إثبات علو الله تعالى و استواؤه على العرش


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

فإن علوَّ الله تعالى من أصول الاعتقاد الثابتة في القرآن والسنة، وهو مذهب السلف. وقد خالف في ذلك أهل التعطيل والتأويل، فكان من الواجب بيان الدليل عليه وردُّ الشبه عنه. 

 

فإن أحببت يا عبد اللّٰه الإنصاف، فقف مع نصوص القرآن والسنن، ثم انظر ما قاله الصحابة والتابعون وأئمة التفسير في هذه الآيات، وما حَكَوْهُ من مذاهب السلف.

فإما أن تنطق بعلم، وإما أن تَسكت بحلم.

ودَع المراء والجدال فإن (المراء في القرآن كفر)، كما نطق بذلك الحديث الصحيح. 

 


أولاً/ القرآن الكريم

صفة علو الله عزّ وجل على خلقه واستوائه على العرش 

 

١.﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾

    (الآية 16، سورة الملك)

٢. ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾

    (الآية 50، سورة النحل)

٣.﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾

    (الآية 4، سورة المعارج)

٤.﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾

    (الآية 55، سورة آل عمران)

٥.﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾

    (الآية 10، سورة فاطر)

 

اما بصيغة استوى فقد ذكرت هذه الصفة في سبع ايات:

 

1.    ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾

    (الآية 54، سورة الأعراف)

٢.﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾

    (الآية 3، سورة يونس)

٣.﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾

    (الآية 2، سورة الرعد)

٤.﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾

    (الآية 5، سورة طه)

٥.﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾

    (الآية 59، سورة الفرقان)

٦.﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾

    (الآية 4، سورة السجدة)

٧.﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ﴾

    (الآية 4، سورة الحديد)

 

وبعد، فهذه ‏طائفة من آيات الكتاب المبين وفي معناها آيات أخرى عديدة اقتصرنا على هذا المقدار خشية الاطالة وكلها تدل دلالة واضحة على علو الله على خلقه وأنه مستوي على العرش كما يليق به.

 


ثانياً/ الأحاديث النبوية 

‏نذكر بعض الأحاديث الواردة في هذا المعنى ونقتصر على ما صح منها فقط، ففيها الكفاية مع الآيات السابقة للدلالة على المقصود وهي كالتالي:

 

    ١.قول النبي ﷺ:

    «إِنَّ اللَّهَ لَمَّا قَضَى الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابٍ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ: إِنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي»

    وفي رواية: «غَلَبَتْ غَضَبِي».

 

٢.قول أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها:

    «زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ».

 

٣.قول النبي ﷺ في تفسير قوله تعالى:

    ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾:

    «اللَّهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ». وقد قال أهل العلم المراد بالظهور هنا العلو ومنه قوله تعالى ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ أي يعلوه.

 

٤.قول النبي ﷺ:

    «يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ… فَيَصْعَدُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ…»

 

٥.قول النبي ﷺ:

    «إِنَّ اللَّهَ يَسْتَحْيِي مِنْ عَبْدِهِ إِذَا رَفَعَ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا».

 

٦.إشارته ﷺ إلى السماء في حجة الوداع حين رفع إصبعه الشريفة.

وما أشد خطأ قول الذين يزعمون أن الذي يشير بإصبعه إلى السماء عند قراءة قوله: (إليه يصعد الكلم الطيب) أو قوله تعالى: (أأَمنتم من في السماء) تقطع أصبعه، وربما نسبوا هذا القول إلى بعض الأئمة كالإمام مالك والإمام أحمد رحمهما اللّه، والنسبة غير صحيحة، بل نسبة باطلة وغير لائقة.

 

٧.قول النبي ﷺ:

    «أَلَا تَأْمَنُونِي وَأَنَا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ، يَأْتِينِي خَبَرُ السَّمَاءِ صَبَاحًا وَمَسَاءً».

 

٨.عن معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي جاريةٌ ترعى غنمًا لي قِبَلَ أُحُدٍ والجَوَّانِيَّةِ، فاطَّلعتُ ذات يومٍ فإذا الذئبُ قد ذهب بشاةٍ من غنمها، وأنا رجلٌ من بني آدم آسَفُ كما يأسفون، لكني صككتُها صكَّةً، فأتيتُ رسولَ الله ﷺ فعظَّم ذلك عليَّ، قلتُ: يا رسولَ الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتِني بها. فأتيتُه بها، فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة.

ولو كان خطأ لكان رسول الله ﷺ أحقَّ بالإنكار، وكان ينبغي أن يقول لها: لا تقولي ذلك… ولكن أقرَّها ﷺ، وشهد لها بالإيمان.

