عقولهم القاصرة على نصوص الوحي و الكلام في هذه المسألة على النحو التالي :
أولا : ذكر بعض الآيات الدالة على الرؤية وبيان وجه الدلالة وكلام السلف حوها .
• قال تعالى : ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَىٰ رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾(سورة القيامة: ٢٢-٢٣)
وهذه الآية لو سَلِمَتْ من تحريف المحرفين، وتدبّرها مؤمن سليم الفطرة وجدها تنادي نداء صريحا بأن اللّٰه تعالى يُرَى عيانا بالأبصار - يوم القيامة - وبيان ذلك كالأتي :
إن الفعل (نظر) له عدة استعمالات في اللغة على حسب تعديه بنفسه أو بواسطة حرف جر.
- فإن عدي بنفسه يكون معناه التوقف والانتظار. وذلك كقوله تعالى : (انظرونا نقتبس من نوركم)
أي انتظرونا وتوقفوا لنا حتى نقتبس من نوركم .
-وإن عدي ب (في) فمعناه التفكر والاعتبار. كقوله تعالى : (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض)
- وإن عدي ب (إلى) فمعناه المعاينة بالأبصار وذلك كقوله تعالى : (انظروا إلى ثمره أثمر)
وآية الباب من النوع الأخير بل هي أبلغ في الدلالة على المراد حيث أضيف النظر إلى الوجه الذي هو محل البصر، وقد فهم هذا المعنى من الأية علماء السلف قاطبة دون أن يشذ منهم أحد .
• قوله تعالى : ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾(سورة الأنعام: ١٠٣)
والملاحظ أن هذه الآية من أدلة نفاة الرؤية إلا أن بعض المحققين يرى أن الآية دلالتها على جواز الرؤية أوضح بل لا تدل على امتناع الرؤية إلا بنوع من التكلف والتحريف لأن اللّٰه تعالى ذكر هذا الخبر في سياق التمدح. ومن المعلوم بالضرورة وبالنظر السليم أن المدح إنما يكون بالأوصاف الثبوتية وقد نقل بعض أهل العلم : أن العدم المحض ليس فيه مدح لأنه ليس بكمال .وإنما يكون العدم مدحا إذا تضمن أمرا وجوديا مثل تمدحه سبحانه بنفي السِّنَةِ والنوم لأنه يتضمن كمال القيومية ونفي الموت لأنه يتضمن كمال الحياة وهكذا جميع الصفات السلبية التي تمدَّح اللّه بها تتضمن أمرا وجوديا على ما شرحنا . ففي هذه المسألة إنما تمدح اللّه بعدم إدراك أبصار العباد وإحاطتهم به لا بعدم الرؤية، لأنه لو كان لا يُرَى لشارك سبحانه العدم وهو الذي لا يُرى، ومشاركة العدم ليست بكمال وليس فيها مدح، بل في ذلك من الانتقاص ما لا يدركه النفاة لجهلهم أو تجاهلهم . وإذا كان من الواجب تنزيه اللّٰه عن مشاركة أيّ مخلوق موجود ومشابهته فيما يختص به ذلك المخلوق فكيف يستسيغ النفاة مشاركة اللّٰه للعدم الصرف في خصائصه وهو عدم الرؤية ؟ واللّه المستعان .
وقوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) إنما يدل على غاية عظمته وهي أنه تعالى أكبر من كل شيء ، وأنه لعظمته لا يدرك ولا يحاط به فإن الإدراك هو الإحاطة بالشيء وهو قَدْرٌ زائد على الرؤية .
ويشهد لما ذكرنا قوله تعالى حكاية للحوار الذي جرى بين موسى وقومه المؤمنين عندما رأوا فرعون وجنوده من مكان بعيد : (فلما ترآى الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون قال كلا) ومعلوم من السياق أنه لم ينف الرؤية كما أنهم لم يريدوا بقولهم : (إنا لمدركون ) إنا لمرئيون، ولكنهم كانوا قد خافوا أن هذا الجبار الذي صار بمقربة منهم حتى رأوه سيدركهم ويلحق بهم ويؤذيهم. وهذا المعنى هو الذي نفاه موسى بقوله (كلا) وقد وعده ربه سبحانه أنه لا يخاف دركا ولا يخشى، إذ يقول سبحانه : (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادى فأضرب لهم طريقا في البحر يَبَساً لا تخاف دركاً ولا تخشى). وبما يذكره بعض أهل العلم بهذا الصدد أن الرؤية والإدراك كل منهما يوجد مع الآخر وبدونه، فالرب تعالى يُرَى ولا يدرك . كما أنه يُعْلَمُ ولا يحاط به علما. وهذا هو الذي فهمه السلف من الصحابة والتابعين والأئمة المشهود لهم بالأمامة:
-قال ابن عباس رضي اللّٰه عنه : (لا تدركه الأبصار لا تحيط به الأبصار)
-قال قتادة : هو أعظم من أن تدركه الأبصار.