 

ثالثاً/ الآثار المروية في مسألة العلو

 

1.    عن كعب الأحبار رحمه الله قال: قال الله عزّ وجلّ في التوراة:

    «أَنَا اللَّهُ فَوْقَ عِبَادِي، وَعَرْشِي فَوْقَ جَمِيعِ خَلْقِي، وَأَنَا عَلَى عَرْشِي أُدَبِّرُ أَمْرَ عِبَادِي».

 

٢.عن مسروق رحمه الله أنه كان يقول عن عائشة رضي الله عنها:

    «حَدَّثَتْنِي الصِّدِّيقَةُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ… الْمُبَرَّأَةُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ».

 

٣.عن الضحاك رحمه الله في قوله تعالى:

    ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ قال: «هُوَ عَلَى عَرْشِهِ، وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ»،

    وفي لفظ: «هُوَ فَوْقَ الْعَرْشِ، وَعِلْمُهُ مَعَهُمْ أَيْنَمَا كَانُوا».

 

٤.روى أبو عبد الله الحاكم عن الأوزاعي قال:

كنا – والتابعون متوافرون – نقول: إن الله عز وجل فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته.

 

٥.روى عبد الله بن أحمد بن حنبل في الرد على الجهمية: حدثني أبي (فذكر سنده) عن عبد الله بن نافع قال: قال مالك بن أنس: «الله في السماء، وعلمه في كل مكان، لا يخلو منه شيء».

 

٦.قال الوليد بن مسلم: سألت الأوزاعي والليث بن سعد ومالكًا والثوري عن هذه الأحاديث التي فيها الرؤية وغير ذلك، فقالوا: «أمِرُّوها بلا كيف»،

    وفي لفظ: «أمِرُّوها كما جاءت بلا كيف»

 

رابعاً/ قول شعراء الاسلام 

 

1.    يقول الشاعر أمية بن أبي الصلت(كان موحداً لكنه لم يسلم):

سبحان من لا يقدر الخلق قدره     ومن هو فوق العرش فردٌ موحِّدُ

مليكٌ على عرش السماء مهيمنٌ    لعزته تعنو الوجوه وتسجدُ

 

٢.قال حسان بن ثابت رضي الله عنه وقد أنشد النبي ﷺ شعرًا:

شهدتُ بإذن الله أن محمدًا               رسولُ الذي فوق السمواتِ من عُلُو

وأن أبا يحيى ويحيى كلاهما         له عملٌ من ربه متقبَّلُ

وأن أخا الأحقاف إذ قام فيهم           يقول بذات الله فيهم ويعدل

 

٣.وقال لبيد بن ربيعة:

لله نافلةُ الأجلّ الأفضلِ                     وله العُلا وأثيثُ كلِّ مُؤثَّلِ

لا يستطيع الناس محو كتابه.        أنّى وليس قضاؤه بمبدَّلِ

سَوّى فأغلق دون عزّةِ عرشه           سبعًا طِباقًا دون فرع المعقلِ

والأرضُ تحتهم مهاداً راسيًا           ثبتت جوانبها بصمِّ الجندل 

 

 

خامساً / ذكر أقوال الفلاسفة المتقدِّمين والحكماء الأولين:

فإنهم كانوا مثبتين لمسألة العلو والفوقية، مخالفين لأرسطو وشيعته. وقد نقل ذلك أعلم الناس بكلامهم، وأشهرهم اعتناءً بمقالاتهم ابن رشد الحفيد. قال في كتابه ((مناهج الأدلة)) القول في الجهة: وأما هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة في أول الأمر يثبتونها لله سبحانه وتعالى حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومن اقتدى بقوله.

 

وظواهر الشرع كلها تقتضي إثباتها لله تعالى، مثل قوله سبحانه:

﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ﴾ [طه/5]،

وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة/255]،

وقوله تعالى: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة/17]،

وقوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة/5]،

وقوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج/4]،

وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك/16].

 

 إلى غير ذلك من الآيات التي إن سُلِّط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولًا، وإن قيل فيها إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهًا؛ لأن الشرائع كلها مبنية على أن الله في السماء، وأن منها تتنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين، وأن من السماء نزلت الكتب، وإليها كان الإسراء بالنبي ﷺ حتى قرب من سدرة المنتهى.

قال: وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله وملائكته في السماء، كما اتفقت جميع الشرائع على ذلك. والشبهة التي قادت نفاة الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثبات الجهة يوجب إثبات المكان، وإثبات المكان يوجب إثبات الجسمية.

قال: ونحن نقول إن هذا كله غير لازم، فالجهة غير المكان، وذلك أن الجهة هي: إما سطوح الجسم نفسه المحيط به، وهي ستة، وبهذا نقول إن للحيوان فوقًا وسفلًا ويمينًا وشمالًا وأمامًا وخلفًا، وإما سطوح جسم آخر محيط بالجسم من الجهات الست. فأما الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم أصلًا، وأما سطوح الجسم المحيط به فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان، وسطوح الفلك المحيطة بسطوح الهواء، وهي أيضًا مكان الهواء، وهذه الأفلاك بعضها محيط ببعض ومكان له.

وأما سطح الفلك الخارج فقد تبرهن أنه ليس خارجه جسم، لأنه لو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون خارج فلك الجسم أيضًا جسم آخر، ويمتد الأمر إلى غير نهاية. فإذًا سطح آخر أجسام العالم ليس مكانًا أصلًا، إذ لا يمكن أن يوجد فيه جسم، فإذا قام البرهان على وجود موجود في هذه الجهة فواجب أن يكون غير جسم، فالذي يمتنع وجوده هناك هو الجسم، لا الموجود الذي ليس بجسم.

وليس لهم أن يقولوا إن خارج العالم خلاء، لأن الخلاء قد تبين في العلوم النظرية امتناعه، إذ ليس هو إلا أبعادًا بلا جسم: طولًا وعرضًا وعمقًا، فإن رُفعت الأبعاد عاد عدمًا، وإن جُعل موجودًا لزم أن تكون أعراضًا قائمة بغير جسم، وهي من باب الكمية.

وقد قيل في الآراء السالفة والشرائع الغابرة إن ذلك الموضع هو مسكن الروحانيين، ويريدون الله والملائكة، وأن ذلك الموضع ليس بمكان ولا يحويه زمان، وأن ما كان خارج الزمان والمكان لا يلحقه الفساد. ولما كان الموجود الأشرف يُنسب إلى الجهة الأشرف، وجب أن يُنسب إلى السماوات لشرفها، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر/57].

قال: فهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم. وقد ظهر من ذلك أن إثبات الجهة واجب بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه، وأن إبطال هذه القواعد إبطال للشرائع.

فهذا كلام فيلسوف الإسلام، الذي هو أخبر بمقالات الفلاسفة والحكماء وأكثر اطلاعًا عليها من ابن سينا، وكان يخالفه نقلًا وبحثًا.


 

 

 

ومن نظر في قصص الأنبياء، وأخبار الأوائل القدماء، وأنباء الأمم الماضية والقرون الخالية اتضحت له هذه المعاني، واستحكمت له هذه المبان فان صفة استواء الله على عرشه صفة كمال ثابتة بوابل من ادلة الكتاب والسنة ودرج على إثباتها جميع الصحابة والتابعين وتابعيهم باحسان. قال الشيخ أبو محمد عبد القادر الجيلي: (وعُلُو اللّٰه على خلقه فوق سماواته في كل كتاب أنزل على كل نبي أرسل). ويكفي أن شعراء الجاهلية مقرّون به على فطرتهم الأولى، كما قال عنترة في قصيدته:

يا عبلُ أين من المنيّة مهربي       إن كان ربي في السماء قضاها

 

فإذا كان الأمر كذلك فما هي شبهة المنكرين؟!

 

 


ادعوا المجاز في الاستواء 

وقالوا في معنى استوى بانه استولى، وهذا لا معنى له لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله تعالى لا يغالبه أحد، وهو الواحد الصمد.

 قال أبو عبيدة في قوله: (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ) قال: علا.

 قال: وتقول العرب: استويت فوق الدابة، واستويت فوق البيت

 وقال غيره: استوى: أي استقر، واحتج بقوله تعالى: (وَلَمَّابَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى) [القصص/ ١٤] أي: انتهى شبابه واستقر، فلم يكن في شبابه مزيد.

 قال ابن عبد البر: والاستواءُ: الاستقرارُ في العلو، وبهذا خاطبنا اللّٰه تعالى في كتابه فقال: (لِتَسْتَوُاْ عَلَىٰ ظُهُورِهِ، ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ) [الزخرف/ ١٣].

وقال تعالى: (وَاسْتَوَتْ عَلَى ٱلْجُودِيِّ) [هود/ ٤٤].

وقال تعالى: (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) [المؤمنون/ ٢٨].

 

وقال الشاعر:

فأوردتهم ماءً بفيفاء قفرةٍ     وقد حَلَّق النجم اليماني فاستوى 


وهذا لا يجوز أن يتأول فيه أحد استولى، لأن النجم لا يستولي.