- قال عطية العوفي التابعي ينظرون الى الله و لا تحيط أبصارهم من عظمته، وبصره يحيط بهم ثم تلا قوله
تعالى : (لا تدركه الأبصار ). ويعني العوفي أن هذا معنى الاية وتفسيرها. ولذلك قال رحمه اللّٰه : فالمؤمنون يرون ربهم تبارك وتعالى بأبصارهم عيانا ولا تدركه أبصارهم بمعنى أنها تحيط به سبحانه إذ كان غير جائز أن يوصف اللّه عز وجل بأن شيئا يحيط به. أما هو سبحانه بكل شيء محيط ، وهكذا يُسْمِعُ كِلامه من شاء من خلقه ولا يحيطون بكلامه، وهكذا يَعْلم الخلقُ ما علَّمهم ولا يحبطون بعلمه.
- قال الحافظ ابن كثير رحمه اللّٰه عند تفسير هذه الآية :في الإدراك أقوال للعلماء من السلف ،
أحدها : لا تدركه الأبصار في الدنيا وإن كانت تراه في الآخرة ويكون الإدراك بمعنى الرؤية عند هؤلاء.
وثانيها : الإدراك أخص من الرؤية ، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم، ومعنى الإدراك معرفة الحقيقة عند هؤلاء.
وثالثها : أن الإدراك أخص من الرؤية لأن الإدراك بمعنى الإحاطة . ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية.
- قال الإمام ابن جرير الطبرى عند تأويل هذه الآية : اختلف أهل التأويل في تأويل قوله تعالى : (لا تدركه الأبصار) .قال بعضهم : معناه لا تحيط به الأبصار وهو يحيط بها سبحانه ، وقال آخرون : لا تدركه أبصار الخلائق في الدنيا، وأما في الآخرة فإنها تدركه.
والراجح هو القول الذي تشهد له الأحاديث التي سياتي ذكرها لأنها تعتبر تفسيراً للآية كما هو معروف عند أهل العلم من السلف، وهو إثبات الرؤية في الأخرة دون الدنيا، وإن الإدراك المنفي أمر زائد على مجرد الرؤية، وهو الإحاطة، والله أعلم .
•قال تعالى : ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَٰكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾(سورة الأعراف: ١٤٣)
والآية من الأيات التي يتعلق بها النفاة ظنا منهم بأنها تنفي الرؤية ،إلا أن أهل السنة قلبوا عليهم الحجة فأثبتوا أن الآية من ادلتهم على إثبات الرؤية عكس ما زعموا. ومن أوجه دلالة الأية على الرؤية مايلي :
- لا يظن بكليم اللّه موسى عليه السلام أن يسأل اللّٰه ما لا يليق بالله بل ما هو من أبطل الباطل في زعمهم . وهو من أعرف الناس بما يليق بالله وما لا يليق به سبحانه .
- أن اللّٰه تعالى لم ينكر عليه سؤاله، علما بأنه تعالى قد أنكر على نبيه نوح عليه السلام سؤاله حين سأله نجاة ابنه فقال : (إني أعظك أن تكون من الجاهلين) فقال: (رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم، وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين) ولو كان سؤال رؤية اللّه من قبيل سؤال نوح نجاة ابنه لأنكر عليه سبحانه كما أنكر على نوح عليه السلام. وعدم الإنكار دل على أنه إنما سأله ممكنا لا مستحيلا .
- أن اللّٰه سبحانه أجابه بقوله ( لن تراني) ولم يقل : إني لا أرى أو لست بمرئي أولا تجوز رؤيتي . أو عبارة قريبة من هذه العبارات التي تدل أن الرؤية غير ممكنة. والفرق بين الأسلوبين واضح لمن تأمل بإنصاف وبهذا عرفنا بأنه تعالى يُرى في الوقت الذي حدده سبحانه لرؤيته ، وأن نبيه موسى عليه السلام إنما سأله ما هو ممكن؛ إلا أنه نبَّهه على أنه لا يقوى على الثبوت أمام التجلي في هذه الدار لضعف قوة البشر فيالدنيا ، إلا أن اللّٰه سوف يمنحهم القوة التي تمكنهم من الثبوت أمام تجلي الرب تعالى فيرونه عيانا ولكن دون إحاطة وهذا المفهوم هو الذي اتفق عليه الصحابة والتابعون وائمة الإسلام على تتابع القرون.
- قوله تعالى : (ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني)إشارة لطيفة وتنبيه إلى أن الجبل مع قوته وصلابته لا يثبت أمام التجلي، فكيف بك وبأمثالك لأنك أضعف من الجبل ياموسى .
• قال تعالى : ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾(سورة المطففين: ١٥)
ومن العقوبة التي بعاقب اللّٰه تعالى بها الكفار يوم القيامة أنه يحجبهم عن رؤيته، ووجه استدلالنا بالآية أن الله سبحانه وتعالى جعل من أعظم عقوبة الكفار كونهم محجوبين عن رؤية اللّٰه وعن سماع كلامه، فإذاً إن من أعظم نعم اللّه على المؤمنين أنهم يرونه عيانا ويسمعون كلامه سماعا إذ لو لم يره المؤمنون، ولم يسمعوا كلامه، كانوا أيضا محجوبين عنه تعالى ، وبهذا الأسلوب احتج الإمام الشافعي بالآية وغيره من الأئمة وفي هذا الصدد يحدثنا الإمام (المزني) - وهو من كبار أصحاب الإمام الشافعي - إذ يقول : سمعت الشافعي يقول في قوله تعالى : (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) : فيها دليل على أن أولياءه يرون ربهم يوم القيامة. ثم يأتي زميله (الربيع بن سليمان) ليؤكد ما حكاه المزني .
حيث يقول : حضرت محمد بن إدريس الشافعي وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها : ما تقول في قول اللّه عز وجل : (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون) فقال الشافعي : لما حجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى ، قال الربيع : فقلت للشافعي : يا أبا عبد اللّه ! وبه تقول ؟ قال : نعم. وبه أدين اللّٰه , ثم قال الشافعي - وهو يؤكد هذا المعنى -: ولو لم يوقن محمد بن إدريس أنه يرى اللّه لما عبد اللّٰه عز وجل.
• ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾(سورة البقرة: ٢٢٣)
• ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾(سورة البقرة: ٤٦)
• ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾(سورة الأحزاب: ٤٤)
• ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾(سورة الكهف: ١١٠)
وهناك آيات أخرى كثيرة تنص على هذا المعنى .واللقاء عند أهل اللغة يقتضي المعاينة ما لم يكن هناك مانع كالعمى.
ثانياً / بعض الأحاديث الواردة في هذا الباب :
أما الأحاديث المرفوعة إلى النبي فقد ذكر الإمام ابن القيم أنها وصلت إلى حد التواتر، فسرد منها ثلاثين حديثا مرفوعا بين صحيح وحسن بل بعضها مخرجة في الصحيحين أو في أحدهما .
وهناك أحاديث موقوفة و آثار عن الصحابة تعطي حكم الرفع في اصطلاح المحدثين .
• حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدرى رضي اللّه عنهما في الصحيحين ونصه : (إن أناسا قالوا : يارسول اللّٰه ،هل نرى ربنا يوم القيامة فقال رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ( هل تُضارَون في رؤية القمر ليلة البدر ؟! قالوا : لا يارسول اللّٰه قال : هل تَضارون في رؤية الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا : لا، قال: فإنكم ترونه كذلك).
• حديث جرير بن عبد اللّه البجلي رضي اللّه عنه ولفظه : كنا جلوساً عند النبي عليه الصلاة والسلام إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال :(إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تُضامّون في رؤيته ، فإن استطعتم أن لا تُغْلَبُوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا) . وفي حديث آخر له رضي اللّه عنه : (إنكم سترون ربكم عيانا) .لا يخفى أن المقصود من الحديثين وما في معناهما، هو تشبيه الرؤية بالرؤية من حيث الوضوح والحقيقة ، وعدم التكلف وعدم وجود التزاحم حال الرؤية ولا يلزم من ذلك تشبيه المرئي بالمرئي إذ (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)،
• حديث صهيب الرومي رضي اللّه عنه عند مسلم قال : قال رسول اللّه : ( إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله عزّ و جلّ تريدون شيئا أزيدكم ؟ يقولون : ألم تبيض وجوهنا ؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجينا من النار ؟فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم. ثم تلا هذه الآية : (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)وقال الإمام ابن القيم تعليقاً على هذا الحديث: وهذا حديث رواه الأئمة عن حماد بن سلمة وتلقوه عن نبيهم بالقبول والتصديق.
ولو ذهبنا نسوق كل ما ورد من الآيات والآثار وأقوال أهل العلم سلفا وخلفا في موضوع الرؤية مع مناقشتها لأدى بنا إلى الخروج عن موضوع الرسالة، فثبوت رؤية اللّه في الآخرة للمؤمنين أصبح في غاية من الوضوح، ولم يبق في المقام خلاف يُعْتَدّ به .