 



وأما نصوص المعية والقرب التي يتعلقون بعمومها محاولين الفهم منها ان الله في كل مكان بذاته- وهي لا تدل على ذلك لو فهموها حق فهمها - وتلك النصوص هي:

 

١.    قال تعالى:

   

 ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا ۖ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

    (الآية 4، سورة الحديد)


٢.    قال تعالى:

    

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۖ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَىٰ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ۖ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾

    (الآية 7، سورة المجادلة)

 

فآية سورة الحديد يُخبر الله فيها بأنه سبحانه عالم بكل ما يجري في العالم السفلي والعلوي، بالتفصيل، وهو مع عباده أينما كانوا، لأنه بصير بجميع أعمالهم، خبير بها. فذِكْرُ العلم في أول الآية قبل ذكر المعية، ثم تذييل الآية بأنه بصير بأعمالهم، قرينة واضحة بأن المراد بالمعية معية العلم والإحاطة. 


أما قرينة آية سورة المجادلة فإنها أقوى وأصرح، حيث بدأت الآية الحديث بالعلم، وخُتمت بالعلم أيضًا. وإذا أمعنّا النظر في أحكام المعية في الآيتين الكريمتين، وأضفنا إليهما النصوص التي جاء فيها ذكر قرب الله تعالى من بعض عباده في كتابه، وسنة نبيه ﷺ، نستطيع أن نفهم منها ما فهمنا من الآيتين السابقتين، لأن القرينة المذكورة هناك سوف تجري في بقية النصوص التي فيها ذكر المعية أو القرب إن جاءت خالية من القرينة، ويُضاف إلى ذلك إخبار الله عن نفسه بأنه فوق سماواته، مع ما فطر الله عليه عباده من أنه تعالى يُدعى من فوق لا من سفل. قال الحافظ ابن القيم – في صدد حديثه عن المعية والقرب: (وهذا القرب لا ينافي مباينة الله لخلقه واستواءه على عرشه، بل يلازمه، فإنه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعض، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، ولكنه نوع آخر).


قال الحافظ ابن عبد البر – وهو يناقش نفاة العلو –: وأما احتجاجهم بقوله تعالى:


﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ، وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ، وَلَا أَدْنَىٰ مِنْ ذَٰلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾، فلا حجة لهم في ظاهر هذه الآية، لأن علماء الصحابة والتابعين الذين حُمِل عنهم التأويل قالوا في تأويل هذه الآية: هو على العرش وعلمه في كل مكان، وما خالفهم في ذلك أحد يُحتج بقوله.

 


 

وذكر الله تعالى قربه من بعض عباده في حالتين اثنتين فقط:

 

الأولى: ذكر في معرض إجابة دعاء من دعاه، حيث يقول الله تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ، أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ 

ومعنى القرب هنا واضح، وهو قرب إجابة من دعاه، إذ هو معه، يرى مكانه، ويسمع دعاءه، ويعلم ما يريد العبد أن يقوله قبل أن يقوله، لأنه هو الذي وفقه ليدعوه، ثم هو الذي يجيب دعاءه، فهذا قربه من داعيه. يقول بعض أهل العلم: إن الآية المذكورة نزلت جوابًا للصحابة رضي الله عنهم حين سألوا رسول الله ﷺ قائلين: (ربنا قريب فنناجيه أم بعيد فنناديه؟) فأنزل الله هذه الآية.

 

الثانية: ذكر القرب في إثابة عابديه والمتقربين إليه بالأعمال الصالحة، وذلك قوله ﷺ: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد»، وقال ﷺ: «وأقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل الآخر». وورد في صحيح البخاري عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر، فارتفعت أصواتنا بالتكبير، فقال: «يا أيها الناس، اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته»

 

 




وأخيراً، فإنني على يقين لا يخالطه شك ان كل من ينفي علو الله تعالى بلسانه تقليداً ومسايرةً لجمهور أهل الكلام فان ضميره يؤنبه وهو متكلف يهرف بما لا يعرف. وإن قلبه يلتفت إلى السماء عند التضرع والدعاء. ويكفيه قوله عند السجود (سبحان ربي الأعلى).

 

فسبحان ربنا الأعلى المنزه عن كل نقص وعيبٍ، مثبتين له سبحانه ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله. ونعوذ به سبحانه من التحريف والتعطيل لصفاته كما هو الحال في تسبيح المنحرفين في صفات اللّٰه مثل المعتزلة، والمعطلة، والإباضية، وغيرهم. فالقاعدة عند أهل السنة والجماعة انه لا يثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام، وفي هذا المعنى روى الإمام البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري رحمهما الله انه قال: (من الله الرسالة ومن الرسول البلاغ وعلينا التسليم). هذا هو مسلك سلفنا الصالح فيسعنا ما وسعهم.


فكل خير في اتباع من سلف     وكل شر في ابتداع من خلف.

 

و الحمدلله،