وليس كل خلاف جاء معتبرا إلا خلاف له حظ من النظر
ثالثاً / الآراء في معنى الرؤية :
-يروي الإمام أبو الحسن الأشعري أن المعتزلة أجمعت على أن اللّٰه لا يُرى بالأبصار، ثم اختلفوا فيما بينهم هل يُرى بالقلوب أم لا ؟ وقال : أكثر المعتزلة أن اللّه يُرى بالقلوب بمعنى أنه يُعلم .وأنكر بعضهم حتى هذا النوع من الرؤية بل صرحت جماعة من المعتزلة والخوارج وطوائف من الُمُرْجئة وبعض الزيدية بأن اللّه لا يُرى بالأبصار في الدنيا والآخرة ولا يجوز ذلك عليه تعالى .
وأما الأشعرية فإنهم يثبتون الرؤية بالأبصار في الآخرة ولكن دون مقابلة ودون إثبات للفوقية لله تعالى كما أثبت اللّٰه لنفسه (يخافون ربهم من فوقهم ) وإثباتُ الرؤية مع نفي الفوقية فيه نوع من الغموض وعدم الوضوح. إذ لا يعقل إثبات موجود في الخارج ووجوده حقيقي وإثبات رؤيته بالأبصار ثم القول إنه ليس فوق الرائي أو على يمينه أو على يساره أو تحته .هذا كلام يرده كل من يسمعه وهو يعقل ما يسمع .
وأما أهل السنة والجماعة فيؤمنون بأن اللّه يتجلى لعباده في الموقف وفي الجنة من فوقهم ويخاطبهم ويسلم عليهم ويرونه بأبصارهم كما يرون الشمس ليس دونها سحاب وهذه المعاني الثلاثة يجب الإيمان بها مجتمعة عملا بنصوص الكتاب والسنة وخروجا من الاضطراب . وهي :
- العلو والفوقية .
- صفة الكلام (الكلام) اللفظي .
- الرؤية بالأبصار، وبالله التوفيق .
رابعاً /اختلاف أهل السنة : هل الرؤية في الاخرة خاصة بالمؤمنين أم يراه الكفار والمنافقون كما يرى المؤمنون؟
أما في الجنة فلاشك أنها خاصة بالمؤمنين إذ هي دارهم الخاصة وهي دار الطيبين فلا يدخلها إلا المؤمنون الطيبون . فينحصر الخلاف في الرؤية التي تقع في الموقف عند الحساب والتجلي . والقول الذي يرجحه الحافظ ابن حجر أن الرؤية خاصة بالمؤمنين حتى في الموقف . ويجيب على قول من يرى عموم الرؤية استدلالا بعموم اللقاء والخطاب بقوله : ولا يلزم من كونه (يتجلى للمؤمنين ومن معهم ممن أدخل نفسه فيهم أن تعمهم الرؤية لأنه سبحانه أعلم بهم . فينعم على المؤمنين برؤيته دون المنافقين كما يمنعهم من السجود عندما يكشف عن ساقه.
يقول الإمام ابن القيم في أبيات صور فيها
يوم اللقاء استنتاجا من نصوص الكتاب والسنة إذ يقول رحمه اللّه :
فبينما هُمُ في عَيْشِهم وسرورهم وأرزاقهم تجرى عليهم وتُقْسَم
تجلى لهم رب السموات جهرة فيضحك فوق العرش ثم يُسلِم
سلام عليكم يسمعون جميعهم بآذانهم تسليمه إذ يُسَلُم
يقول سلوني ما اشتهيتم فكل ما تريدون عندى إننى أنا أرحم
فقالوا جميعا نحن نسألك الرضا فأنت الذي تولى الجميل وترحِم
ولله أفراح المحبين عندما يخاطبهم من فوقهم ويُسَلَم
ولله أبصار ترى الله جهرة فلا الضيم يغشاها ولا هي تسأم
فيا نظرة أهدت إلى الوجه نضرة أمن بعدها يسلو المحب المتيم
فحيّ على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم
ولله واديها الذي هو موعد المزيد لوفد الحب لوكنت منهم
ولكننا سبى العدو فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم
فالواجب كمالُ التسليم لله ورسوله ﷺ، والانقياد لأمره، وتلقّي خبره بالقبول والتصديق، دون معارضته بخيالٍ باطل، ودون تقديم آراء الرجال وزُبالة الأذهان عليه؛ بل يُوحَّد ﷺ بالتحكيم والتسليم كما يُوحَّد المُرسِل سبحانه بالعبادة والخضوع.فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيدُ المُرسِل، وتوحيدُ متابعة الرسول؛ فلا يُحاكَم إلى غيره، ولا يُرضى بحكم سواه، وبذلك تتحقّق الاستقامة على الصراط، ويُرجى الفوز بأعظم كرامة، وهي النظر إلى وجه الله الكريم يوم القيامة